أنت ملاكي الجزء الثالث
أوراق الماضي وأحلام الغد
بقلم مريم الحسن
ارتسمت خريطةٌ دقيقةٌ على وجه الأستاذة فاطمة وهي تتأمل الرسالة التي وصلت في البريد. لم تكن مجرد رسالةٍ عادية، بل كانت تحمل توقيعاً من محاميٍ معروفٍ في المدينة. فتحتها ببطء، وعيناها تتبعان كل كلمةٍ مكتوبة، وكل حرفٍ من حروف هذا الخط الرسمي.
"إلى حضرة السيدة فاطمة،
تحية طيبة وبعد،
بصفتي وكيلاً عن السيد يوسف الخالد، أتقدم إليكم بهذا الخطاب الرسمي لأعلمكم بقرار موكلي. بعد تفكيرٍ عميقٍ وموازنةٍ لجميع الظروف، قرر موكلي، حفظاً لماء وجه الأسرة وتفادياً للمزيد من الإحراج، أن يتقدم بخطبةٍ رسميةٍ لابنتكم الآنسة ليلى.
سيتم إرسال وفدٍ من عائلته الكريمة لزيارتكم في الأسبوع القادم، وذلك لتحديد موعدٍ نهائيٍ للخطبة، واستكمال الإجراءات الرسمية. نأمل أن تجدوا في هذا العرض ما يرضيكم، وأن يتم الأمر بالتي هي أحسن.
تفضلوا بقبول فائق الاحترام، المحامي أحمد سعيد."
أغمضت الأستاذة فاطمة عينيها للحظة، وشعرت بدوارٍ خفيفٍ يصيبها. يوسف الخالد؟ خطبة؟ لم تتوقع هذا أبداً. كانت تعلم أن هناك تاريخاً بين عائلتيها، تاريخٌ مليءٌ بالذكريات، وربما، بالخلافات القديمة.
تذكرت كيف كانت جدتها تتحدث عن والدة يوسف، السيدة آمنة، وكيف كانت علاقة الصداقة بينهما قبل أن تتعكر بسبب بعض الخلافات في تجارة الأقمشة. ثم تذكرت كيف تصادمت أفكار والدها مع والد يوسف حول بعض القضايا العقارية. لم تكن تعلم تفاصيل كل تلك الأمور، ولكنها كانت تعرف أن هناك جفاءً قديماً بين العائلتين.
"يوسف الخالد..." همست باسمه، وكأنها تنطق سراً قديماً. كانت قد سمعت عنه القليل. كان شاباً يعمل في الخارج، وله سمعةٌ جيدة، ولكنها لم تكن تعرفه عن قرب.
فتحت عينيها مجدداً، ونظرت إلى الرسالة. كان يوسف الخالد رجل أعمالٍ ناجح، ومن عائلةٍ ذات مكانةٍ مرموقة. قد يكون هذا الزواج فيه خيرٌ لليلى، ولكن قلبها كان يخفق بشيءٍ من القلق.
"هل هذا ما كانت تتمناه ليلى؟" تساءلت في نفسها. لقد تحدثت معها عن أحمد، وعن مشاعرها تجاهه. هل سيغير هذا التطور كل شيء؟
نهضت الأستاذة فاطمة من مقعدها، وذهبت إلى غرفة ليلى. وجدتها جالسةً على سريرها، تتصفح كتاباً، ولكن عينيها كانت شاردتين.
"ليلى، يا ابنتي،" قالت الأستاذة فاطمة بصوتٍ هادئ.
رفعت ليلى رأسها، ورأت في عيني والدتها شيئاً غير عادي. "ما الأمر يا أمي؟"
"وصلني خطابٌ من محامي السيد يوسف الخالد."
تجمدت ليلى للحظة. يوسف الخالد؟ اسمٌ لم تسمعه منذ زمنٍ طويل، إلا في سياق ذكريات العائلة القديمة. "ماذا يريد؟"
"يطلب خطبةً رسميةً لكِ."
كانت الصدمة واضحةً على وجه ليلى. شعرت وكأن الأرض تدور بها. "خطبة؟ ولكن... كيف؟ ولماذا الآن؟"
"لا أعرف التفاصيل يا ابنتي، ولكن يبدو أنهم جادون. سيأتون الأسبوع القادم."
شعرت ليلى بقلبها يرتعش. كانت تفكر في أحمد، وفي الرسالة التي تبادلاها، وفي اللقاء الذي كانا يخططان له. كيف يمكن أن يحدث كل هذا في وقتٍ واحد؟
"يا أمي،" قالت ليلى بصوتٍ مرتجف، "أنا... أنا أفكر في شخصٍ آخر."
نظرت إليها الأستاذة فاطمة بعينين واسعتين. "شخصٌ آخر؟ هل هو نفس الشاب الذي تحدثتِ عنه؟ أحمد؟"
أومأت ليلى برأسها، والدموع تترقرق في عينيها. "نعم يا أمي، إنه هو."
جلست الأستاذة فاطمة بجانب ابنتها، وأمسكت بيدها. "يا بنيتي، أنا أفهم. ولكن هذه أمورٌ تتطلب حكمةً وروية. يوسف الخالد عائلةٌ عريقة، وزواجه منكِ قد يكون له فوائدٌ للعائلة. ولكن في الوقت نفسه، مشاعركِ هي الأهم."
"ولكن يا أمي، قلبي مع أحمد. لقد بدأت أشعر بشيءٍ جميلٍ تجاهه، شيءٌ لم أشعر به من قبل."
"أعلم يا ليلى. ولكن يجب أن نرى ما هي نوايا يوسف الخالد. وهل كان هذا العرض منه أم من أهله؟ وهل هناك أي اتفاقاتٍ قديمة بين العائلتين؟"
"هل يمكن أن نؤجل هذا الأمر؟" سألت ليلى.
"لا أعتقد أن هذا ممكنٌ يا ابنتي، خاصةً وأنهم أرسلوا وفداً. علينا أن نتحاور معهم، ونرى ما لديهم. ولكن الأهم من ذلك، أن نحافظ على وضوح رؤيتنا. لا تدعي هذا الأمر يشتت تفكيركِ عن أحمد. ما زلتِ تستطيعين التواصل معه، وربما، إذا كانت الأمور تتجه نحو الزواج، يمكننا أن نوضح لعائلته موقفكِ."
شعرت ليلى ببعض الارتياح، ولكن القلق لم يفارقها. كانت هذه الضغوطات تأتي دفعةً واحدة، وكأنها تختبر مدى صلابتها.
في نفس الوقت، كان أحمد في مكتبه، يتفحص بعض الأوراق المتعلقة بمشروعه الجديد. وصله إشعارٌ برسالةٍ جديدة. فتحها، ليجد رسالةً من صديقٍ له، يعمل في شركة محاماةٍ في المدينة.
"أحمد يا صديقي،
آمل أن تكون بخير. وصلني خبرٌ غريبٌ اليوم. علمتُ أن السيد يوسف الخالد، ابن عمك من الدرجة الثانية، قد قرر العودة إلى البلاد بهدفٍ يبدو أنه الزواج. علمتُ أيضاً أنه سيتقدم لخطبة الآنسة ليلى، ابنة الأستاذة فاطمة.
كنت أعلم أنك مهتمٌ بالآنسة ليلى، لذلك أردتُ أن أخبرك. لم أكن أعرف تفاصيل العلاقة بينهما، ولكن يبدو أن الأمور تتجه نحو مسارٍ قد لا يعجبك.
ابقَ على تواصل. صديقك المخلص، سامي."
شعر أحمد ببرودةٍ تسري في عروقه. يوسف الخالد؟ خطبة ليلى؟ كان يعلم أن هناك قرابةً بين عائلته وعائلة الخالد، ولكن لم يكن على علمٍ بتفاصيل علاقاتهم.
"هل حقاً؟" تمتم لنفسه، وشعر بخيبة أملٍ موجعة. هل كل ما بناه من أملٍ وتخطيطٍ سيتلاشى بهذه السرعة؟
تذكر حواره مع ليلى، والرسائل التي تبادلاها، وابتسامتها التي شعر بأنها كانت مليئةً بالصدق. هل كانت كل تلك اللحظات مجرد بدايةٍ لفصلٍ جديدٍ في حياتها، لا علاقة له به؟
"يوسف الخالد..." تكررت الكلمة في ذهنه. كان يعلم أن يوسف رجلٌ طموح، ولديه سمعةٌ جيدة. هل كان هذا زواجاً مصلحةٍ للعائلتين؟ أم أن هناك مشاعر حقيقيةً بينهما؟
تذكر كيف كانت والدته تتحدث عن السيدة آمنة، والدة يوسف. كانت امرأةً قوية، ولها آراءٌ صارمة. ربما كانت هي من دفعت ابنها لهذا القرار.
شعر أحمد بغضبٍ مكتومٍ يعتري قلبه. لم يكن غضباً على يوسف، بل على الظروف التي يبدو أنها تتآمر ضده.
"لماذا لم تخبرني ليلى؟" تساءل في حيرة. هل كانت تعرف بهذا الأمر مسبقاً؟ أم أنها تفاجأت به كما تفاجأ هو؟
كانت الشكوك تتسلل إلى عقله، تزرع بذور عدم الثقة. هل كانت ليلى تلعب معه؟ هل كانت تستخدمه كذريعةٍ لرفض عرضٍ آخر؟
وضع أحمد الرسالة جانباً، وشعر بثقلٍ كبيرٍ على كتفيه. كان يحتاج إلى التفكير، وإلى فهم ما يحدث.
"يجب أن أتحدث معها،" قال لنفسه بصوتٍ حازم. "يجب أن أفهم منها مباشرةً ما هي حقيقة الأمور."
كان يفكر في اللقاء الذي كانا يخططان له. هل يجب أن يؤجله؟ أم أن يواجهها بالأمر؟
في النهاية، اتخذ قراره. سيواجهها، وسيسمع منها. لا يريد أن يترك الأمر للشائعات أو للتخمينات.
"سنلتقي،" تمتم لنفسه، "وسنرى ما هي الحقيقة."
في تلك الليلة، لم يستطع أيٌ من ليلى أو أحمد النوم. كانت الأفكار تدور في رأسيهما، والأسئلة تتكاثر. كان المستقبل يبدو غامضاً، مليئاً بالتحديات. هل ستتمكن ليلى من التمسك بمشاعرها تجاه أحمد؟ وهل سيستطيع أحمد أن يتجاوز شكوكه؟
كانت أوراق الماضي تتطاير، تحمل معها ذكرياتٍ قديمة، بينما كانت أحلام الغد معلقةً في الهواء، تنتظر قراراً حاسماً، وقدرةً على المواجهة.