أنت ملاكي الجزء الثالث

مرآة الحقيقة وصدى الشك

بقلم مريم الحسن

ارتجفت يدا ليلى وهي تفتح باب منزلها. كان قلبها يدق بعنفٍ، وكأن طائراً محبوساً يحاول الهرب من قفصه. كان الهواء يحمل عبق البرتقال الذي تزينه شرفات البيوت القديمة، ولكن هذا العبق لم يكن كافياً ليخفف من وطأة القلق الذي يلفها.

كانت تتذكر تفاصيل محادثتها مع والدتها بالأمس. كلامٌ كثير، ولكن لم يصل إلى نتيجةٍ واضحة. العرض الرسمي من عائلة الخالد كان بمثابة سحابةٍ سوداء حجبت شمس أيامها المشرقة. كيف يمكن أن تواجه أحمد بهذا الخبر؟ وكيف ستفسر له صمتها؟

"ربما كان يجب أن أخبره في الرسالة،" قالت في نفسها، "ولكن كيف؟ هل أقول له 'شكراً على اهتمامك، ولكنني تلقيت عرضاً من شخصٍ آخر'؟ هذا يبدو قاسياً جداً."

لقد شعرت بصدق أحمد، وإعجابه بشخصيتها. كانت تنتظر لقاءهما بشغف، لتفهم ما يدور في قلبه. والآن، تضاربت الأمور، ووجدت نفسها في موقفٍ لا تحسد عليه.

بعد دقائق، سمعت صوت جرس الباب. تجمدت في مكانها للحظة، ثم استجمعت قوتها وفتحت الباب. كان أحمد يقف هناك، يبتسم ابتسامةً هادئة، ولكن عينيه كانتا تحملان نظرةً فيها شيءٌ من التساؤل.

"مساء الخير، أستاذة ليلى،" قال أحمد بصوتٍ رخيم.

"مساء النور، أستاذ أحمد. تفضل،" قالت ليلى، محاولةً إخفاء ارتباكها.

دخلا إلى الصالة، حيث كانت الأستاذة فاطمة تستقبلهما بترحيبٍ حار. كانت الأجواء تبدو طبيعيةً في الظاهر، ولكن ليلى شعرت بأن هناك شيئاً مختلفاً.

بدأ أحمد حديثه عن مشروع التعاون، وعن الأفكار التي يراودها. كان يتحدث بحماسٍ وشغف، ولكن ليلى كانت تشعر بأن كلماته تحمل نبرةً أخرى، نبرةً تبحث عن إجابات.

"كنت أود أن أتحدث معكِ يا أستاذة ليلى في بعض التفاصيل،" قال أحمد بعد فترة، "ولكن قبل ذلك، أود أن أتأكد من أن الأمور بيننا واضحة. هل تلقيتِ أي أخبارٍ جديدة؟"

توقفت ليلى للحظة، وشعرت بقلبها ينقبض. هذه هي اللحظة. "نعم،" قالت بصوتٍ خفيض، "وصلني عرضٌ من عائلة الخالد."

ارتسمت على وجه أحمد علاماتٌ لم تستطع ليلى قراءتها بدقة. هل كانت مفاجأة؟ أم خيبة أمل؟ أم شيءٌ آخر؟

"عائلة الخالد؟" كرر أحمد، وصوته يحمل نبرةً غريبة. "هل هو السيد يوسف الخالد؟"

"نعم،" أجابت ليلى، وهي تشعر بضعفٍ ينساب في أطرافها.

صمت أحمد للحظة، ثم قال: "حسناً. هل تعرفين نواياه؟"

"لقد أرسلوا وفداً، ومن المفترض أن يأتوا قريباً."

"وهل أنتِ مستعدةٌ لهذا الأمر؟"

شعرت ليلى بضغطٍ شديد. كان سؤال أحمد مباشرةً، وفي صميم الموضوع. "أنا... أنا لست متأكدةً يا أستاذ أحمد. قلبي ما زال معلقاً ببعض الأمور الأخرى."

"أي أمورٍ أخرى؟" سأل أحمد، وعيناه تبحثان عن الحقيقة في عينيها.

"نعم،" قالت ليلى، "مع مشاعري تجاهك، ومع ما شعرت به في لقائنا الأخير."

ارتسمت على وجه أحمد ابتسامةٌ خفيفة، ولكنها لم تكن تصل إلى عينيه. "هل هذا صحيح؟"

"نعم."

"ولماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟"

شعرت ليلى بالذنب. "كنت خائفةً من أن أزعجك، أو أن أتصرف بطريقةٍ غير لائقة. لم أكن أريد أن أستعجل الأمور."

"استعجال الأمور؟" قال أحمد، وارتسم على وجهه شيءٌ من الحزن. "ولكن ماذا عن الآن؟ هل أصبحتِ مستعدةً لتقديم عرض السيد يوسف الخالد؟"

"لا، لست مستعدةً يا أستاذ أحمد. ولكني أيضاً لا أستطيع أن أرفض عرضاً كهذا بهذه البساطة. إنها عائلةٌ كبيرة، ولها اعتبارها."

"اعتبارها؟" قال أحمد، وبدأت نبرته تحمل بعض المرارة. "وهل اعتبار العائلة أهم من مشاعرك؟"

"ليس الأمر هكذا يا أستاذ أحمد. الأمر معقدٌ جداً."

"كل الأمور معقدةٌ يا أستاذة ليلى، ولكن يجب أن تكوني صادقةً مع نفسك، ومعي. هل هناك أي فرصةٍ لي؟"

نظرت ليلى إلى عينيه، ورأت فيهما رجلاً يبحث عن أملٍ قد يضيع. شعرت بقلبها يتألم. "أنا لا أعرف يا أستاذ أحمد. حقاً لا أعرف."

في هذه الأثناء، كانت الأستاذة فاطمة تراقب الموقف بصمت. رأت الارتباك على وجه ابنتها، والحزن الذي بدأ يرتسم على وجه أحمد. أدركت أن الأمور تسير في اتجاهٍ لم تكن تتوقعه.

"ليلى،" قالت الأستاذة فاطمة بصوتٍ هادئ، "ربما يجب أن نتحدث عن هذا الأمر لاحقاً. لا أعتقد أن الوقت مناسبٌ الآن."

وافقت ليلى على الفور. شعرت بأنها في حاجةٍ إلى بعض الوقت للتفكير، وللتنفس.

عندما ذهب أحمد، شعرت ليلى بأنها فقدت شيئاً ثميناً. كانت تشعر بأن مرآة الحقيقة قد انعكست عليها، وكشفت عن ضعفها وعدم قدرتها على اتخاذ قرارٍ حاسم.

"ماذا فعلت؟" همست في سكون، والدموع بدأت تتساقط على خديها.

في سيارته، كان أحمد يقود بلا هدف. كان يفكر في كلمات ليلى، وفي صمتها، وفي ارتباكها. كانت كلماتها تحمل صدقاً، ولكنها كانت أيضاً تحمل الكثير من التردد.

"هل حقاً لم تكن تعرف؟" تساءل في نفسه. "أم أنها كانت تعرف، وكانت تخفي الأمر؟"

كانت الشكوك تتراكم في ذهنه، تزرع بذور عدم الثقة. لم يكن يريد أن يتهمها بالخداع، ولكنه لم يستطع أن يتجاهل الحقيقة.

"إذا كانت حقاً تشعر بشيءٍ تجاهي، فلماذا لم تخبرني؟ ولماذا لم تكن واضحةً من البداية؟"

كانت هذه الأسئلة تعذبه، وتجعله يشعر بالوحدة. شعر بأن كل الأمل الذي كان يراوده قد تبدد.

"ربما كان يوسف الخالد هو الأنسب لها،" فكر بمرارة. "ربما كانت هذه هي مشيئة الله."

ولكن قلبه كان يرفض هذا الاستسلام. كان يريد أن يؤمن بصدق مشاعر ليلى، ولكن الشك كان أقوى منه.

عاد أحمد إلى منزله، وشعر بأن حياته قد انقلبت رأساً على عقب. كان قد وضع كل آماله في هذه العلاقة، والآن، يبدو أن كل شيءٍ قد انتهى قبل أن يبدأ.

في الأيام التالية، حاول كلٌ من ليلى وأحمد تجنب بعضهما البعض. كانت ليلى تشعر بالحرج الشديد، وكانت تخشى أن تواجه أحمد مرةً أخرى. أما أحمد، فقد كان يشعر بالمرارة، وبأن الثقة قد اهتزت بينهما.

كانت الأستاذة فاطمة تحاول جاهدةً رأب الصدع، وتشجيع ابنتها على اتخاذ موقفٍ حاسم. ولكن ليلى كانت محاطةً بسيلٍ من المشاعر المتضاربة، ولم تكن تعرف كيف تخرج من هذا المأزق.

كانت الأيام تمر ببطء، وكل يومٍ كان يحمل معه ثقلاً جديداً. هل يمكن لليلى أن تستعيد ثقة أحمد؟ وهل يمكن لأحمد أن يتجاوز شكوكه؟ كان المستقبل معلقاً، ينتظر قراراً، ولحظةً صادقةً تكشف عن الحقيقة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%