أنت ملاكي الجزء الثالث
ظلال الفضح والابتزاز
بقلم مريم الحسن
كانت غرفة سعاد مضاءة بضوء خافت، بالكاد يكشف عن تفاصيل الأثاث القديم. جلست سعاد في كرسيها، تراقب هاتفها الذي يرن بتردد. كل رنة كانت كصوت قرع طبول الحرب في قلبها. لم تكن تعرف من المتصل، ولكنها كانت تعلم أنهم يسعون إلى إزعاجها، إلى تعكير صفو حياتها.
منذ أن بدأت تهديدات ذلك الشخص الغامض، لم تنم سعاد الليل. كانت كل لحظة تمر عليها كأنها دهر. كانت تفكر في ابنتها، ليلى، تفكر في مدى تأثير ذلك السر الذي يهدد بفضحها عليها. كانت تعلم أن ليلى تثق بها ثقة عمياء، وأنها تعتبرها قدوة. فكيف ستنظر إليها إذا انكشف ماضيها؟
في تلك الليلة، تلقت رسالة جديدة. كانت الرسالة قصيرة، ولكنها تحمل في طياتها تهديداً صريحاً. "غداً، سنلتقي. في نفس المكان القديم، عند الغروب. إذا لم تأتي، فسأكشف كل شيء. أوراقكِ، وصوركِ، وكل ما يثبت ماضيّكِ."
شعرت سعاد بالبرودة تتسرب إلى جسدها. "نفس المكان القديم". لقد عرفت المكان الذي يقصده. كان مكاناً له ذكرى خاصة في ماضيها، مكاناً شهد على بداية معاناتها، وبداية أخطائها.
كانت سعاد قد تحدثت مع السيد أحمد عن الأمر. لقد حاول أن يقنعها بالذهاب إلى الشرطة، ولكنه لم يستطع. كانت تخشى أن يؤدي ذلك إلى تعقيد الأمور، أو أن يؤثر على سمعتها قبل أن يتأكد من هوية هذا الشخص.
"يا سعاد، هذا ابتزاز واضح. يجب أن نبلغ الشرطة. لا يمكنكِ تحمل هذا العبء وحدكِ." قال السيد أحمد بحزم.
"ولكن يا أحمد، إذا ذهبت إلى الشرطة، فربما يبدأون في التحقيق، وربما يكتشفون الأمر قبل أن أتمكن من السيطرة عليه. أنا أريد أن أفهم ما يريده هذا الشخص، وأن أحاول أن أحله بنفسي." قالت سعاد، وصوتها يرتجف.
"وهل أنتِ متأكدة من قدرتكِ على ذلك؟ هل أنتِ مستعدة لما قد يحدث؟" سأل السيد أحمد، وعيناه تملآنها بالاهتمام.
"لست متأكدة، ولكن عليّ أن أحاول. من أجل ليلى. لا أريد أن تخسر ابنتي ثقتها بي."
في اليوم التالي، استيقظت سعاد مبكراً، بالرغم من قلة النوم. كانت ترتدي ملابس بسيطة، ولكن أنيقة. شعرت بأنها بحاجة إلى ارتداء ملابس تجعلها تشعر بالقوة والكرامة.
في عصر ذلك اليوم، اتجهت سعاد إلى المكان الذي وصفه لها ذلك الشخص. كان مكاناً مهجوراً على أطراف المدينة، كان قديماً، ويحمل في طياته قصصاً من الماضي. كانت الشمس تغرب، تلقي بظلال طويلة، تزيد المكان غموضاً.
عندما وصلت، لم تجد أحداً. انتظرت بضع دقائق، وقلبها يخفق بعنف. وفجأة، سمعت صوتاً من خلفها. "أهلاً بكِ يا سعاد."
استدارت سعاد، ورأت رجلاً يقف في الظلام. كان رجل يرتدي ملابس داكنة، ووجهه مغطى جزئياً بظلال الغروب. لم تستطع أن تحدد هويته بشكل واضح.
"من أنت؟ ماذا تريد؟" سألت سعاد، بصوت حاولت أن تجعله قوياً.
ابتسم الرجل ابتسامة باردة. "أنا الشخص الذي يعرف كل شيء عن ماضيكِ. الشخص الذي يملك دليلاً على أخطائكِ."
"ماذا تريد؟ مال؟" سألت سعاد، وهي تشعر بالخوف يتسلل إلى روحها.
"المال؟ نعم، المال هو أحد الأسباب. ولكن ليس السبب الوحيد. أريد أيضاً أن أرى الندم في عينيكِ. أريد أن أرى الخوف الذي تعيشين فيه." قال الرجل، ونبرته تحمل سخرية.
"لقد دفعت ثمن أخطائي. لقد عشت حياة صعبة، وعملت بجد. لا أعتقد أن لديك الحق في مضايقتي." قالت سعاد، وهي تشعر بالغضب يختلط بخوفها.
"الحق؟ أنتِ تتحدثين عن الحق؟ أين كان حقكِ عندما كنتِ تخدعين الناس؟ عندما كنتِ تستغلين ضعفهم؟" قال الرجل، وبدأ يتحدث عن تفاصيل من ماضي سعاد، تفاصيل لم يتوقع أحد أن يعرفها.
كان يتحدث عن فترة من حياتها، عندما كانت سعاد تبحث عن عمل، واضطرت للتعامل مع بعض الأشخاص الذين لم يكونوا على خلق. لقد اضطرت لأن تفعل بعض الأمور التي لم تكن راضية عنها، فقط لكي تعيش، ولكي توفر المال لابنتها.
"أنتِ لم تكوني بريئة أبداً يا سعاد. كنتِ تعرفين ما تفعلين." قال الرجل، وصوته يزداد حدة.
"لقد كنت صغيرة، وكنت في موقف صعب. لم يكن لدي خيار آخر." قالت سعاد، والدموع بدأت تتساقط من عينيها.
"الظروف الصعبة ليست عذراً لكل شيء." قال الرجل، وبدأ يقدم لها عرضاً. "أعطني مبلغاً كبيراً من المال، وإلا فسأرسل كل هذه الأوراق إلى ابنتكِ. وأعتقد أن هذا سيكون نهاية حياتها الهادئة."
شعرت سعاد بالصدمة. هذا الشخص لم يكن يريد المال فقط، بل كان يريد أن يدمر حياتها بالكامل.
"من أنت؟ لماذا تفعل هذا؟" سألت سعاد، بصوت مكسور.
"أنا... أنا شخص تأذى منكِ في الماضي. شخص لن ينسى أبداً ما فعلتِه." قال الرجل، وبدأ يذكر اسمها، اسم شخص لم تتذكره سعاد.
"لا أتذكرك." قالت سعاد.
"وهذا هو الأهم، أليس كذلك؟ أن تكوني قد نسيتِ الأشخاص الذين آذيتِهم. ولكنهم لم ينسوكِ." قال الرجل، وبدأ يقدم لها وثائق، صوراً، وأوراقاً.
"هذه هي أدلتي. لديكِ يومان فقط. وإلا..." قال الرجل، وألقى بالوثائق على الأرض أمامها.
نظرت سعاد إلى الأوراق، ورأت فيها صوراً لها من فترة ماضية، وصوراً لوجوه لا تعرفها. شعرت بالارتعاب.
"إذا لم تستجيبي، فلن يكون لديكِ سوى السمعة السيئة." قال الرجل، ثم استدار وبدأ يبتعد.
"انتظر! ماذا تريد بالضبط؟" صرخت سعاد.
لكنه لم يستمع. اختفى في الظلام، تاركاً سعاد وحدها مع أشباح ماضيها، مع تهديد واضح بفضح كل شيء.
وقفت سعاد في الظلام، تراقب المكان الذي اختفى فيه الرجل. شعرت بأنها فقدت كل شيء. لقد حاولت جاهدة أن تبني حياة جديدة، حياة كريمة، ولكن ماضيها كان يطاردها. كانت تعلم أن هذه المعركة لن تكون سهلة، وأن عليها أن تجد حلاً، وأن تتصرف بسرعة، قبل أن يفوت الأوان، وقبل أن تدمر حياة ابنتها.