أنت ملاكي الجزء الثالث

غيمة سوداء فوق سماء المحبة

بقلم مريم الحسن

كانت نسمات الهواء العليلة التي كانت تداعب أغصان النخيل في بستان الشيخ أحمد، والتي طالما حملت معها عطر الياسمين وعبق التمر، قد أصبحت تحمل الآن ثقلاً غريباً، هدوءاً مسبقاً لعاصفة لا تبقي ولا تذر. يجلس أحمد، الذي اعتاد أن يشع وجهه بالبشاشة والسكينة، اليوم شاحباً، يرتشف قهوته المرة ببطء، وعيناه مثبتتان على الأفق البعيد، حيث تتماهى زرقة السماء مع خضرة الأرض في لوحة لم تعد تسر خاطره. لقد طرأت على حياته متغيرات لم يكن يتوقعها، رياح عاتية أزعزعت استقراره، وأنباء كأنها صواعق تدوي في سكون روحه.

في الجهة المقابلة، في ركن أثير من مجلس الشيخ، كانت والدة ريم، السيدة سكينة، تبدو أكثر قلقاً من المعتاد. كانت أناملها تتحرك بلا إرادة بين خيوط المسبحة التي تحملها، وكلمات الدعاء تتردد على شفتيها بصوت خفيض، كأنها تحاول استدرار رحمة السماء في وجه عظيم. كانت تعلم أن لقاء اليوم يحمل في طياته أمراً جللاً، فقد اختارت ابنتها، ريم، أن تواجه مصيرها بنفسها، تاركةً خلفها مساحة واسعة من التساؤلات والترقب.

وصلت ريم، متبوعة بسارة، صديقتها الوفية وشريكتها في هذا الدرب العسير. خطت ريم بثبات، ولكن تحت هذا الثبات الظاهري، كانت تنبض جوانبها بقلق دفين. كانت ترتدي ثوباً يجمع بين البساطة والأناقة، لون السماء في يوم صافٍ، ولكن عينيها كانتا تحملان ظل غيمة سوداء. اقتربت من والدها، ثم من عمتها، لتقبّل أيديهما وتعرب عن احترامها وتقديرها.

"الحمد لله على سلامتك يا ابنتي،" قال الشيخ أحمد بصوت فيه بحة. "أشعر بأن الأيام القادمة تحمل لنا مستجدات."

ردت ريم بابتسامة باهتة: "الحمد لله، أبي. وأنا أرجو من الله أن تكون الخير."

بدأت السيدة سكينة بالحديث، وقد اختارت كلمات دقيقة، كمن يمشي على أرض رخوة: "ريم يا بنيتي، سارة، تفضلا بالجلوس. لدينا أمر مهم يجب أن نتحدث فيه بصراحة، أمر يتعلق بمستقبلك ومستقبل عائلتنا."

أومأت ريم برأسها، وقلبها يخفق بعنف. كانت سارة تنظر إليها بتفهم، تمد يدها بين الحين والآخر لتلامس يد ريم برفق، كأنها تمنحها دعماً صامتاً.

"لقد علمت، يا ريم،" بدأت السيدة سكينة، وتوقفت للحظة، تأخذ نفساً عميقاً. "بأمر يتعلق بـ.. بالزيجة التي كانت مقترحة لك من عائلة الهاشمي."

شعرت ريم وكأن الأرض تميد بها. لم تتوقع أن يأتي الحديث عن هذا الأمر بهذه السرعة، وبهذه الطريقة المباشرة. لطالما حاولت تجنب هذا الموضوع، وتجنبت الخوض في تفاصيله.

"أم.. أمي،" قالت ريم بصوت مرتجف قليلاً، "أنا.. أنا لم أعد أرى هذا الزواج مناسباً."

ضحك الشيخ أحمد ضحكة خافتة، لم تخلو من المرارة. "مناسباً؟ يا ابنتي، ما الذي جعلك تغيرين رأيك بهذه السرعة؟ لقد كانت الأمور تسير في نصابها. الحاج إبراهيم، والد السيد خالد، كان قد أرسل إلينا يطلب يدك رسمياً. ولقد وافقنا."

هذه الكلمة الأخيرة، "وافقنا"، ألقت بظلالها الثقيلة على جو المجلس. نظرت ريم إلى والدها، ثم إلى عمتها، وعيناها مليئتان بالألم.

"أبي،" قالت بصدق، "قلبي لم يتقبل هذا الأمر. أشعر بأن هناك أمراً ما.. لا أريد الارتباط بشخص لا أشعر بارتباط روحي به. أنا.. أنا أؤمن بأن الزواج ميثاق مقدس، ولا يجوز أن يبنى على مجرد مصلحة أو اتفاق عائلي."

تنهد الشيخ أحمد. "يا ابنتي، أنت لا تزالين صغيرة. أحياناً، الحب يأتي بعد الزواج. والتقدير والاحترام يمكن أن ينموا بمرور الوقت. عائلة الهاشمي عريقة، والسيد خالد شاب متعلم وطيب. ألن يكون هذا زواجاً موفقاً؟"

"ولكن يا أبي،" قاطعته السيدة سكينة، وقد بدت عليها علامات الحيرة، "أنا أيضاً سمعت بعض الأمور. بعض الهمسات التي.. لا تسر. هل أنت متأكدة من أن السيد خالد هو حقاً كما تصفه؟"

استدار الشيخ أحمد نحوها، وقد علت وجهه علامات الاستغراب. "ماذا سمعتِ يا سكينة؟ ومن أين أتت هذه الهمسات؟"

"من.. من بعض الجيران، ومن بعض الأقارب البعيدين،" قالت السيدة سكينة، وهي تتردد في التفاصيل. "قالوا إن له.. اهتمامات أخرى. وسمعت أيضاً أن له علاقات.. لا ترضي الله."

ارتسمت على وجه الشيخ أحمد علامات القلق. "علاقات؟ هذا غير مقبول. لقد تحدثت مع الحاج إبراهيم، وكان رجلاً يخشى الله. لم يذكر شيئاً من هذا القبيل."

في هذه اللحظة، شعرت ريم بأن الفرصة سانحة. "أبي، عمتي،" قالت بثبات، وقد استجمعت كل قواها. "لقد علمت أيضاً بعض الأمور. أمر يتعلق بالسيد خالد، أمر لن أستطيع السكوت عنه أبداً. لقد رأيته.. رأيته بنفسي."

نظرت إليها السيدة سكينة بعينين متسعتين. "رأيتِ ماذا يا ابنتي؟"

"رأيته.. يتحدث مع امرأة.. بطريقة لا تليق برجل مسلم مقبل على الزواج،" قالت ريم، وتشعر بأن كل كلمة تخرج منها كأنها شظية. "لم يكن الحديث عابراً، بل كان فيه.. حميمية. وسمعتهم يتحدثون عن.. لقاءات قادمة."

صمت مطبق خيم على المجلس. كان الشيخ أحمد ينظر إلى ريم، وقد امتلأت عيناه بالصدمة والأسى. سارة، من جهتها، كانت تمسك بيد ريم بقوة، وكأنها تشاركها ألمها.

"هذا.. هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً،" تمتم الشيخ أحمد، وكأن كلماته لا تجد طريقها. "الحاج إبراهيم لم يقل لي شيئاً من هذا القبيل."

"ولكنه قد يكون يخفي الأمر، يا أبي،" قالت ريم. "أو قد لا يعلم. ألا تعتقد أن هذا كافٍ لأرفض الارتباط به؟ أليس من واجبي أن أتحقق من صلاح المرشح لأكون شريك حياتي؟"

"ولكن، يا ابنتي،" قالت السيدة سكينة، وقد عادت إليها بعض رباطة الجأش، "لو كان هذا صحيحاً، لماذا لم يخبرك أحد؟ ولماذا لم تسارعي بإبلاغنا؟"

"كنت أخشى أن أكون مخطئة،" أجابت ريم. "وكنت أحاول أن أجمع المزيد من الأدلة. ولكن عندما بلغ الأمر حد الموافقة الرسمية، شعرت بأنني يجب أن أتحدث."

"أنا.. أنا لا أعرف ماذا أقول،" قال الشيخ أحمد، وهو يضع رأسه بين يديه. "لقد وعدت الحاج إبراهيم. لقد ارتسمت في ذهني صورة زواج مبارك، يجمع العائلتين، ويبني جسراً من المحبة والتقوى."

"ولكن هذه الصورة.. يا أبي،" قالت ريم بصدق، "لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع إذا كان شريكها غير جدير. إنها مسؤولية عظيمة، وهذه ليست مجرد كلمات. إنها حياتي، ومستقبلي، وحياة أبنائنا في المستقبل."

"فماذا تنوين أن تفعلي، يا ابنتي؟" سأل الشيخ أحمد، وقد بدا عليه الاستسلام. "هل تريدين أن تواجهي الحاج إبراهيم؟"

"بل أريد منكم، يا أبي، أن تتحدثوا إليه،" قالت ريم. "وأن تخبروه بما علمت. وأن نوضح له أننا نرفض هذه الزيجة.. لأسباب أخلاقية."

نظرت السيدة سكينة إلى ريم، ثم إلى زوجها. "هذا أمر خطير يا أحمد. قد يغضب الحاج إبراهيم. وقد يؤثر على سمعة العائلة."

"ولكن،" قالت ريم، وقد امتلأت عيناها بالدموع، "سمعتنا أهم من أي زواج. وكرامتنا أهم من أي مصلحة. ألا تعتقدون ذلك؟"

هذا السؤال لم يكن موجهاً فقط لوالديها، بل كان موجهاً للقيم التي تربوا عليها. لم يكن هناك جواب سهل. لقد وصلوا إلى مفترق طرق، حيث يجب الاختيار بين التقاليد الراسخة وبين القيم الأخلاقية التي تمثل جوهر الدين والحياة. كانت غيمة سوداء قد خيمت بالفعل، ولم يكن أحد يعلم متى سترحل، أو ما سيترك خلفها من أثر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%