أنت ملاكي الجزء الثالث
صدى الشك في أروقة القصر
بقلم مريم الحسن
بعد أن تركت ريم والديها والسيدة سكينة في حالة من الذهول والترقب، خرجت مع سارة إلى فناء الدار الواسع، حيث كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، ملقيةً بظلال طويلة على الأرض. جلست ريم على إحدى المقاعد الحجرية، تفكر فيما دار في المجلس، وما سيترتب عليه. كانت تشعر ببعض الارتياح لأنها قد تحدثت، ولكن الخوف من العواقب كان يساورها.
"لقد فعلتِ الصواب يا ريم،" قالت سارة، وهي تجلس بجانبها وتضع يدها على كتفها. "لقد واجهتِ الحقيقة، وهذا يتطلب شجاعة كبيرة."
"ولكن هل كافية هذه الشجاعة لمواجهة ما سيأتي؟" تساءلت ريم. "والدي رجل طيب، ولكنه لا يحب المشاكل. وعمتي قلقة دائماً على سمعة العائلة. أعتقد أن مواجهة عائلة الهاشمي بهذه الطريقة ستسبب ضجة كبيرة."
"الضجة لا تدوم، يا ريم،" أجابت سارة. "أما الحق والباطل، فإنهما يبقيان. ثم إنك لم تتهمي أحداً مباشرة. أنتِ فقط عبرتِ عن شكوكك، وعن ملاحظاتك. وإذا كان السيد خالد بريئاً، فسوف يتضح الأمر."
"أتمنى ذلك،" قالت ريم، وهي تنظر إلى النجوم التي بدأت تظهر في السماء. "أتمنى أن أكون مخطئة، ولكنني لا أستطيع أن أتجاهل ما رأيت. ولا يمكنني أن أتزوج شخصاً.. أحس بأن قلبه ليس معي، بل مع غيري."
في هذه الأثناء، داخل المجلس، كان الشيخ أحمد والسيدة سكينة يتبادلان النظرات. لم تكن كلمات ريم قد انتهت من أثرها.
"يا أحمد،" قالت السيدة سكينة أخيراً، "إن كلام ريم ليس مجرد شكوك عابرة. إنها تقول إنها رأته بعينيها. هل يمكن أن نتجاهل هذا؟"
"ولكن، يا سكينة،" قال الشيخ أحمد، وهو يرتشف كأساً من الماء. "ماذا لو كانت قد أساءت الفهم؟ ماذا لو كان مجرد حديث عادي؟ عائلة الهاشمي لها مكانتها، والحاج إبراهيم رجل له احترامه. أن نرفض ابنه بناءً على مجرد ملاحظات قد تكون خاطئة، فهذا قد يسبب لنا إحراجاً كبيراً."
"الإحراج أفضل من الخطأ يا أحمد،" قالت السيدة سكينة بحزم. "هل تريد أن تزوج ابنتك لرجل قد يخونها؟ أو قد لا يحترمها؟ هذا دين في رقبتنا، ولا يمكن أن نفرط فيه."
"ولكن،" قال الشيخ أحمد، وهو يفكر ملياً، "يجب أن نتثبت. لا يمكننا أن نواجه الحاج إبراهيم بهذه الاتهامات دون أن نكون متأكدين تماماً. ربما يجب أن نحاول أن نتحدث مع السيد خالد نفسه؟"
"هذا صعب،" قالت السيدة سكينة. "ولن يعترف بشيء. الخيار الأفضل هو أن نتحدث مع والده. ولكن بطريقة دبلوماسية. وأن نذكر له أن ريم.. تشعر ببعض التحفظات."
"ولكننا لسنا متأكدين من طبيعة هذه التحفظات،" قال الشيخ أحمد. "نحن نعلم أنها رأت شيئاً، ولكننا لا نعلم تفاصيله. ماذا لو قلنا له إن ريم.. ليست مستعدة تماماً للزواج في هذا الوقت؟"
"هذا قد يقلل من وطأة الأمر،" قالت السيدة سكينة. "لكنه لن يحل المشكلة. المشكلة إذا كانت موجودة، ستظل موجودة. نحن بحاجة إلى معرفة الحقيقة."
في قصر الحاج إبراهيم، كان الجو مختلفاً تماماً. كان مجلسه يعج بالضيوف، رجال أعمال وأعيان، يتحدثون في صفقات وخطط للمستقبل. الحاج إبراهيم، رجل في أواخر الخمسينات، ذو هيبة ووقار، كان يدير النقاشات بحكمة. كان ابنه، خالد، يجلس بجانبه، يتابع الحوار بهدوء، ولكنه كان يبدو شارد الذهن بعض الشيء.
"يا خالد،" قال الحاج إبراهيم بصوت خافت، أثناء استراحة قصيرة، "هل أنت متأكد من كل الأمور المتعلقة بزواجك من ريم؟ هل كل شيء على ما يرام؟"
نظر خالد إلى والده، وقد ارتسم على وجهه قلق خفي. "نعم يا أبي. كل شيء على ما يرام. لماذا تسأل؟"
"لا شيء،" قال الحاج إبراهيم، وهو يتظاهر باللامبالاة. "فقط.. أردت أن أتأكد. عائلة الشيخ أحمد لهم مكانتهم، ولا نريد أن تحدث أي زلات."
"لا تقلق يا أبي،" قال خالد. "كل شيء تحت السيطرة."
ولكن في داخله، لم يكن كل شيء تحت السيطرة. كان يعلم أن علاقته بـ "ليلى" - وهي امرأة يعرفها منذ فترة، وليست من محيطه الاجتماعي المعروف - بدأت تأخذ منعطفاً أكثر تعقيداً. كانت ليلى تضغط عليه، وتطلب منه المزيد، وكانت كلماتها تحمل في طياتها تهديداً مبطناً.
في تلك الليلة، وصل اتصال هاتفي إلى الحاج إبراهيم. كان المتحدث صديقاً قديماً له، يعيش في منطقة قريبة من مكان عمل خالد.
"أبا إبراهيم،" قال الرجل بصوت متوتر. "سمعت خبراً.. قد يهمك. هل ابنك خالد.. على وشك الزواج؟"
"نعم،" أجاب الحاج إبراهيم، وقد شعر بشيء من الانزعاج. "لماذا تسأل؟"
"لأنني رأيته.. بالأمس،" قال الرجل. "مع امرأة.. ليست زوجته، وليست خطيبته. كانا في مكان.. لا يليق برجل مسلم."
شعر الحاج إبراهيم ببرودة تسري في عروقه. "ماذا تقول؟ هل أنت متأكد؟"
"متأكد تماماً،" قال الرجل. "لقد رأيتما معاً.. في السيارة، ثم دخلا إلى منزل.. أعرف أنه ليس منزل أحد أقربائه."
بعد أن أغلق الحاج إبراهيم الهاتف، جلس صامتاً لدقائق طويلة. كان وجهه قد علاه السواد. لم يكن يتوقع أبداً أن يصل الأمر إلى هذا الحد. كانت سمعة عائلته، وسمعة ابنه، على المحك.
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس تشق طريقها عبر السماء، كان الشيخ أحمد يتحدث مع الحاج إبراهيم هاتفياً. كانت نبرة صوته تحمل مزيجاً من الحذر والاحترام.
"الحاج إبراهيم،" قال الشيخ أحمد، "نحن في عائلة الشيخ أحمد نقدر علاقاتنا، ونحرص عليها. وقد وصلتنا بعض المعلومات.. التي تثير القلق بشأن الخطوبة بين ابنتنا ريم وابنك خالد."
سكت الحاج إبراهيم للحظة، ثم قال بصوت متحشرج: "شيخ أحمد، ما هي هذه المعلومات؟"
"هناك.. بعض الشكوك حول.. سلوك السيد خالد،" قال الشيخ أحمد، متجنباً التفاصيل. "وقد شعرت ريم.. ببعض التحفظات التي يصعب عليها تجاوزها."
"تحفظات؟" قال الحاج إبراهيم، وقد بدت نبرته غاضبة. "ما نوع هذه التحفظات؟"
"نحن.. لم نرد أن نتحدث عن تفاصيل،" قال الشيخ أحمد. "ولكننا نشعر بأنه من واجبنا أن نبلغكم. ونود أن نؤجل النظر في أمر الخطوبة حتى تتضح الأمور."
"التأجيل؟" قال الحاج إبراهيم، وقد ارتفعت نبرته. "شيخ أحمد، هل تعلم ما الذي تقوله؟ لقد تم كل شيء. لقد أعطينا موافقتنا، وأنتم أعطيتم موافقتكم."
"نعم، ولكن.. الأمور قد تتغير،" قال الشيخ أحمد. "خصوصاً إذا كانت تتعلق بالدين والأخلاق."
"أنا.. لا أفهم ما الذي يحدث،" قال الحاج إبراهيم، وقد بدا عليه الاستياء العميق. "ولكنني.. سوف أتحقق من الأمر. وسوف أعاود الاتصال بك."
أغلق الحاج إبراهيم الهاتف، ووجهه متورد من الغضب. لقد كان موقفه حساساً جداً. لقد علم بما حدث، وعلم أن الخبر قد وصل إلى الشيخ أحمد. كان يعلم أن ابنه قد أخطأ، ولكنه كان يخشى من فضيحة كبيرة.
في مكان آخر، كانت ريم تشعر ببعض الراحة، لأنها قد أوضحت موقفها. ولكنها كانت تعلم أن المعركة لم تنته بعد. كان صدى الشك قد بدأ يتردد في أروقة القصر، وقد تسبب في اهتزاز العلاقة بين العائلتين.