أنت ملاكي الجزء الثالث
صدى الماضي في أروقة الروح
بقلم مريم الحسن
بعد كلماته الأخيرة، انطلق فيصل راكضاً، كأنما يستحثّ الزمن. لم يعد الوقت يحتمل التأخير، ولم تعد الأفكار تسمح بالتروي. كان هناك، في ذلك المنزل الصغير، حيث بدأت الشجاعة تتفتح في قلبه، حيث رأى أول ابتسامةٍ لسارة، أول شرارة حبٍّ بريئة. دخل المنزل، فوجده بسيطاً، لكنه يحمل عبق الحياة. رائحة خبزٍ طازج، وبعض الأعشاب المجففة.
"يا عم، هل لك أن تدلّني على منزل أبي؟" سأل فيصل، وهو ينظر حوله.
ابتسم الرجل، الذي بدا أنه يمتلك قلبَ طيبٍ رغم ملامحه القاسية. "أبوك؟ أبوك لم يعد هنا يا بني. لقد رحل إلى جوار ربّه قبل عامين. والبيت... البيت ملكٌ للشيخ سالم الآن."
شعر فيصل بضربةٍ موجعة في صدره. "أبي؟ رحل؟" تكرر الاسم، ثم الخبر، كأنما يسقطان على روحه كالصخور. لم يكن يتوقع ذلك. لقد عاد ليجد والده، ليس ليجده وقد رحل.
"رحمه الله." تمتم الرجل، وقد لاحظ التأثير العميق على فيصل. "لقد كان رجلاً طيباً، وحكيماً. ترك لك ثروةً كبيرة، لكن الشيخ سالم... أخذ كل شيء."
وقف فيصل، وعيناه مغرورتان. لم يكن المال هو ما يبحث عنه، بل والده. ليخبره بما فعله، ليطلب نصيحته، وليشاركه آلامه.
"أتستطيع أن تدلّني على منزل سارة؟" سأل فيصل، محاولاً إخفاء خيبته.
"سارة؟" كرر الرجل. "سارة تسكن في بيت والدها، الذي يقع في طرف القرية. ولكنه... ولكنه ليس بيت والدها فقط. الشيخ سالم أمره بأن تسكن معه في قصره، ليضمن... ليضمن زواجها."
تجمّدت الدماء في عروق فيصل. "قصره؟ يتزوجها؟" كانت هذه الجملة الأخيرة هي الشرارة التي أضاءت ناراً مستعرةً في صدره. لم يكن الأمر يتعلق فقط بالحقوق والملكية، بل بسارة. سارة، التي وعدها بالحماية، سارة، التي أحبها من بعيد.
"لا لن أسمح له بذلك." قال فيصل، وارتفعت قبضتاه. "لن أسمح له أبداً."
"اهدأ يا بني." قال الرجل، وشعر بالأسف على فيصل. "الأمر ليس بهذه البساطة. الشيخ سالم قوي، وله أعوانٌ كثيرون. لقد أرهب القرية كلها. لا أحد يجرؤ على معارضته."
"لا أحد؟" ضحك فيصل ضحكةً قصيرة، قاسية. "إذاً، سيكون هناك شخصٌ واحدٌ يجرؤ. أنا."
ألقى فيصل نظرةً أخيرة على الرجل، ثم خرج مسرعاً. كان يعرف أين يقع قصر الشيخ سالم. لقد لعب فيه عندما كان طفلاً، قبل أن يترك والده كل شيء ويعتزل الحياة. كان قصراً فخماً، مبنيّاً على تلةٍ عالية، يطلّ على القرية كلها.
عندما وصل إلى قصر الشيخ سالم، وجده محاطاً بحراسٍ مسلحين. لم يكن الأمر مفاجئاً. كان الرجل يعرف كيف يحافظ على قوته. لكن لم يكن فيصل ليخاف من هؤلاء الرجال.
"قف هناك!" صرخ أحد الحراس، وهو يرفع سيفه.
ابتسم فيصل ابتسامةً باردة. "أنا فيصل. ابن الشيخ حمدان. لقد عدت."
توقف الحراس، وبدا عليهم الارتباك. اسم فيصل لم يكن مجرد اسم، بل كان رمزاً للقوة في تلك القرية.
"ابن الشيخ حمدان؟" تمتم أحدهم. "ولكن... ولكن الشيخ سالم قال إنه لن يعود أبداً."
"ها قد عدت." قال فيصل، وبدأ يقترب. "والآن، أخبروا سيدكم أنني هنا. وأنني أريد رؤيته."
بعد لحظاتٍ من التردد، دخل أحد الحراس إلى القصر. لم يمضِ وقتٌ طويل حتى عاد.
"تفضل بالدخول يا سيدي." قال الحارس، وفتح له الباب.
دخل فيصل إلى القصر، وشعر بأن رائحة البخور الثقيلة، الممزوجة برائحة الذهب والحرير، تملأ المكان. كان القصر فخماً، مزيناً بالسجاد الفاخر، والتحف الثمينة. لكن فيصل لم يكن مهتماً بذلك. كان يبحث عن عينين، عن صوتٍ.
قاده الحارس إلى قاعةٍ واسعة، حيث جلس رجلٌ كبير السن، يجلس على عرشٍ مزين. كان الشيخ سالم. كانت لحيته بيضاء، ونظرته تحمل خبثاً ودهاءً.
"فيصل؟" قال الشيخ سالم، وقد بدا عليه عدم الاهتمام. "ماذا تفعل هنا؟ ألم أقل لك ألا تعود؟"
"لقد عدت." قال فيصل، ووقف أمامه بثبات. "ولم أعد أحتمل رؤية ما تفعله بقرية أبي. وما تفعله بسارة."
ضحك الشيخ سالم ضحكةً مكتومة. "سارة؟ سارة ستكون زوجتي قريباً. وقد أعطيتها كل ما تستطيع أن تحلم به."
"لا، لن يحدث ذلك." قال فيصل، وشعر بأن كلماته تخرج كاللهب. "لقد عدت لأمنعك."
"تمنعني؟" رفع الشيخ سالم حاجبيه. "وأنت، الشاب الذي هرب من القرية، تظن أنك تستطيع أن تمنعني؟"
"لقد عدت لأستعيد حقّي." قال فيصل، ورفع سيفه. "حقّي في القرية، وحقّي في حماية من أحب."
"حقّك؟" تمتم الشيخ سالم. "لم يعد هناك شيءٌ لك هنا."
"هذا ما سنراه." قال فيصل، وشعر بأن قوته تتضاعف.
لم تكن هذه المواجهة كما كان يتوقع. لقد توقع معركةً، لكنه وجد نفسه في مواجهةٍ كلامية، تحمل خلفها تهديداً مبطناً.
"أنت لا تفهم يا فيصل." قال الشيخ سالم، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ ماكرة. "لقد بنيت كل هذا بنفسي. ولم آخذ شيئاً من أحد. ما فعلته كان لإنقاذ القرية من الفوضى. والآن، سارة... سارة لي."
"سارة ليست لك." قال فيصل. "ولن تكون لك أبداً."
"هل هذا تهديد؟" سأل الشيخ سالم، وبدا وكأنه يستمتع بالموقف.
"هذه حقيقة." قال فيصل. "وأنا هنا لأثبتها."
"إذاً، لتكن." قال الشيخ سالم، وأشار إلى رجاله. "أمسكوه."
لكن قبل أن يتحرك الحراس، سمع فيصل صوتاً قادماً من خلفه. صوتٌ كان يعرفه جيداً. صوتٌ كان يتمنى أن يسمعه.
"توقفوا!"
استدار فيصل، وشعر بأن قلبه يكاد يخرج من صدره. رأى سارة. كانت تقف عند المدخل، ترتدي ثوباً بسيطاً، لكنه كان يبرز جمالها الفطري. كان شعرها الأسود يتساقط على كتفيها، وعيناها الخضراوان تلمعان بالقوة.
"سارة؟" قال فيصل، ولم يستطع إخفاء دهشته.
"نعم، أنا سارة." قالت، وبدأت تقترب. "ولن أسمح لك يا شيخ سالم بأن تؤذي فيصل."
"سارة، ماذا تفعلين؟" صرخ الشيخ سالم. "ارجعي إلى مكانك!"
"لن أرجع." قالت سارة، ووقفت بجانب فيصل. "لقد عانيت بما فيه الكفاية. ولن أسمح لك بأن تجعلني أتعس."
نظر فيصل إلى سارة، وشعر بأن كل خوفٍ قد زال. كان بجانبها. وكانت بجانبه.
"إذاً، نحن الاثنان ضدك يا شيخ سالم." قال فيصل، وشعر بقوةٍ لم يعهدها.
ابتسم الشيخ سالم ابتسامةً واسعة، وكأنما وجد متعةً جديدة. "حسناً. إذاً، المعركة ستكون أكثر متعة."
وقف فيصل وسارة جنباً إلى جنب، يواجهان الشيخ سالم ورجاله. كانت هذه البداية، بداية معركةٍ لم تكن فقط لاستعادة حقٍّ، بل لاستعادة حبٍّ، واستعادة حياة. ```