أنت ملاكي الجزء الثالث

وشوشات الشك ومرارة الخوف

بقلم مريم الحسن

كانت عيون سارة تتجول في أرجاء الغرفة، تلتقط تفاصيل لم تلاحظها من قبل. الألواح الخشبية العتيقة للجدار، المزينة بنقوش نباتية بسيطة، تحكي قصصاً صامتة عن زمن مضى. ضوء القمر الخافت الذي تسلل من النافذة، يرسم ظلالاً طويلة ومتحركة على السجاد الباهت، كأنها أشباح لأفكار قلقة. في ذلك المساء، وبعد محادثتها العميقة مع والدتها، شعرت سارة بنوع من الهدوء المؤقت، كأنها أفلحت في ترويض وحشٍ كان ينهش روحها. ولكن، تحت هذا الهدوء الظاهر، كانت هناك وشوشات خفية، أصوات شك بدأت تتسلل إلى أفكارها، كالسموم البطيئة.

لم تكن تدرك أنها كانت تميل بشدة نحو يوسف، لم تكن تدرك إلى أي مدى بدأت مشاعرها تتشابك مع وجوده. في كل مرة كان يحدثها، أو يبتسم لها، أو حتى يمر بجوارها، كان قلبها ينبض بوقع مختلف، نبضٌ كان يخلو من أي عناء، وكان يمده بحياة جديدة. الآن، بعد أن أدركت حجم هذه المشاعر، بدأ الشك يتسلل. هل ما تشعر به هو مجرد تأثر بذكائه، برزانته، بإيمانه؟ أم أنه شيء أعمق، شيء يتجاوز حدود ما تسمح به أخلاقها ودينها؟

تذكرت حديثاً دار بينها وبين صديقتها المقربة، ليلى، قبل عدة أشهر. كانت ليلى تتحدث عن علاقة مع شاب، علاقة بدأت بكلمات عابرة، ثم تطورت إلى تعلق شديد، انتهى بخيبة أمل مريرة. "لقد ظننتُ أنني وجدته، يا سارة. ظننتُ أن كل شيء مثالي. لكن تبين لي أنني كنتُ أعيش في وهم. الوهم أجمل من الواقع، ولكنه يدمّر صاحبه عندما ينتهي."

كلمات ليلى عادت لتلاحقها الآن. هل كانت هي نفسها تعيش في وهم؟ هل كانت ترى في يوسف صورة مثالية، ربما صنعها خيالها، أو صقلتها رغبتها في الحب؟ كانت تخاف من هذا الاحتمال، خوفاً يجعلها ترتعد. إنها تعلم أن الحب الحقيقي لا ينبع من وهم، بل من واقع، من معرفة حقيقية بالشخص، وبما يحمله من صفات، حميدة كانت أو مذمومة.

"ولكن،" قالت لنفسها بصوت خافت، "ما رأيته في يوسف يبدو حقيقياً. أخلاقه، احترامه، تواضعه، كل هذا لا يمكن أن يكون مجرد تمثيل."

لكن الشك كان كالريح العاتية، تضرب كل ما يبدو ثابتاً. تذكرت كيف كان حديثها معه في العشاء الأخير. كان يتحدث عن المستقبل، عن طموحاته، عن رؤيته للحياة. كانت كلماته تحمل الكثير من الأمل، والكثير من المسؤولية. لكن، هل كان يتحدث عن مستقبل معها؟ أم أنه كان يتحدث عن مستقبله هو، بصرف النظر عن وجودها؟

في تلك اللحظة، شعرت بمرارة الخوف تتسلل إلى حنجرتها. الخوف من أن تكون هي الوحيدة التي تحمل هذه المشاعر. الخوف من أن تكون كلماته مجرد تعبير عن مجاملة، أو عن حسن خلق، لا أكثر. إنها تدرك تماماً أن يوسف لم يتقدم لها رسمياً، ولم يبدِ أي علامة واضحة على رغبته في الارتباط بها. كل ما كان هناك هو تفاعل اجتماعي طبيعي، ربما تجاوزته هي في تفسيراتها.

"يجب أن أكون واقعية،" قالت لنفسها بحزم. "لا يجب أن أسمح لمشاعري أن تقودني إلى طريق مظلم. يجب أن أرى الأمور كما هي، لا كما أرغب أن تكون."

ذهبت إلى مكتبتها، وبدأت تتصفح كتاباً في علم النفس، عن العلاقات الإنسانية. قرأت عن الانجذاب، وعن مراحل الحب، وعن أهمية التواصل الواضح في العلاقات. كل سطر قرأته كان يزيدها وعياً، ولكنه كان أيضاً يزيدها تعقيداً. كانت تدرك أن ما تشعر به يحتاج إلى تقييم دقيق، وليس إلى مجرد استسلام للمشاعر.

على الجانب الآخر، كان يوسف يشعر بضيقٍ غريب. لم يكن يأتي من الخارجية، بل من داخله. كان يتذكر حواره الأخير مع صديقه المقرب، خالد. كان خالد يحثه على اتخاذ قرار، على الاقتراب من سارة. "يا يوسف، إنها فرصة لا تعوض. فتاة مثل سارة لا تجدها في كل مكان. ذكية، جميلة، عفيفة، ومن عائلة طيبة. ماذا تنتظر؟"

لكن يوسف كان متردداً. كان يخشى أن تكون رغبته في الاقتراب منها مجرد رغبة عابرة، أو أنها ستؤثر على مسار حياته بطريقة سلبية. "يا خالد، أنا لستُ متأكداً. الأمر ليس بهذه البساطة. الأمر يتعلق بالزواج، وببناء أسرة. هذه مسؤولية كبيرة، ولا يمكن أن أقدم عليها إلا وأنا على يقين تام."

"وما الذي يجعلكَ غير متأكد؟" سأل خالد بدهشة. "لقد رأيتها، وتحدثت إليها. تبدو لكَ كابنة الحلال. ما الذي تخشاه؟"

"أخشى من نفسي، يا خالد. أخشى أن أكون أتعلق بها، وأن أكون هذا التعلق هو "إدماني". أن أتعلق بفكرة، بشيء ربما لن يكون في مقدوري الحفاظ عليه. أخشى أن أكون أسير مشاعر، لا أسير عقلٍ حكيم."

تنهد خالد. "يا يوسف، كل حبٍّ له أثره. الحب ليس إدماناً، بل هو ما يمنح الحياة معناها. ولكن، يجب أن يكون هذا الحب مبنياً على أرض صلبة. هل تحدثت معها بصراحة؟ هل عبرت لها عن مشاعرك؟"

"لا، لم أفعل. وهذا هو الجزء الذي يؤرقني. أنا أخاف أن أفاتحها في الأمر، وأن أقول لها شيئاً، ثم أكتشف أنني أوهتُها، أو أنني لم أكن جاداً بما يكفي. أو ربما، أن أقول لها، ثم يتراجع أحدنا. هذا سيكون مؤلماً جداً."

"إذاً، المشكلة ليست في سارة، بل في خوفك أنتَ. أنتَ تخشى أن تضعف، وتستسلم لتلك المشاعر التي بدأت تنمو في داخلك. ولكن، يا صديقي، هذه هي الحياة. إذا لم نجرب، فلن نعرف. وإذا لم نتخذ القرارات، فلن نتقدم."

كلمات خالد كانت منطقية، لكنها لم تستطع أن تخفف من وطأة مخاوف يوسف. كان يشعر وكأن هناك قوة خفية تمنعه من التقدم. قوة نابعة من عدم ثقته بنفسه، ومن تاريخه الشخصي الذي علمه أن لا شيء يدوم، وأن الأوهام تتكسر أمام واقع الحياة القاسي.

كان يتذكر كيف كانت والدته، رحمها الله، تعاني في حياتها. كيف كانت تتمنى زوجاً يكون سنداً وعوناً، ولكنه لم يكن كذلك. ربما هذا التاريخ هو ما يجعله يخاف من تكرار نفس الأخطاء، أو أن يسبب ألماً لشخص آخر.

"هل سارة ستكون سعيدة معي؟" سأل نفسه بصوت خافت، وهو ينظر إلى انعكاس صورته في زجاج النافذة. "هل سأكون قادراً على إعطائها الحب والأمان الذي تستحقه؟ أم أنني سأكون سبباً في تعاستها؟"

هذه الأسئلة كانت كالمسامير، تخترق روحه. كان يشعر وكأنه محاصر بين رغبته في الاقتراب من سارة، وبين خوفه من أن يكون إدمانه عليها سيقوده إلى طريق الندم. كان عليه أن يتجاوز هذا الخوف، أن يتجاوز هذه الوشوشات، وأن يتخذ قراراً. لكن القرار كان يبدو له أصعب من أي وقت مضى.

في تلك الليلة، لم يكن يوسف ولا سارة يغمض لهما جفن. كلاهما كان يصارع وحوشه الداخلية، وحوش الشك والخوف. كلاهما كان يعلم أن هناك شيئاً جميلاً ينمو بينهما، لكن كلاهما كان يخشى أن يكون هذا الجمال هشاً، قابلاً للكسر. والوقت يمر، والفرص قد لا تدوم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%