أنت ملاكي الجزء الثالث
وهج الياسمين في ليل الشك
بقلم مريم الحسن
كان الهواء يحمل عبق الياسمين المتسلق على جدران بيت الأستاذة فاطمة، عبقٌ عذبٌ أثقلته همومٌ لم تعتدها روحٌ كانت في الأمس القريب تتنفس السعادة. جلست ليلى على الشرفة، ووجهها شاحبٌ كزهرةٍ ذبلت قبل أوانها. كانت الأصابع البيضاء تلفّ فنجان القهوة الساخنة، محاولةً استمداد الدفء منها، وكأنها تستمدّ منه عزاءً لبردٍ تسلل إلى أعماق قلبها.
منذ يوم الحادثة، أو بالأحرى، منذ ذلك اللقاء المفاجئ في سوق الحرف اليدوية، لم يعد وجه أحمد يغيب عن خيالها. لم تكن صورته مجرد طيفٍ عابر، بل كان حضوراً قوياً، يتجسد في كل شيء حولها. ضحكته العميقة التي سمعتها مرةً في أحد اجتماعاتها مع الأستاذة فاطمة، نظراته المباشرة التي كانت تحمل في طياتها خليطاً من التحدي والتقدير، وحتى تلك الابتسامة الخجولة التي ارتسمت على شفتيه عندما لمحها تتفقد إحدى قطع السجاد.
كانت تعاتب نفسها على كل لحظةٍ مرت دون أن تنطق بما في صدرها. كانت تقول في نفسها: "لماذا لم أُظهر له اهتمامي؟ لماذا تركت الخوف يتسلل إلى قلبي ويشلّ حركتي؟" كانت تدرك أن أحمد كان رجلاً استثنائياً، رجلاً يحترم التقاليد والأعراف، ولكنه في الوقت نفسه، كان يمتلك روحاً متفتحةً وقلباً شغوفاً. لقد شعرت بذلك الانجذاب منذ اللحظة الأولى، انجذابٌ روحيٌ عميقٌ أربك كيانها الهادئ.
"ليلى، عزيزتي؟"
صوت الأستاذة فاطمة اخترق حاجز صمتها، أعادها إلى واقعها. استدارت لترى والدتها تقف على عتبة الباب، تحمل في يديها طبقاً مليئاً بقطع البقلاوة الذهبية، ورائحتها الشهية تفوح في المكان.
"أمي، تفضلي،" قالت ليلى بصوتٍ مبحوحٍ قليلاً، وحاولت رسم ابتسامةٍ على وجهها.
"ما بكِ يا ابنتي؟ منذ عودتكِ وأنتِ شاردة البال. هل ثمة ما يقلقك؟" جلست الأستاذة فاطمة بجانبها، وألقت نظرةً حانيةً على ابنتها.
تنهدت ليلى، وقالت ببطء: "لا شيء يا أمي، مجرد تعبٍ أرهقني."
لم تقتنع الأستاذة فاطمة. كانت تعرف ابنتها جيداً، تعرف كيف تقرأ ما يدور في أعماقها من خلال نظرة عينها أو حتى حركة يديها. "ليلى، لا تخبئي عني شيئاً. أنتِ تعلمين أنني هنا دائماً لكِ."
بعد ترددٍ طويل، فتحت ليلى قلبها لوالدتها. حكت لها عن لقائها بأحمد، عن سحر شخصيته، وعن تلك المشاعر المتضاربة التي تعصف بها. استمعت الأستاذة فاطمة بصبرٍ وهدوء، ثم أمسكت بيد ابنتها وقالت: "يا ابنتي، إن ما تشعرين به شعورٌ طبيعيٌ وجميل. لكن الحب في ديننا له آدابه وطرقه. لا ينبغي أن تسمحي لهذه المشاعر بأن تشتت عقلكِ أو تقودكِ إلى ما لا يُرضي الله."
"ولكن يا أمي، كيف لي أن أنساه؟ وكيف لي أن أتواصل معه؟"
"الصبر مفتاح الفرج يا ليلى. إذا كان هذا الرجل مقدراً لكِ، فسيجمعكما الله بطريقٍ حلالٍ ومبارك. وإن لم يكن، ففي ذلك خيرٌ لكِ. ثقي بالله، واجعلي دعائكِ هو سلاحكِ. وربما، إذا شعرتِ أن الأمر جادٌ حقاً، يمكننا أن نتحدث مع أهله إذا تيسر الأمر، أو نرى كيف يمكن أن تتوطد العلاقة بينكما في إطارٍ شرعي."
شعرت ليلى ببعض الراحة بعد حديثها مع والدتها. لقد أزاحت حجاباً من القلق، ووجدت في كلماتها بوصلةً ترشدها.
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت ليلى تتصفح بريدها الإلكتروني، وقع بصرها على رسالةٍ جديدة. المرسل: أحمد.
نظرت ليلى إلى الاسم بدهشةٍ وارتباك، ثم فتحت الرسالة بقلبٍ يرتجف. كانت الرسالة قصيرة، ولكنها حملت في طياتها معاني عميقة.
"الأستاذة ليلى،
آمل أن تكوني بخير. أردتُ أن أعتذر مرةً أخرى عن أي إزعاجٍ قد سببه لقاؤنا المفاجئ في السوق. لقد أردتُ فقط أن أشكركِ شخصياً على اهتمامكِ بمنتجاتنا، وعلى ملاحظاتكِ القيمة. لقد أضافت لي الكثير.
لقد وجدتُ في حديثنا القصير ما جعلني أرى الأمور بمنظورٍ جديد، وأنا ممتنٌ لذلك.
إذا كان لديكِ وقتٌ ورغبة، يسعدني أن نلتقي مرةً أخرى، ربما في مناسبةٍ رسميةٍ أكثر، للحديث عن بعض الأفكار التي تراودني حول التعاون بين مؤسستكِ ومبادرتي.
مع خالص التقدير والاحترام، أحمد."
ابتسمت ليلى ابتسامةً واسعةً، ابتسامةٌ أضاءت وجهها المنهك. كانت هذه هي الفرصة التي كانت تنتظرها. لم تكن مجرد دعوةٍ للعمل، بل كانت خطوةً أولى نحو تقاربٍ قد يغير مجرى حياتها.
أجابت على الرسالة على الفور، وبدأت تكتب بقلبٍ يعلوه الرجاء والترقب:
"الأستاذ أحمد،
شكراً جزيلاً على رسالتك. لقد أسعدتني جداً. لا داعي للاعتذار، فقد كان لقاءً ممتعاً بالنسبة لي أيضاً، وشعرتُ بالإلهام الكبير من حديثك.
بالتأكيد، يسعدني جداً أن نلتقي مرةً أخرى لمناقشة سبل التعاون. أرجو منك تحديد الوقت والمكان الذي يناسبك، وسأبذل قصارى جهدي للتوافق مع جدول أعمالي.
أتطلع بشوقٍ للقائك.
مع خالص الاحترام والتقدير، ليلى."
بعد أن أرسلت الرسالة، شعرت ليلى وكأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن صدرها. كانت تعلم أن الطريق أمامها ليس سهلاً، وأن هناك دائماً شكوكاً وتساؤلاتٍ قد تعترض طريقها، ولكنها في هذه اللحظة، شعرت بالأمل يتجدد في قلبها، وكان وهج الياسمين يغمرها، ليذكرها بأن هناك دائماً جمالاً ينتظر في قلب الليل.
في تلك الأثناء، كان أحمد في مكتبه، يعيد قراءة رد ليلى. ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة، وارتعش قلبه بخفةٍ. لقد كان يأمل في هذا الرد، ولكنه لم يكن متأكداً. كانت ليلى امرأةٌ محترمة، وصاحبة مبادئ، ولم يكن يريد أن يفرض عليها شيئاً. لكن شغفه بعملها، وإعجابه بشخصيتها، كانا يدفعانه نحو البحث عن أي فرصةٍ للتقرب منها.
"إذاً، سنتقابل مرةً أخرى،" تمتم لنفسه، وبدأت الأفكار تتسابق في عقله. كيف سيتحدث معها؟ وما هي الأمور التي سيناقشها؟ هل سيظهر لها حقيقة مشاعره؟ أم سيحتفظ بها لنفسه، حتى يتبين له الأمر أكثر؟
كان يعلم أن هناك الكثير من العادات والتقاليد التي يجب أن يلتزم بها، خاصةً فيما يتعلق بعلاقاته مع النساء. لم يكن يريد أن يقع في أي محظور. ولكنه في الوقت نفسه، لم يكن يريد أن يضيع فرصةً قد لا تتكرر.
نظر إلى صورةٍ معلقةٍ على مكتبه. كانت صورةٌ لوالدته، رحلتها الأم، مبتسمةً ابتسامةً دافئة. همس في سكون: "يا أمي، هل ترين؟ هل تشعرين بما يدور في قلبي؟"
كان أحمد يؤمن بأن الزواج هو عقدٌ مقدسٌ، وأن اختيار الشريك يجب أن يكون عن اقتناعٍ وروية. لم يكن يبحث عن علاقةٍ عابرة، بل عن شريكة حياةٍ تشاركه همومه وأحلامه، وتكون معه سنداً في هذه الدنيا.
كانت ليلى تبدو له كل ذلك وأكثر. كانت تمتلك الذكاء، والرقي، والأخلاق الحسنة، والطموح. كانت تلك الصفات التي يبحث عنها في شريكة حياته.
لكن هل كانت المشاعر متبادلة؟ هل كانت ليلى تشعر بنفس الشيء الذي يشعر به؟ كان لديه بعض الأمل، ولكن الشك كان يظل معلقاً في ذهنه.
قرر أحمد أن يجعل لقاءه القادم مع ليلى لقاءً جاداً، لقاءً يمكن أن يفتح باباً لمستقبلٍ مشترك. لم يكن يريد أن يضيع وقته، ولا وقتها.
"سأحدثها عن مشروعنا المشترك، ولكنني سأحاول أيضاً أن ألمح إلى مشاعري، بطريقةٍ غير مباشرة، ولكن واضحة بما يكفي."
كانت الأفكار تتنافس في عقله، بين الرغبة في الحذر والجرأة. ولكن شيئاً واحداً كان مؤكداً: أن لقاءهما القادم سيكون حاسماً، وسيرسم ملامح الطريق الذي سيسلكانه.
في هذه الأثناء، كانت ليلى تستعد للقاء. اختارت ملابسها بعناية، فستاناً أنيقاً بلونٍ هادئ، يجمع بين الاحتشام والجمال. حاولت أن تتمرن على ما ستقوله، ولكن كلما تخيلت وجه أحمد، تداخلت الكلمات في رأسها.
"يا رب، اجعل هذا اللقاء خيراً، واجمعني بمن فيه الخير لي."
كانت تدعو في صمت، وقلبها مليءٌ بالرجاء. كانت تعلم أن هذا اللقاء ليس مجرد لقاء عمل، بل هو خطوةٌ في طريقٍ قد يؤدي إلى زواجٍ مبارك، أو قد ينتهي بخيبة أمل. ولكنها كانت مستعدةً للمواجهة، مستعدةً لأن تسمع ما سيقوله، وأن تعبر عن ما في قلبها، بالقدر الذي تسمح به حدود الاحترام والأخلاق.
كانت نسمات ليلٍ دافئة تتسلل عبر النوافذ، تحمل معها وعداً ببدايةٍ جديدة، أو ربما، بليلةٍ لا تنسى.