الزوجة المختارة الجزء الثالث

الشفق القرمزي فوق قصر الأثير

بقلم مريم الحسن

ارتعش وهج الشفق القرمزي فوق قصر الأثير، يصبغ صخور الصمّاء بلون الدم المغسول. كانت "ليلى" واقفة على الشرفة العالية، تتأمل السكون الذي يلفّ المكان. لم يكن السكون سكون طمأنينة، بل كان سكون ما قبل العاصفة. في يدها، كانت تتسلل خيوط ذهبية من وشاح حريري، تعكس اضطراب روحها. لم تكن مجرد فتاة من بنات العرب، بل كانت وريثة قصر الأثير، قلعة الأجداد التي تعبق بتاريخ عريق ورثته عن آبائها.

منذ أسابيع، والحياة تلتف حولها كأفعى، تضيق وتشد. كان والدها، الشيخ "فهد"، قد دعاها للقائه في مكتبه الفخم. رائحة البخور العودية تملأ المكان، ووجهه الأبيّ، المجدول بخيوط الزمن، يحمل جدية لم تعهدها من قبل. "ليلى"، قال بصوت عميق، بدا كأنه ينبع من أعماق الأرض، "لقد حان الوقت. وقت أن تتسندي مكانك. وقت أن تختاري زوجاً، شريكاً لحياتك، يحمل عنكِ ثقل المسؤولية."

لم يكن اقتراحاً، بل كان أمراً. والدها، الرجل الذي بنى إمبراطورية تجارية بيده، لم يخطئ قط في تقديراته. كان يعرف أن ابنته، بذكائها الحاد وروحها القوية، تستحق أفضل رجل. لكن "ليلى" لم تكن ترى الأمر بهذه البساطة. قلبها كان قد اختار من قبل، بعيداً عن كل حسابات العائلات والقوى. اختار "أنس"، الشاب الطموح الذي دخل حياتها كنسيم عليل، وترك فيها أثراً لا يمحى. كان أنس، ابن المحامي الناجح، ذو الأخلاق الرفيعة واللسان الفصيح، يشاطرها شغفها بالتعلم والثقافة. كانا يتحدثان عن المستقبل، عن أحلامهما المشتركة، عن عالم يمكن أن يبنوه معاً.

لكن الشيخ فهد، بصرامته المعهودة، رفض هذه العلاقة. "أنس شاب طيب، يا ابنتي،" قال لها، "لكن ليس له ما يكفي من السند. نحن نحتاج إلى تحالفات، إلى شراكات. أنتِ أميرة هذا القصر، وستتزوجين من أمير."

كانت تلك الكلمات بمثابة صدمة. لم تفهم ليلى كيف يمكن لأبيها أن يضع مصالح العائلة فوق سعادة ابنته. حاولت أن تقنعه، أن تشرح له عمق مشاعرها، لكنه كان كالصخر. "الأمر محسوم، ليلى. سيأتي إليكِ ثلاثة من خيرة شباب القبيلة. اختاري منهم، بعقلك، لا بقلبك."

وها هي الآن، تتأرجح بين واجبها تجاه عائلتها وبين نبض قلبها. تأتي الأفكار كأمواج متلاطمة. هل يمكن للحب أن ينمو في تربة الزواج المدبّر؟ هل تستطيع أن تخون وعدها لأنس؟ وكيف ستواجه والدها إذا رفضت؟

صوت خطى واثقة على الدرج الخشبي أيقظها من شرودها. لقد وصل أحدهم. قلبها انقبض. هل هو أحدهم؟ هل ستبدأ رحلة الاختيار القاسية الآن؟

انعطف "سالم"، كبير الخدم، عند مدخل الشرفة، وجهه المألوف يحمل تعابير الاحترام الممزوج بالحذر. "يا سيدتي،" قال بصوت خافت، "لقد وصل السيد "جابر". ينتظر في الصالون."

جابر. اسم تردد في مسامعها كهمس خفي. كان من بين الثلاثة الذين عينهم والدها. شاب من عائلة مرموقة، معروف بكرمه وشهامته. ولكن لم تكن تعرفه حق المعرفة.

"تفضل يا سالم"، قالت ليلى، محاولة استعادة رباطة جأشها. "أنا قادمة."

وقفت أمام المرآة الكبيرة في غرفتها، تتأمل انعكاسها. فستانها الأزرق الداكن ينساب حول قوامها، وشعرها الأسود كسواد الليل ينسدل على كتفيها. هل ترى عينيها ما يكفي من القوة؟ هل تستطيع أن تتجاوز هذه المحنة؟

خرجت من غرفتها، بخطوات ثابتة، لكن قلبها كان يدق بعنف. الصالون الكبير، المزدان بالسجاد الفارسي الفاخر والتحف العتيقة، كان مضاءً بوهج خافت من المصابيح النحاسية. في وسط المكان، وقف رجل ببدلة أنيقة، ظهره نحوها. كان طويلاً، بكتفين عريضين.

التفت الرجل. ظهر وجه شاب، يكسوه لحية خفيفة، وعينان واسعتان داكنتان، تحملان بريقاً غريباً. كان "جابر". لم يكن كما تخيلته. لم يكن مجرد وجه آخر في قائمة الاختيار. كانت هناك هالة من الغموض تحيط به، وجاذبية صامتة.

ابتسم لها ابتسامة رسمية، ثم مد يده. "مساء الخير، سيدة ليلى. أنا جابر."

صافحته. كانت يده قوية ودافئة. "مساء النور، سيد جابر. أهلاً بك في قصر الأثير."

كانت اللحظة الأولى، الشرارة الأولى. بداية رحلة لا تدري ليلى إلى أين ستأخذها. هل ستجد في هذا الرجل ما يكفي لتمنحه قلبها؟ أم أنها ستظل أسيرة حب دفين، وشوق لا ينتهي؟ ظلت عيناهما تتلاقى لدقائق، كأنما يبحث أحدهما في الآخر عن سرّ دفين. ثم انفضت اللحظة، ليبدأ الحديث الرسمي، الذي لا يكشف شيئاً، ولكنه يبدأ كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%