الزوجة المختارة الجزء الثالث

لقاءٌ في ظلّ الأسئلة

بقلم مريم الحسن

لم يكن من السهل على خالد أن يجمع شجاعته، لكنه أدرك أن التردد لن يفيده. في صباح اليوم التالي، اتصل بليلى، طالبًا منها اللقاء في مكانٍ عام، بعيدًا عن أعين العائلة. اختارت ليلى حديقةً هادئةً في وسط المدينة، تتناثر فيها أشجار النخيل، وتتوسطها نافورةٌ خافتة.

عندما رآها خالد، كان قلبه يخفق بشدة. كانت ترتدي ثوبًا فضفاضًا بلونٍ أزرق سماوي، وشعرها مربوطٌ بعناية، وتتزين بعطرٍ خفيفٍ بالكاد تفوح رائحته. بدت كوردةٍ رقيقةٍ تتفتح في صباحٍ هادئ.

"السلام عليكم يا ليلى." قال خالد وهو يقترب منها، محاولًا أن يبدو واثقًا.

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا خالد." أجابت ليلى بصوتٍ هادئ، وابتسامةٌ خجولةٌ ارتسمت على شفتيها.

جلس خالد بجانبها على المقعد الخشبي، وسط ضحكات الأطفال البعيدة وهم يلعبون. ساد صمتٌ لبضع لحظات، صمتٌ ثقيلٌ مليءٌ بالتساؤلات.

"أردت أن أتحدث إليكِ." بدأ خالد، وكلماته خرجت بصعوبة. "حول... حول أمورٍ تخصنا."

نظرت ليلى إليه، وعيناها تلمعان ببعض القلق. "تفضل."

"ليلى، لا أريد أن أدخل معكِ في زواجٍ لم تبنِ أساساته على الصدق والوضوح. أشعر بأن هناك شيئًا... شيئًا لم نتحدث عنه. أشعر بأننا ما زلنا غريبين."

تنفست ليلى بعمق، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة. "وأنا أيضًا يا خالد أشعر بذلك."

"هل هناك سببٌ معين؟ هل هناك شيءٌ يزعجك؟" سأل خالد بجدية. "أرجوكِ، كوني صريحةً معي. أنا لا أريد أن أظلمكِ، ولا أريد أن أظلم نفسي."

نظرت ليلى إلى نافورة الماء، وتبعثرت قطراتها في الهواء. "ليس هناك ما يزعجني بالمعنى المباشر. لكن... هناك ماضٍ، يا خالد. ماضٍ لا أستطيع أن أنساه."

"ماضٍ؟" تكرر خالد، وقلبه بدأ ينبض بوتيرةٍ أسرع. "هل تقصدين شيئًا يتعلق بـ... بعلاقةٍ سابقة؟"

هزت ليلى رأسها ببطء. "لا، ليس علاقةً سابقة. بل... أمرٌ حدث. أمرٌ أثر فيّ كثيرًا، وجعلني أخشى الارتباط. أخشى أن أتعلق بشخصٍ، ثم يختفي فجأةً. أخشى أن أمنح قلبي، ثم أجده محطمًا."

"ولكن، لماذا لم تخبريني؟" سأل خالد، مشعورًا ببعض الانزعاج، ولكنه كان يحاول أن يفهم.

"لم أعرف كيف. لم أستطع. الظروف كانت دائمًا تمنعني. ثم جاءت فكرة الزواج منك، وكانت فرصةً لرؤية ما إذا كان يمكنني تجاوز مخاوفي. لكنني لم أستطع."

"ما هو هذا الأمر الذي حدث؟" سأل خالد بصوتٍ هادئ، يحاول أن يبث فيها الطمأنينة.

بدأت ليلى في الكلام، وصوتها كان متقطعًا، مليئًا بالذكريات المؤلمة. "عندما كنت صغيرةً، كان لي صديقٌ مقرب. كنا نلعب معًا، ونتشارك كل شيء. كان يحبني كثيرًا، وكان يعدني بالزواج. ثم... في أحد الأيام، اختفى. لم يعد يظهر. بحثنا عنه، وسألنا عنه، لكن لا أحد كان يعرف أين ذهب. قيل لنا إنه سافر، وقيل لنا إنه... اختفى."

"وهل كان هذا هو السبب الرئيسي لخوفك؟"

"ليس فقط. هذا الحادث جعلني أشعر بأنني وحيدة. جعلني أشعر بأنني لا أستطيع الاعتماد على أحد. ثم، عندما كبرت، رأيت كيف يمكن للناس أن يتغيروا، وكيف يمكن للوعود أن تُكسر. ورأيت في زواج خالد فرصةً... فرصةً لأبدأ حياةً جديدة، لكن قلبي كان لا يزال يحمل ندوب الماضي."

أصغى خالد إلى ليلى بانتباه، وشعر بشيءٍ من الشفقة، وشيءٍ آخر من التفهم. لم يكن الأمر متعلقًا بخالد نفسه، بل كان متعلقًا بتجاربها الماضية.

"ولكن، يا ليلى." قال خالد، وبدأ يشعر ببعض الأمل. "أنا لست ذلك الصديق. أنا خالد. وأنا هنا. إذا كانت لديكِ مخاوف، فلنتحدث عنها. إذا كنتِ بحاجةٍ إلى وقت، فسنأخذ وقتنا. أنا لا أريد أن أكون مجرد حلٍ لمشاكلك، بل أريد أن أبني معكِ مستقبلًا. مستقبلًا يكون فيه الحب مبنيًا على الثقة، وليس على الخوف."

نظرت ليلى إليه، ولأول مرةٍ منذ بداية حديثهما، رأت في عينيه شيئًا من الصدق واللين. "ولكن... ماذا عن جدتك؟ إنها تريد هذا الزواج بشدة."

"جدتي تريد سعادتي، وسعادة العائلة. ولكن سعادتي لا تعني أن أعيش حياةً زائفة. إذا كنتِ غير مستعدة، فلن نضغط على أنفسنا. ولكن، إذا كنتِ مستعدةً لمحاولة بناء شيءٍ معنا، فهذا سيكون أفضل."

"أنا... أنا أحترمك يا خالد. وأنا أقدر صراحتك. ربما... ربما أنت على حق. ربما يجب أن أحاول."

"إذاً، لنتفق. سنحاول. سنفتح قلوبنا لبعضنا البعض. وسنتجاوز مخاوفنا معًا. سنقوم بخطواتٍ صغيرة، خطوةً بخطوة. وسنرى إلى أين تقودنا هذه الرحلة."

ابتسمت ليلى ابتسامةً أوسع هذه المرة، ابتسامةٌ فيها شيءٌ من الأمل، وشيءٌ من التحدي. "موافق."

كانت كلمات ليلى بمثابة نسيمٍ عليلٍ خفف من وطأة القلق الذي كان يخيم على خالد. أدرك أن العلاقة بينهما لن تكون سهلةً، لكنها ستكون مبنيةً على الصدق.

*

في الوقت ذاته، كانت سارة، صديقة ليلى، تشعر بقلقٍ متزايد. اتصلت بليلى مرارًا، لكنها لم تتلق أي رد. شعرت بأن هناك شيئًا ما، شيئًا أكبر من مجرد ضغوط الزواج.

"لا بد أن هناك شيئًا ما." قالت سارة لنفسها، وهي تتجول في غرفتها. "ليلى ليست من النوع الذي يتجاهل اتصالاتي."

وفي محاولةٍ منها للتأكد من سلامة صديقتها، قررت سارة أن تزور والدة ليلى، السيدة فاطمة. كانت السيدة فاطمة امرأةً لطيفةً، تعيش حياةً هادئة، لكنها كانت دائمًا ما تبدو قلقةً على ابنتها.

"السلام عليكم يا خالتي." قالت سارة وهي تطرق باب منزل السيدة فاطمة.

"وعليكم السلام يا ابنتي. تفضلي." استقبلتها السيدة فاطمة بابتسامةٍ دافئة.

"كنت قلقةً على ليلى يا خالتي. لم أستطع التواصل معها." قالت سارة، وبدأت في سرد مخاوفها.

تنهدت السيدة فاطمة. "ليلى تمر بلحظاتٍ صعبة يا ابنتي. أعرف أن زواجها من خالد قد يكون مفاجئًا، لكنه قرارٌ للعائلة. لكنني أشعر بأن قلبها ليس مرتاحًا تمامًا."

"هل هناك سببٌ معين؟ هل تعرفين شيئًا؟" سألت سارة بفضول.

"لا أعرف تفاصيل ماضيها بالضبط. هي لم تتحدث معي كثيرًا عن ذلك. لكنني أعلم أنها كانت متأثرةً بما حدث لها عندما كانت صغيرة."

"ماذا حدث لها؟" سألت سارة، وشعرت بأنها تقترب من كشف سرٍ دفين.

"قصةٌ قديمةٌ يا ابنتي. قصةٌ عن صديقٍ قديم، اختفى فجأةً. لقد تركت هذه الحادثة أثرًا عميقًا في نفسها. وجعلتها تخشى الارتباط."

"ولكن... لماذا لم يحاول أحدٌ مساعدتها في تجاوز ذلك؟"

"كان الأمر صعبًا. كانت ليلى دائمًا ما تكون قويةً، وتحاول إخفاء مشاعرها. لم أكن أعرف كيف أتعامل مع الأمر. ربما... ربما كان يجب أن أبذل جهدًا أكبر."

"ولكن خالد... هل يعرف بهذا الأمر؟"

"لا أعتقد ذلك. ربما لم تسنح له الفرصة ليعرف. هو رجلٌ طيب، وربما إذا عرف، فسوف يتفهم. فالعلاقات تبنى على التفاهم والصبر."

كانت كلمات السيدة فاطمة تثير في نفس سارة تساؤلاتٍ جديدة. هل كان خالد على علمٍ بماضي ليلى؟ وهل كان هذا الزواج مجرد صفقةٍ للعائلة، أم أنه كان يحمل في طياته فرصةً للحب؟

"شكرًا لكِ يا خالتي." قالت سارة. "سأحاول التحدث مع ليلى. ربما يمكنني مساعدتها."

غادرت سارة منزل السيدة فاطمة، وقلبها مليءٌ بالتساؤلات. أدركت أن هناك قصةً كاملةً لم تُروَ، وأن هناك مشاعرَ دفينةً تحتاج إلى الانكشاف. كانت تعلم أن ليلى وخالد على وشك اتخاذ قرارٍ مصيري، وأن هذا القرار يجب أن يكون مبنيًا على الحقائق، لا على الظنون.

في الطريق إلى منزلها، قررت سارة أن تتخذ خطوةً جديدة. كان عليها أن تتواصل مع طرفٍ آخر، طرفٍ قد يكون لديه معلوماتٌ إضافية. الطرف الآخر كان... جدة خالد. كانت تعلم أنها شخصيةٌ مؤثرةٌ في العائلة، وربما تعرف عن قصة ليلى أكثر مما يبدو.

*

في شرفة منزل آل القاسم، كان خالد يقف، يتأمل غروب الشمس. كان قد عاد لتوه من لقائه مع ليلى. شعر براحةٍ غريبة، راحةٌ جاءت بعد كشف بعض الغموض. لم يكن الأمر سهلاً، ولم تكن الأمور واضحةً تمامًا، لكنه كان يشعر بأنه يسير في الطريق الصحيح.

"هل حدث شيءٌ يا ولدي؟" سألت والدته، زينب، وهي تخرج من باب الغرفة.

"نعم يا أمي. تحدثت مع ليلى. كشفت لي بعض الأمور."

"وماذا كان ردها؟"

"كانت مترددةً في البداية، ولكنها وافقت على المحاولة. وافقت على أن نبدأ صفحةً جديدة، وأن نبني علاقتنا على الصدق والتفاهم."

ابتسمت زينب. "الحمد لله. إنها أخبارٌ سارة. أتمنى أن يوفقكما الله."

"أتمنى ذلك أيضًا يا أمي. لكنني أشعر بأن هذه مجرد البداية. هناك أمورٌ أخرى يجب أن نفهمها."

"ما هي؟"

"قصة ماضيها. لم تتحدث بالتفصيل، ولكنها أشارت إلى حادثةٍ قديمةٍ تركت فيها أثرًا. أخشى أن يكون هذا الأثر لا يزال يؤثر عليها."

"يا بني، الحب يتطلب الصبر والتضحية. إذا كان الله قد اختاركما لبعضكما البعض، فسوف يفتح لكما أبواب التفاهم."

كانت كلمات والدته دائمًا ما تحمل حكمتها. أدرك خالد أن عليه أن يكون صبورًا، وأن يدعم ليلى في تجاوز مخاوفها.

في تلك الليلة، بينما كان خالد يتفكر في مستقبله مع ليلى، كان يشعر ببعض الارتياح. لم يعد الأمر يتعلق بزواجٍ تقليديٍ مفروض، بل أصبح فرصةً لبناء علاقةٍ حقيقية. لكنه كان يعلم أن الطريق أمامه لا يزال مليئًا بالتحديات، وأن هناك أسرارًا أخرى ربما تنتظر الانكشاف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%