الزوجة المختارة الجزء الثالث

سرٌّ في صندوقٍ خشبي

بقلم مريم الحسن

في منزل آل الزاهر، حيث كانت تقيم ليلى مع والدتها، لم يكن الجو هادئًا تمامًا. كانت السيدة فاطمة تشعر ببعض القلق، فقد لاحظت تغيرًا في ابنتها بعد لقائها بخالد. كانت تبدو أقل توترًا، ولكنها في الوقت نفسه كانت تبدو أكثر حيرةً.

"هل أنتِ بخير يا ابنتي؟" سألت السيدة فاطمة ليلى في إحدى الأمسيات. "أرى أنكِ تفكرين كثيرًا."

"أنا بخير يا أمي. فقط... أحاول أن أفهم بعض الأمور." أجابت ليلى، وهي تنظر إلى خارج النافذة.

"وما هي هذه الأمور؟"

"قصة الماضي الذي ذكرته لكِ يا أمي. لا أستطيع أن أنساه. ولا أستطيع أن أنساه، وأنا أستعد لبدء حياةٍ جديدة."

"ولكنكِ تحدثتِ مع خالد، أليس كذلك؟"

"نعم. وكان صريحًا جدًا. قال إنه سيحاول فهمي. ولكنني... ما زلت أشعر بأن هناك شيءًا ناقصًا."

"ربما عليكِ أن تخبريه بكل شيء يا ليلى. أن تكشفي له كل ما في قلبك. فالصدق هو أساس أي علاقةٍ ناجحة."

"ولكن، هل سيستطيع فهمي؟ هل سيتقبلني كما أنا؟"

"أنا أثق في خالد. لقد رأيت فيه خيرًا. وهو يبدو شابًا ذكيًا ولديه قلبٌ طيب. إن أحبكِ حقًا، فسوف يحاول أن يفهمك."

بعد هذه المحادثة، قررت ليلى أن تبحث عن شيءٍ قد يساعدها على تذكر الماضي بشكلٍ أوضح. كان لديها صندوقٌ خشبيٌ قديم، كانت تحتفظ فيه بذكريات طفولتها. كانت قد أهملته لسنوات، ولكنها شعرت بأن الوقت قد حان لفتحه.

في صباح اليوم التالي، جلست ليلى في غرفتها، وأحضرت الصندوق الخشبي. كان مزخرفًا بنقوشٍ قديمة، ورائحته تنبعث منها عبق الذكريات. فتحت الغطاء ببطء، وبدأت تتصفح ما بداخله.

كان هناك صورٌ قديمة، رسوماتٌ من الطفولة، ألعابٌ صغيرة. ثم، وجدت رسالةً قديمة، مكتوبةً بخطٍ صغيرٍ ومنمق. كانت الرسالة موجهةً إليها، لكنها لم تتذكر محتواها.

بدأت ليلى في قراءة الرسالة، وكلماتها كانت تثير في نفسها مزيجًا من الحزن والألم، ومزيجًا من الفضول. كانت الرسالة من صديقها القديم، الذي اختفى.

"إلى ليلى العزيزة،" بدأت الرسالة. "إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فهذا يعني أنني لم أعد معك. ولكن أريدكِ أن تعلمي أنني لم أنسَكِ أبدًا. ولم أنسَ وعودي."

كانت كلمات الرسالة تزيد من حيرة ليلى. كان هناك شيءٌ في هذه الرسالة لم تفهمه. استمرت في القراءة.

"لقد اضطررت إلى الرحيل، يا ليلى. رحيلٌ قسريٌ، لم يكن لي يدٌ فيه. لقد تعرضت لظروفٍ صعبة، وظروفٍ جعلتني أبتعد عن كل شيءٍ أحببته. ولكن، قبل أن أرحل، تركت لكِ شيئًا. شيئًا قد يساعدكِ على فهم ما حدث. شيئًا قد يثبت لكِ أنني لم أكن كاذبًا."

ثم، وجدت ليلى في قاع الصندوق، تحت الرسالة، شيئًا مغلفًا بقطعة قماشٍ قديمة. فتحته بحذر، ليكتشف أنها قطعة مجوهراتٍ قديمة، ووشاحٌ حريريٌ مطرزٌ بأشكالٍ غريبة. لم تتذكر هذه الأشياء، لكنها شعرت بأن لها قيمةً كبيرة.

*

في تلك الأثناء، كانت سارة قد قررت أن تتواصل مع جدة خالد. كانت تعلم أن جدته، السيدة عائشة، امرأةٌ حكيمةٌ، وعلاقتها بخالد قويةٌ جدًا.

"السلام عليكم يا جدتي." قالت سارة عندما رأت السيدة عائشة في منزلها.

"وعليكم السلام يا ابنتي. تفضلي." استقبلتها السيدة عائشة بابتسامةٍ دافئة.

"كنت أريد أن أتحدث معكِ في أمرٍ هام." قالت سارة، وهي تبدأ في سرد ما تعرفه عن قلق ليلى، وعن قصة صديقها القديم.

كانت السيدة عائشة تستمع بانتباه، ثم قالت: "أعلم عن هذه القصة يا سارة. لقد حدثت قبل سنواتٍ طويلة. وكان خالد صغيرًا حينها."

"هل تعرفين التفاصيل؟" سألت سارة بلهفة.

"بعض التفاصيل. كان صديق ليلى، اسمه يوسف، شابًا طيبًا. كان لديه موهبةٌ في الرسم والنحت. ولكنه كان يعاني من مرضٍ نادر. مرضٌ جعله ضعيفًا، وكان يحتاج إلى رعايةٍ خاصة."

"وهل اختفى بسبب مرضه؟"

"لا. اختفى لأسبابٍ أخرى. كانت هناك عائلةٌ معاديةٌ له، وكانت تسعى لإيذائه. لقد اضطر والداه لإرساله بعيدًا، لحمايته. ولكنهما لم يستطيعا أن يخبرا أحدًا بذلك، خوفًا على حياته."

"ولكن، ماذا عن الأشياء التي وجدتها ليلى في الصندوق؟"

"تلك الأشياء، هي دليلٌ على وعدٍ قطعه يوسف لليلى. كان يعدها بأن يعود إليها، وأن يتزوجها. وكان يعلم أنه قد لا يستطيع الوفاء بوعده، لذلك ترك لها هذه الأشياء كذكرى، وكدليلٍ على صدق نواياه."

"وهل يعرف خالد بكل هذا؟"

"لا. لم أخبر خالد بتفاصيل القصة. كنت أعتقد أن الأمر قد انتهى، وأن ليلى قد تجاوزته. ولكن الآن، يبدو أن هذا الماضي لا يزال يؤثر عليها."

"ربما يجب أن تخبريه يا جدتي. ربما معرفة الحقيقة ستساعده على فهم ليلى بشكلٍ أفضل."

فكرت السيدة عائشة للحظة، ثم قالت: "ربما أنتِ على حق يا سارة. ربما حان الوقت لكشف كل شيء."

*

في تلك الأثناء، كان خالد يشعر بقلقٍ متزايد. لم يكن قد سمع أخبارًا من ليلى منذ لقائهما. وقرر أن يتصل بها.

"السلام عليكم يا ليلى." قال خالد عندما أجابت ليلى. "كنت مشغولًا في العمل، ولكنني أردت الاطمئنان عليكِ."

"وعليكم السلام يا خالد. أنا بخير. الحمد لله." أجابت ليلى بصوتٍ متعب.

"هل حدث شيء؟ تبدين متعبةً."

"نعم. لقد وجدت شيئًا في صندوقي القديم. شيئًا يتعلق بالماضي. وشيءٌ يجعلني أشعر بالحيرة أكثر."

"ما هو؟" سأل خالد بفضول.

"رسالةٌ من يوسف، وصندوقٌ يحوي بعض الأشياء. لم أفهم كل شيء. ولكني أشعر بأن هذه الأشياء تحمل سرًا."

"هل أنتِ مستعدةٌ لمقابلتي مرةً أخرى؟ أريد أن أسمع القصة كاملةً."

"نعم. أريد أن أسمع رأيك. أريد أن أسمع ما تعتقده."

اتفقا على اللقاء في مكانٍ هادئ، بعيدًا عن الأنظار. كانت ليلى تحمل معها الصندوق الخشبي، وقلبها مليءٌ بالمخاوف، وقلب خالد مليءٌ بالترقب.

عندما التقيا، جلست ليلى أمام خالد، وفتحت الصندوق الخشبي. وبدأت في سرد القصة، كلمةً كلمة، حرفًا حرفًا. كان خالد يستمع بانتباه، وحاول أن يفهم كل شيء.

"إذن، هذه هي الرسالة." قال خالد وهو يأخذ الرسالة ويتفحصها. "وهذه الأشياء... تبدو غريبة."

"لا أعرف ما هي. ولكنني أشعر بأنها مهمة."

"ربما يجب أن نطلب المساعدة. ربما هناك شخصٌ يعرف معنى هذه الأشياء."

"ومن برأيك؟"

"جدتي. السيدة عائشة. إنها تعرف الكثير عن تاريخ العائلة. وربما تعرف عن يوسف."

"ولكن... هل تعرف هي أيضًا بهذا الأمر؟"

"لا أعرف. ولكنها قد تكون مفتاحًا لفهم كل شيء."

كان قرار خالد هو أن يذهب إلى جدته، ويطلب منها المساعدة. شعر بأن هذه القصة يجب أن تكشف، وأن الحقائق يجب أن تظهر. لم يعد الأمر يتعلق بزواجه فقط، بل أصبح يتعلق بفهم الماضي، وفهم ليلى.

*

في منزل السيدة عائشة، كانت تجلس في حديقتها، تستمتع بقهوتها الصباحية. عندما وصل خالد، وسارة، وليلى، حاملةً معها الصندوق الخشبي.

"السلام عليكم يا جدتي." قال خالد.

"وعليكم السلام يا بني. تفضلي، تفضلي." استقبلتهم السيدة عائشة بابتسامةٍ ترحيبية.

"جئنا لنطلب منكِ المساعدة يا جدتي." قال خالد. "هذه قصةٌ قديمة، تتعلق بماضي ليلى، وبشخصٍ اسمه يوسف."

فتحت ليلى الصندوق الخشبي، وأخرجت الرسالة، والمجوهرات، والوشاح.

"هل تعرفين هذه الأشياء يا جدتي؟" سأل خالد.

نظرت السيدة عائشة إلى الأشياء، ثم إلى الرسالة، وابتسامتها اختفت. بدا عليها الصدمة.

"نعم." قالت بصوتٍ خفيض. "أعرفها."

"من هو يوسف؟ وما قصته؟" سأل خالد بلهفة.

"يوسف... كان شابًا طيبًا. وكان يحب ليلى كثيرًا. ولكنه كان يعاني من مرضٍ نادر. ووالدته، كانت تخشى عليه من عائلةٍ معاديةٍ لهم. فقررت أن ترسل يوسف بعيدًا، لحمايته."

"ولماذا لم يخبر أحدٌ بذلك؟"

"كانت الظروف صعبة. كانوا يخشون على حياتهم. تركت ليلى، وتركوا كل شيء."

"وهل... هل هو على قيد الحياة؟" سأل خالد، وشعر بأن قلبه ينقبض.

نظرت السيدة عائشة إلى ليلى، ثم إلى خالد، وقالت بصوتٍ مملوءٍ بالحزن: "لا أعتقد ذلك يا بني. لقد مر وقتٌ طويل. ولم نسمع عنه أي خبر."

كانت كلمات السيدة عائشة بمثابة صدمةٍ لكل الحاضرين. أدركوا أن هناك قصةً لم تكتمل، وأن هناك أسرارًا دفينةً يجب أن تكشف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%