الزوجة المختارة الجزء الثالث

ليلة السكون قبل العاصفة

بقلم مريم الحسن

كانت ليلةً تلبدت فيها سماءُ مدينةِ الياسمينِ بالنجومِ الساطعةِ، تعكسُ هدوءاً لا يشي بما يكمنُ تحتَ ستارهِ. في قصرِ آلِ الشريفِ، كانت الأنوارُ تتوارى تدريجياً، وتُسدلُ الستائرُ ثقلَها على أسرارٍ بدأتْ تطفو على السطحِ. نورُ، التي كانتْ تتقلبُ على فراشِها كمنْ أضناها السهرُ، لمْ تستطعْ أنْ تلجَ في سباتٍ عميقٍ. قلبُها يخفقُ كطائرٍ محبوسٍ، يتأرجحُ بينَ الأملِ والقلقِ.

منذُ زيارةِ جدتِها العجوزِ، أملَ، أمسِ، وصوتُها الرخيمُ الممزوجُ بالحكمةِ يرنُ في أذنيها. "يا ابنتي، هناكَ خيوطٌ قديمةٌ تربطُ العائلاتِ، خيوطٌ ينسجُها الزمنُ والوفاءُ، وقدْ تخرجُ منْ بينِ طياتِها حقائقُ غائبةٌ." كلماتٌ بدتْ غامضةً حينها، لكنها الآنَ تتكشفُ عنْ معانٍ أثقلَ.

تذكرتْ نظرةَ جدتِها العميقةَ وهيَ تسلمُها صندوقاً قديماً، مزخرفاً بنقوشٍ عربيةٍ أصيلةٍ، وقالتْ بصوتٍ مختنقٍ: "في هذا الصندوقِ، يا نورُ، تكمنُ بدايةُ قصتِنا، وربما نهايتُها." فتحتْ نورُ الصندوقَ بحذرٍ قبلَ يومينِ، فوجدتْ فيهِ مجموعةً منْ الرسائلِ القديمةِ، ووشاحاً مطرزاً بأحرفٍ غريبةٍ، وصورةً باهتةً لامرأةٍ جميلةٍ لا تعرفُها.

كانتْ الرسائلُ مكتوبةً بخطٍ رشيقٍ، بلغةٍ عربيةٍ فصيحةٍ، لكنها مليئةٌ بالإشاراتِ إلى أحداثٍ لمْ تعشْها. إحداها، الموجهةُ منْ "حبيبِ الروحِ" إلى "قمرِ الدجى"، تحدثتْ عنْ قرارٍ مصيريٍ، وعنْ وعدٍ باللقاءِ في مكانٍ لمْ يُذكرْ اسمهُ. الأدهى منْ ذلكَ، أنْ بعضَ الرسائلِ كانتْ تحملُ توقيعَ جدتِها، ولكنْ قبلَ زواجِها منْ جدِها.

في الجهةِ الأخرى منَ المدينةِ، في جناحِ إبراهيمَ المترفِ، كانَ هوَ الآخرُ يقضي ليلةً صعبةً. لمْ ينمْ منذُ لقائهِ المفاجئِ معَ السيدِ خالدٍ، والدِ سعادَ، زوجتِهِ السابقةِ. كلماتُ السيدِ خالدٍ كانتْ كالصواعقِ تهوي على رأسهِ. "ابنتي لمْ تتزوجكَ إلا كُرهاً، يا إبراهيمَ. لقدْ تمَ إجبارُها على هذا الزواجِ، وكانَ قلبُها معلقاً بغيركَ."

تساءلَ إبراهيمُ بصوتٍ مكتومٍ عنْ سرِ هذا الاعترافِ المفاجئِ بعدَ كلِ هذهِ السنواتِ. لماذا الآنَ؟ ولماذا يكشفُ السيدُ خالدٌ هذا السرَّ لهُ بالذاتِ؟ كانَ يعلمُ أنَّ سعادَ كانتْ مترددةً في البدايةِ، لكنهُ اعتقدَ أنَّها قدْ تجاوزتْ تلكَ المرحلةَ، وأنَّ حياتَهما قدْ استقرتْ.

فتحَ إبراهيمُ حاسوبَهُ المحمولَ، وبدأَ يبحثُ عنْ أيِّ معلوماتٍ قدْ تدعمُ كلامَ السيدِ خالدٍ. تعمقَ في أرشيفِ صورِ زواجِهِ، وأعادَ قراءةَ بعضِ الرسائلِ القديمةِ التي تبادلتْها سعادُ معَ والدتِها. وجدَ بصعوبةٍ رسالةً تبدو عاديةً في ظاهرِها، لكنَّ سطرينِ فيها لفتَا انتباههُ: "لا تقلقي يا أمي، سأحاولُ أنْ أتأقلمَ، ولكني لا أزالُ أحلمُ بـ..." توقفتْ الكتابةُ هنا، وكأنَّها قدْ مُحيتْ عمداً.

هذهِ الكلماتُ، معَ اعترافِ السيدِ خالدٍ، أشعلتْ فيهِ شكوكاً لمْ يكنْ يتصورُها. هلْ كانتْ سعادُ مجبرةً حقاً؟ ومنْ كانَ ذاكَ الذي تحلمُ بهِ؟ هلْ كانَ هناكَ رجلٌ آخرُ في حياتِها قبلَ الزواجِ؟

عادَ بذاكرتهِ إلى الوراءَ، إلى الأيامِ الأولى منْ زواجِهما. كانتْ سعادُ هادئةً، متحفظةً، وكثيراً ما كانتْ تنظرُ إلى الأفقِ بحزنٍ لا تفسيرَ لهُ. كانَ يظنُّ أنَّها تخشى مسؤوليةَ الزواجِ، أوْ أنَّها لمْ تعتدْ على الحياةِ الجديدةِ. لكنَّ الآنَ، قدْ تبدو تلكَ الهادئةُ قناعاً يخفي عاصفةً منَ المشاعرِ المكبوتةِ.

في الغرفةِ المجاورةِ، جلستْ عائشةُ، والدةُ إبراهيمَ، وهيَ تتأملُ صورةً قديمةً لزوجِها الراحلِ. كانَ يبدو عليها القلقُ، وكأنَّها تشعرُ بالتياراتِ السفليةِ التي بدأتْ تعصفُ بحياةِ ابنِها. كانتْ تعلمُ أنَّ السيدَ خالدٍ رجلٌ لا يخافُ في الحقِّ لومةَ لائمٍ، وأنَّ اعترافهُ هذا لهُ ما وراءهُ.

تذكرتْ حديثاً قديماً دارَ بينَها وبينَ حماتِها، والدةِ زوجِها، قبلَ سنواتٍ طويلةٍ. همستْ لها الحمى حينها: "هناكِ أسرارٌ دفينةٌ في هذهِ العائلةِ، أسرارٌ تتعلقُ بالماضي، وقدْ تعودُ لتُثقلَ على حاضرِ أبنائِنا." حينها لمْ تفهمْ ما تقصدُ.

في قصرِ آلِ العابدِ، حيثُ تسكنُ نورُ، كانتْ الأجواءُ مشحونةً. سمعتْ نورُ والدتها تتحدثُ بصوتٍ خافتٍ على الهاتفِ، تتحدثُ عنْ "رسائلَ غريبةٍ" وعنْ "صندوقٍ قديمٍ". كانَ قلبُها يقرعُ طبولَ الإنذارِ. يبدو أنَّ جدتَها لمْ تكنْ الوحيدةَ التي تعرفُ بالأمرِ.

تساءلتْ نورُ كيفَ يمكنُ لمثلِ هذهِ الأسرارِ أنْ تظهرَ فجأةً، لتُلقي بظلالِها على حياةٍ بدتْ مستقرةً. هلْ كانَ زواجُها منْ إبراهيمَ مبنياً على أسسٍ واهيةٍ؟ وهلْ كانتْ هناكَ دوافعُ خفيةٌ وراءَ قبولِ والدتِها لهذا الزواجِ؟

نهضتْ منْ فراشِها، وقررتْ أنْ تبحثَ عنْ والدتِها. وجدتها تجلسُ في الشرفةِ، تتنفسُ هواءَ الليلِ الباردَ. اقتربتْ منها بحذرٍ، وقالتْ بصوتٍ مترددٍ: "أمي، هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرام؟"

نظرتْ الأمُ إلى ابنتِها، ورأتْ في عينيها قلقاً يفوقُ عمرَها. تنهدتْ بعمقٍ، وبدأتْ تتحدثُ بصوتٍ يعتصرُهُ الألمُ. "يا ابنتي، هناكَ أمورٌ قديمةٌ، أمورٌ منْ زمنٍ لمْ نعدْ نذكرُهُ، بدأتْ تظهرُ منْ جديدٍ."

لمْ تكملْ الأمُ حديثَها، لكنَّ نظراتِها كانتْ تحملُ ألفَ كلمةٍ. شعرتْ نورُ ببرودةٍ تسري في عروقِها. كانتْ ليلةً ثقيلةً، ليلةً تحملُ في طياتِها رياحَ التغييرِ العاتيةِ، عاصفةً ستُغيرُ مسارَ حياةِ الجميعِ. كانتْ بدايةُ النهايةِ، أوْ نهايةُ البدايةِ.

---

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%