الزوجة المختارة الجزء الثالث
همسات الماضي وصراخ الحاضر
بقلم مريم الحسن
اجتاحتْ ظلالُ الشكِ قلوبَ أبطالِنا، وكأنَّ سماءَ الحقيقةِ التي اعتادوا رؤيتها قدْ استُبدلتْ بضبابٍ كثيفٍ. في صباحِ اليومِ التالي، اجتمعَ إبراهيمُ معَ والدتِهِ في غرفةِ المعيشةِ الفسيحةِ. كانَ وجهُه شاحباً، وعيناهُ تحملانِ تعباً عميقاً.
"أمي، هلْ منْ الممكنِ أنْ تكونَ سعادُ قدْ أُجبرتْ على الزواجِ مني؟" سألَ إبراهيمُ بصوتٍ بالكادِ يُسمعُ.
نظرتْ عائشةُ إلى ابنِها، وكانَ قلبُها ينفطرُ رأفةً. عرفتْ أنَّ الحقيقةَ، مهما كانتْ مؤلمةً، يجبُ أنْ تُقالَ. "يا بني، والدُ سعادَ رجلٌ طيبٌ، ولكنْ كانَ لديهِ أسبابُهُ. في تلكَ الأيامِ، كانتْ الأعرافُ أقوى منْ رغباتِ الشبابِ. كانتْ هناكَ ضغوطٌ عائليةٌ واقتصاديةٌ، وأحياناً، يختارُ الآباءُ ما يعتقدونَ أنَّهُ الأفضلُ لأبنائِهم، حتى لوْ كانَ هذا الاختيارُ ضدَّ رغباتِهم."
"لكنْ، هلْ كانَ الأمرُ بهذا السوءِ؟ هلْ كانتْ تكرهُني؟" سألَ إبراهيمُ، وعيناهُ تبحثانِ عنْ أيِّ بصيصِ أملٍ في كلامِ والدتِهِ.
"لمْ يكنْ الأمرُ متعلقاً بكَ يا إبراهيمَ. سعادُ كانتْ فتاةً رقيقةً، قلبُها طيبٌ. ولكنْ، ربما لمْ تسمحْ لها الظروفُ بأنْ تتفتحَ مشاعرُها بالشكلِ الصحيحِ. لمْ يكنْ الزواجُ مبنياً على حبٍ متبادلٍ منذُ البدايةِ، وهذا ما يفتقدهُ الكثيرُ منَ الزيجاتِ." قالتْ عائشةُ، وهيَ تحاولُ أنْ تكونَ صادقةً قدرَ المستطاعِ.
"إذاً، كلامُ السيدِ خالدٍ صحيحٌ. كانَ هناكَ رجلٌ آخرُ في حياتِها؟" لمْ يستطعْ إبراهيمُ إخفاءَ مرارةِ السؤالِ.
تنهدتْ عائشةُ. "لا أستطيعُ تأكيدَ ذلكَ بشكلٍ قاطعٍ. ما أعرفهُ هوَ أنَّها كانتْ لديها مشاعرُ عميقةٌ تجاهَ شخصٍ آخرٍ قبلَ الزواجِ. ووالدُها، السيدُ خالدٌ، شعرَ بأنَّ هذا الزواجَ، وإنْ لمْ يكنْ مثالياً، سيمنحُها الاستقرارَ والأمانَ الذي لمْ يكنْ يستطيعُ تأمينَهُ لها في ذلكَ الوقتِ."
هذهِ الكلماتُ كانتْ أشدَّ وقعاً على إبراهيمَ منْ أيِّ ضربةٍ. لقدْ بنى حياتَهُ على ما اعتقدَ أنَّهُ حبٌ متبادلٌ، ولكنهُ الآنَ يكتشفُ أنَّهُ كانَ مجردَ وهمٍ، أوْ على الأقلِّ، نصفُ حقيقةٍ.
في قصرِ آلِ الشريفِ، كانَ الوضعُ لا يقلُ تعقيداً. استدعتْ والدةُ نورَ، السيدةَ فاطمةَ، ابنتَها إلى غرفةِ الجلوسِ. كانَ وجهُها عابساً، وعيناها مليئتانِ بالحزنِ.
"يا ابنتي، لقدْ قرأتُ الرسائلَ التي أعطتكِ إياها جدتُكِ. كانتْ هذهِ الرسائلُ منْ جدتِكِ، آمنةَ، إلى جدِكِ، عبدَ الرحمنِ، قبلَ زواجِهما. ولكنْ، هناكَ جزءٌ مفقودٌ منْ القصةِ." قالتْ السيدةَ فاطمةَ، وهيَ تُسلمُ نورَ كومةً منْ الرسائلِ المكدسةِ.
فتحتْ نورُ الرسائلَ. كانتْ تحملُ بينَ ثناياها لغةً عاطفيةً قويةً، ووعداً بالحبِّ الأبديِّ. ولكنْ، عندما وصلتْ إلى الرسالةِ الأخيرةِ، شعرتْ بالصدمةِ. كانتْ الرسالةُ تحملُ تاريخاً قبلَ زواجِ جدتِها منْ جدِها بثلاثةِ أشهرٍ. فيها، تعبرُ الجدةُ عنْ أسفِها الشديدِ، وتتحدثُ عنْ قرارٍ اتخذتْهُ لا رجعةَ فيهِ، قرارٍ يتعلقُ بـ "مستقبلِ الأسرةِ" و "الحفاظِ على الشرفِ".
"ماذا يعني هذا يا أمي؟" سألتْ نورُ بصوتٍ مرتجفٍ.
"جدتُكِ، آمنةَ، كانتْ على وشكِ الزواجِ منْ رجلٍ آخرٍ، رجلٍ لمْ يكنْ حبيبُها. ولكنْ، لسببٍ ما، تمَ فسخُ الخطبةِ، وتزوجتْ منْ جدِكِ، عبدَ الرحمنِ. لمْ أفهمْ قطُ سببَ ذلكَ التغييرِ المفاجئِ. ولكنْ، يبدو أنَّ الصندوقَ الذي أعطتكِ إياه جدتُكِ، أملَ، يحتوي على مفتاحِ هذا اللغزِ." قالتْ السيدةَ فاطمةَ، وهيَ تُشيرُ إلى الصندوقِ القديمِ الذي تركتهُ أملُ.
بدأتْ نورُ تفهمُ. هلْ كانتْ الجدةُ آمنةُ في حالةِ حبٍ معَ شخصٍ آخرٍ قبلَ جدِها؟ ولماذا تخلتْ عنْ حبِّها؟ وهلْ كانَ لهذا القرارِ علاقةٌ بـ "الحفاظِ على الشرفِ"؟
في هذهِ الأثناءِ، كانَ السيدُ خالدٌ، والدُ سعادَ، يسيرُ في شوارعَ المدينةِ القديمةِ، وقدْ اتخذَ قراراً جريئاً. كانَ يشعرُ بثقلِ مسؤوليةِ كتمانِ الحقيقةِ طوالَ هذهِ السنواتِ. كانَ يعلمُ أنَّ إبراهيمَ رجلٌ طيبٌ، وأنَّ سعادَ تستحقُّ أنْ تعيشَ حياتَها بسعادةٍ.
قررَ السيدُ خالدٌ أنْ يذهبَ إلى منزلِ آلِ الشريفِ، وأنْ يتحدثَ معَ السيدةَ فاطمةَ، والدةِ نورَ. كانَ يعلمُ أنَّ هناكَ خيوطاً قديمةً تربطُ العائلتينِ، وأنَّ كشفَ الحقيقةِ قدْ يكونُ هوَ الحلَّ الوحيدَ.
عندما وصلَ السيدُ خالدٌ إلى قصرِ آلِ الشريفِ، استقبلتْهُ السيدةَ فاطمةَ بترحيبٍ حذرٍ. جلسا في الحديقةِ الهادئةِ، وبدأَ السيدُ خالدٌ يتحدثُ.
"يا أختي فاطمةَ، أتيتُ اليومَ لِأُخبرَكِ بسرٍّ ظلَّ حبيساً في صدري لسنواتٍ طويلةٍ. أسرارٌ تتعلقُ بزواجِ ابنتِي سعادَ، وبقصةٍ قديمةٍ ربما لمْ تسمعي عنها."
بدأتْ السيدةَ فاطمةُ تشعرُ بالفضولِ والخوفِ في آنٍ واحدٍ. كانتْ تعرفُ أنَّ السيدَ خالدَ ليسَ منْ النوعِ الذي يتحدثُ إلا إذا كانَ الأمرُ مهماً حقاً.
"قبلَ سنواتٍ طويلةٍ، يا أختي فاطمةَ، كانتْ جدتُكِ، آمنةَ، على وشكِ الزواجِ منْ رجلٍ آخرٍ غيرَ جدِكِ، عبدَ الرحمنِ. كانَ هناكَ حبٌّ عميقٌ بينَها وبينَ هذا الرجلِ، رجلٌ منْ عائلةٍ مرموقةٍ ولكنْ، ربما لمْ تكنْ الظروفُ مناسبةً." قالَ السيدُ خالدٌ، وقدْ شعرَ بأنَّهُ يسيرُ على أرضٍ هشةٍ.
"كيفَ تعرفُ هذا؟" سألتْ السيدةَ فاطمةَ بدهشةٍ.
"جدتي، رحمها اللهُ، كانتْ صديقةً مقربةً لجدتِكِ آمنةَ. لقدْ أخبرتني بالكثيرِ، وحذرتني منْ أنْ أكررَ الأخطاءَ التي ارتكبتْها العائلاتُ في الماضي. لقدْ أُجبرتْ آمنةُ على فسخِ خطبتِها، وتزوجتْ منْ عبدِ الرحمنِ، الذي كانتْ تحترمُهُ ولكنْ لمْ تحبْهُ كما أحبّتْ ذلكَ الرجلَ الآخرَ."
كانتْ هذهِ المعلوماتُ كالصدمةِ للسيدةَ فاطمةَ. كلُّ شيءٍ بدأَ يتضحُ. هلْ كانَ الحبُّ الأولُ للجدةِ آمنةَ هوَ نفسهُ حبُّ ابنتِها نورَ؟ هلْ كانتْ هناكَ لعنةٌ أسريةٌ تتكررُ؟
"والآنَ، اسمحي لي يا أختي فاطمةَ، أنْ أتحدثَ عنْ ابنتي سعادَ. لقدْ كانتْ سعادُ، قبلَ زواجِها منْ إبراهيمَ، معجبةً بشخصٍ آخرٍ. ولكنْ، أنا، كوالدٍ، رأيتُ أنَّ زواجَها منْ إبراهيمَ سيمنحُها الاستقرارَ والحمايةَ التي كنتُ أخشى أنْ تفقدَها. لقدْ ضغطتُ عليها، وربما أخطأتُ في ذلكَ."
كانتْ هذهِ الحقيقةُ مؤلمةً للسيدةَ فاطمةَ. لقدْ كانتْ تعلمُ أنَّ سعادَ كانتْ هادئةً، لكنها لمْ تتصورْ أنَّ خلفَ تلكَ الهدوءِ حياةً كاملةً منَ المشاعرِ المكبوتةِ.
"ولكنْ، يا أخا خالدٍ، إذا كانَ الأمرُ كذلكَ، فلماذا لمْ تقولْ هذا لي منْ قبلُ؟ ولماذا أخبرتْني أنتَ الآنَ؟" سألتْ السيدةَ فاطمةَ، وقدْ شعرتْ بأنَّ كلَّ شيءٍ بدأَ يتدحرجُ خارجَ السيطرةِ.
"لأنني رأيتُ في عينيْ إبراهيمَ نفسَ الألمِ الذي رأيتُهُ في عينيْ سعادَ. ورأيتُ في ابنتِكِ نورَ، بوادرَ قصةٍ قدْ تتكررُ. لقدْ آنَ الأوانُ لأنْ نُصلحَ ما أفسدتْهُ الأجيالُ السابقةُ. يجبُ أنْ نعرفَ الحقيقةَ كاملةً." قالَ السيدُ خالدٌ، وقدْ بدا على وجهِهِ تصميمٌ قويٌّ.
شعرَتْ السيدةَ فاطمةَ بأنَّ العاصفةَ قدْ بدأتْ بالفعلِ. لمْ تعدْ الأمورُ مجردَ شائعاتٍ وهمساتٍ، بلْ أصبحتْ حقائقَ مؤلمةً تتكشفُ يوماً بعدَ يومٍ. لمْ تكنْ تعرفُ كيفَ ستواجهُ ابنتَها نورَ، وكيفَ ستُغيرُ مسارَ حياتِهما.
---