الزوجة المختارة الجزء الثالث
خيوط الماضي المتشابكة
بقلم مريم الحسن
ارتسمَ على وجهِ السيدةَ فاطمةَ مزيجٌ منَ الذهولِ والأسى. كانتْ المعلوماتُ التي كشفَ عنها السيدُ خالدٌ كضربةٍ قويةٍ على صدرِها، تهزُّ أركانَ قصرِها الهادئِ. لمْ يكنْ يخطرُ ببالِها قطُّ أنَّ هذهِ الأسرارَ، التي ظنتْها مدفونةً تحتَ رمادِ الزمنِ، قدْ تعودُ لتُعيدَ تشكيلَ حاضرِ أبنائِها.
"إذاً، يا أخا خالدٍ، هلْ أنتَ تقولُ إنَّ حبَّ جدتي آمنةَ الأولَ، الذي انتهى بشكلٍ مأساويٍّ، قدْ يكونُ هوَ نفسهُ الذي تعيشُهُ ابنتي نورُ الآنَ؟" سألتْ السيدةَ فاطمةَ، وصوتُها يرتعشُ منَ التأثرِ.
"لا أستطيعُ الجزمَ بذلكَ تماماً، يا أختي فاطمةَ. ولكنْ، هناكَ تشابهٌ واضحٌ في المشاعرِ. لقدْ أحبتْ آمنةُ رجلاً، وفُصلتْ عنهَ لأسبابٍ قاهرةٍ، وتزوجتْ منْ رجلٍ آخرَ. وسعادُ، ابنتي، أحبتْ رجلاً، ولكنّي دفعتها للزواجِ منْ إبراهيمَ. والآنَ، أرى في ابنتِكِ نورَ، قصةً تبدو وكأنَّها نسخةٌ طبقُ الأصلِ منْ قصةِ جدتِكِ."
أغمضتْ السيدةَ فاطمةَ عينيها، وحاولتْ استيعابَ كلِّ هذهِ الحقائقِ. تذكرتْ جدتَها آمنةَ، تلكَ المرأةَ القويةَ والهادئةَ، التي لمْ تتحدثْ كثيراً عنْ ماضيها. دائماً ما كانتْ تبتسمُ بابتسامةٍ حزينةٍ عندما تُسألُ عنْ حبِّها الأولِ.
"ولكنْ، كيفَ عرفتْ جدتِي أملُ كلَّ هذا؟ ولماذا أعطتْني الصندوقَ الآنَ؟" سألتْ نورُ، التي كانتْ تقفُ بجانبِ والدتِها، وقدْ شعرتْ بأنَّ كلَّ خيوطِ حياتِها بدأتْ تتشابكُ بشكلٍ خطيرٍ.
"جدتُكِ أملُ، يا ابنتي، كانتْ شاهدةَ على الكثيرِ. لقدْ عاصرتْ هذهِ الأحداثَ، وحاولتْ طوالَ حياتِها أنْ تُصلحَ ما أفسدتْهُ الأجيالُ السابقةُ. يبدو أنَّها رأتْ أنَّ الوقتَ قدْ حانَ لكِ لتُعرفي الحقيقةَ، ولتُحصلي على الفرصةِ لتُصححي المسارَ." قالتْ السيدةَ فاطمةَ، وهيَ تنظرُ إلى ابنتِها بنظرةٍ كلها حنانٍ وقلقٍ.
فجأةً، سمعا صوتاً خفيفاً منْ جهةِ البوابةِ. كانتْ السيارةُ التي تقلُّ إبراهيمَ قدْ وصلتْ. نزلَ إبراهيمُ منَ السيارةِ، وبدتْ على وجهِهِ آثارُ ليالٍ طويلةٍ منَ السهرِ والقلقِ.
"السلامُ عليكم،" قالَ إبراهيمُ، وهوَ يقتربُ منهما. "أتيتُ لأتحدثَ معَكِ يا سيدةَ فاطمةَ. أظنُّ أنَّ لديَّ بعضَ المعلوماتِ التي قدْ تُساعدُ في فهمِ ما يحدثُ."
نظرتْ السيدةَ فاطمةَ إلى السيدِ خالدٍ، ثمَّ إلى إبراهيمَ. شعرتْ بأنَّ جميعَ أطرافِ القصةِ قدْ اجتمعتْ في مكانٍ واحدٍ.
"تفضلْ يا ابني،" قالتْ السيدةَ فاطمةَ بصوتٍ متعبٍ.
بدأَ إبراهيمُ بسردِ ما سمعهُ منْ والدهِ، السيدِ خالدٍ. شرحَ كيفَ أنَّ سعادَ كانتْ مجبرةً على الزواجِ منهُ، وكيفَ أنَّ قلبَها كانَ معلقاً برجلٍ آخرَ.
"لمْ أكنْ أعرفُ ذلكَ قطُّ،" قالتْ السيدةَ فاطمةَ، وقدْ شعرتْ بالأسفِ الشديدِ على ابنةِ السيدِ خالدٍ.
"والآنَ، يا سيدةَ فاطمةَ،" تابعَ إبراهيمُ، "أريدُ أنْ أسألَكِ سؤالاً مهماً. هلْ تتذكرينَ زيارةَ جدتِكِ، أملَ، لي قبلَ فترةٍ؟ لقدْ قالتْ لي شيئاً غريباً عنْ علاقةٍ قديمةٍ بينَ عائلتِنا وعائلتِكِ. هلْ تعرفينَ شيئاً عنْ ذلكَ؟"
كانَ هذا هوَ السؤالُ الذي انتظرتهُ السيدةَ فاطمةَ. بدأتْ تروي لإبراهيمَ قصةَ جدتِها آمنةَ، وحبِّها الأولِ، وفسخِ خطبتِها، وزواجِها منْ جدِها عبدِ الرحمنِ.
"إذاً،" قالَ إبراهيمُ، وقدْ لمعتْ عيناهُ ببريقٍ منَ الفهمِ، "معنى هذا أنَّ الحبَّ الأولَ لجدتِكِ آمنةَ، الذي لمْ يكتملْ، قدْ يكونُ هوَ نفسهُ الحبَّ الأولَ لجدي، عبدِ الرحمنِ، الذي لمْ يكتملْ أيضاً؟"
"لا يا ابني،" قاطعتْهُ السيدةَ فاطمةَ، "جدتُكِ آمنةُ لمْ تتزوجْ منْ عبدِ الرحمنِ إلا بعدَ فسخِ خطبتِها. أما حبُّها الأولُ، فقصتُهُ لمْ تُروَ بالكاملِ."
في هذهِ اللحظةِ، صمتَ الجميعُ. كانتْ خيوطُ الماضي تتشابكُ بشكلٍ معقدٍ، وتُشكلُ لوحةً غامضةً لمْ يستطيعوا فهمَ معالمِها بالكاملِ.
"ولكنْ،" قالَ إبراهيمُ، وهوَ ينظرُ إلى نورَ التي كانتْ تقفُ صامتةً، "إذا كانَ هذا الحبُّ الأولُ لجدتِكِ آمنةَ هوَ نفسهُ حبُّ جدتي، فماذا يعني هذا بالنسبةِ لنا؟"
"هذا ما يجبُ أنْ نعرفَهُ، يا ابني،" قالتْ السيدةَ فاطمةَ، وقدْ استجمعَتْ قواها. "يجبُ أنْ نفتحَ هذا الصندوقَ، ونرى ما فيهِ منْ أسرارٍ."
توجهتْ نورُ إلى الصندوقِ القديمِ الذي كانتْ قدْ أحضرتهُ معها. وضعتهُ على الطاولةِ، وبدأَ الجميعُ يحدقونَ فيهِ بترقبٍ. كانَ الصندوقُ مزخرفاً بزخارفَ عربيةٍ دقيقةٍ، يحملُ عبقَ الزمنِ والقصصِ المنسيةِ.
فتحتْ نورُ الصندوقَ ببطءٍ. كانَ في الداخلِ مجموعةٌ منَ الرسائلِ، ووشاحٌ قديمٌ، وصورةٌ باهتةٌ. التقطتْ نورُ الصورةَ. كانتْ صورةَ رجلٍ شابٍّ وسيمٍ، ذو عينينِ ساحرتينِ.
"منْ هذا؟" سألَ إبراهيمُ، وقدْ شعرَ بجاذبيةٍ غريبةٍ نحو الصورةِ.
"لا أعرفُ،" أجابتْ نورُ، "ولكنْ، يبدو لي مألوفاً."
ثمَّ التقطتْ إحدى الرسائلِ. كانتْ مكتوبةً بخطٍ جميلٍ، ولكنْ بلغةٍ لمْ تستطعْ نورُ فهمَها بالكاملِ. كانتْ حروفاً غريبةً، أقربَ إلى لغةٍ قديمةٍ.
"هذهِ ليستْ العربيةَ الفصحى،" قالتْ نورُ، وقدْ شعرتْ بالإحباطِ.
"ربما تكونُ لغةً قديمةً،" قالَ السيدُ خالدٌ، "أوْ ربما لغةً سريةً."
ثمَّ نظرتْ السيدةَ فاطمةَ إلى الوشاحِ. كانَ مطرزاً بأحرفٍ، ولكنْ بدتْ أيضاً غريبةً. "أتذكرُ هذهِ الأحرفَ،" قالتْ، "لقدْ رأيتُها في مكانٍ ما منْ قبلُ. أعتقدُ أنَّها لغةٌ قديمةٌ كانتْ تُستخدمُ في بعضِ القبائلِ البدويةِ في الماضي."
فجأةً، لمعتْ عينا إبراهيمَ. "انتظري،" قالَ، "تذكرتُ شيئاً. قبلَ سنواتٍ، عندما كنتُ أبحثُ عنْ أصولِ عائلتِنا، وجدتُ مخطوطةً قديمةً لوالدي، كانتْ تحتوي على بعضَ النصوصِ بهذهِ اللغةِ. ظننتُها مجردَ أساطيرَ قديمةٍ."
أخرجَ إبراهيمُ هاتفَهُ، وبدأَ يبحثُ في ملفاتِهِ. بعدَ دقائقَ، وجدَ ما كانَ يبحثُ عنهُ. صورٌ للمخطوطةِ القديمةِ.
"هذهِ هيَ! هذهِ هيَ الأحرفُ!" صاحَ إبراهيمُ، وقدْ شعرَ بأنَّ اللغزَ بدأَ ينفكُّ.
قربَ إبراهيمُ هاتفَهُ منْ الرسالةِ والوشاحِ. بدأتْ نورُ والسيدةَ فاطمةَ والسيدُ خالدٌ ينظرونَ بتركيزٍ. بدأَ إبراهيمُ يقرأُ بعضَ الكلماتِ التي استطاعَ التعرفَ عليها منَ المخطوطةِ.
"يبدو أنَّ هذهِ الرسائلَ، وهذا الوشاحَ، جزءٌ منْ قصةِ حبٍّ بينَ شخصينِ. ولكنْ، لمْ تكنْ قصتُهُما بسيطةً."
"منْ هما هذانِ الشخصانِ؟" سألتْ نورُ بترقبٍ.
"هذا ما يجبُ أنْ نعرفَهُ،" قالَ إبراهيمُ، وعيناهُ لا تفارقانِ الصورةَ. "هذهِ الصورةُ… تبدو مألوفةً بشكلٍ لا يُصدقُ."
في هذهِ اللحظةِ، أدركتْ السيدةَ فاطمةُ شيئاً. "يا إبراهيمَ، هلْ تتذكرُ قصةَ جدتِكِ، مريمَ، والقصةَ التي كانتْ تُروى عنْ حبِّها الأولِ قبلَ زواجِها منْ جدِكَ؟"
"نعم،" قالَ إبراهيمُ، "كانتْ تحبُّ شاباً منْ قبيلةٍ بعيدةٍ، ولكنْ لمْ يتزوجا."
"وهلْ كانَ هذا الشابُّ يحملُ نفسَ الصفاتِ التي تراها في الصورةِ؟" سألتْ السيدةَ فاطمةَ.
"ربما،" قالَ إبراهيمُ، وهوَ ينظرُ إلى جدتِهِ في الصورةِ. "ولكنْ، هذا لا يفسرُ لماذا هذهِ الأشياءُ موجودةٌ في صندوقِ جدتِكِ آمنةَ."
"إلا إذا..." بدأتْ السيدةَ فاطمةَ، وقدْ شعرتْ بأنَّها على وشكِ اكتشافِ حقيقةٍ صادمةٍ. "إلا إذا كانَ الحبُّ الأولُ لجدتِكِ آمنةَ، هوَ نفسهُ الحبُّ الأولُ لجدتِكِ مريمَ. وأنَّ هذا الرجلَ في الصورةِ هوَ الشخصُ الذي أحبَّتْهُ كلتاهما."
كانَ الأمرُ هائلاً. لمْ يكنْ مجردَ تشابهٍ عائليٍّ، بلْ كانَ حبٌّ مشتركٌ عبرَ الأجيالِ.
---