الزوجة المختارة الجزء الثالث

همسات القدر بين أروقة الماضي

بقلم مريم الحسن

كان الهواء ثقيلاً، محملاً بعبق البخور القديم الممزوج برائحة الياسمين المتسلق على جدران القصر العتيق. في غرفة الجلوس الفسيحة، حيث تتلألأ الثريات الكريستالية تحت ضوء القمر المتسلل من النوافذ المقوسة، جلست هند، وبجانبها جلست والدتها، السيدة فاطمة. كان صمتٌ مطبقٌ يخيم على المكان، لا يكسره سوى صوت تكتكة الساعة القديمة التي تقف على المنبر الخشبي الفاخر. نظرت هند إلى والدتها، وقلبها يخفق بعنفٍ كطائرٍ مذعورٍ يريد الفرار. كانت كلمات أمها الأخيرة كالصفعة التي استيقظت بها من غفوةٍ طويلة، كلماتٌ أزاحت الستار عن حقيقةٍ مظلمةٍ كانت مختبئةً خلف أقنعةٍ من البرود واللامبالاة.

"لقد اكتشفتُ شيئاً مؤلماً يا ابنتي," قالت السيدة فاطمة بصوتٍ مرتجفٍ، وعيناها زائغتان تتأملان فراغاً لا تراه إلا هي. "شيئاً يخص عمك، ورحيم."

تصلبت هند في مكانها. اسم رحيم، الذي كان يتردد في أروقة ذكرياتها كصدىً بعيدٍ مؤلم، أثار فيها مزيجاً من الخوف والترقب. "عمي؟ وما شأن رحيم به؟" سألت بصوتٍ أشبه بالهمس، وكأنها تخشى أن يسمع أحدٌ غيرهما تلك الكلمات.

ابتسمت السيدة فاطمة ابتسامةً باهتةً، خالصةً من أي بهجة. "لقد اكتشفتُ أن عمك، وللأسف الشديد، هو من دبر الأمر. هو من سعى لقلب الطاولة على أبيك، واستولى على نصيب عمته، ومن ثم نصيبنا نحن. والأدهى من ذلك، أنه استخدم رحيم، بذكاءٍ وحنكةٍ لا تخطر على بال، ليحقق مآربه."

اتسعت عينا هند بصدمة. لم تتخيل قط أن عمها، الرجل الذي طالما أظهر لها الود والاحترام، يمكن أن يكون وراء كل تلك المتاعب التي مرت بها عائلتها. "لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً! عمي رجلٌ طيب… ولطيف…"

قاطعتها والدتها بحزمٍ، وهي تضع يدها المرتعشة على يد ابنتها. "لقد طبعتُ على الطيبة يا هند، وطبعتُ على الثقة. لكن الظروف تعلمنا، وتكشف لنا الحقائق حتى لو كانت قاسية. لقد وجدتُ وثائق قديمة، رسائل… كانت بحوزة عمة السيدة ليلى، زوجة أبيك الأولى. لقد تركتها مع أختها قبل رحيلها، وكنتُ أحسبها مجرد أوراقٍ قديمةٍ لا قيمة لها."

"وماذا وجدتِ في تلك الأوراق؟" سألت هند، وقد بدأت تتسلل إليها برودةٌ غريبةٌ تجتاح أوصالها.

"وجدتُ اعترافاً صريحاً من عمك، يطلب فيه من رحيم، الذي كان يعمل معه في تلك الفترة، أن يقوم بعملٍ ما… عملٌ سيقوض صفقةً لأبيك، ويسهل عليه الاستيلاء على ما يريد. لقد استغل عمك حاجة رحيم للمال، ووعده بمقابلٍ كبيرٍ مقابل خدماته. لقد باع رحيم ضميره مقابل دراهم معدودة، وهو ما أدى بنا إلى ما نحن فيه."

جلست هند صامتةً، تحاول استيعاب حجم الخيانة. رحيم، الرجل الذي أحبته، الذي رأت فيه الوفاء والأمان، كان أداةً بيد رجلٍ آخر. هل كان يعلم حقاً بما يفعله؟ أم أن عمها قد خدعه أيضاً؟

"لقد استغل عمك طيبة قلب رحيم، ووعده بمستقبلٍ زاهرٍ إذا نفذ أوامره. رحيم، كان شاباً فقيراً، وكان يحلم بحياةٍ أفضل، فتلقف العرض دون أن يفكر في العواقب. ثم، عندما أصبحت الأمور على وشك الانكشاف، قام عمك بتوريط رحيم، وجعله الظاهر والمسؤول الوحيد عن كل شيء، حتى يبرئ نفسه."

"لكن… لكن رحيم لم يظهر عليه أي شيء من هذا قط!" تمتمت هند، والدهشة تعتلي وجهها. "لقد كان يبدو نادماً، كان يعتذر… ألم يكن هذا دليلاً على براءته؟"

"لقد كان نادماً على ما فعله، نعم، لكنه كان خائفاً أيضاً. خائفاً من عمك، ومن العواقب. لقد استغل عمك خوفه ليظل صامتاً. لقد عشنا جميعاً في كذبةٍ كبيرةٍ نسجها عمك بخيوطٍ من المال والخداع. لقد كان يرغب في كل شيء، ولم يتردد في سلب حق الآخرين."

شعرت هند وكأن الأرض تميد بها. كل ما بنته من أفكارٍ عن رحيم، وعن عمها، وعن تاريخ عائلتها، قد انهار في لحظة. لم تكن مجرد خيانةٍ بسيطة، بل كانت مؤامرةً مدبرةً بعنايةٍ فائقة، أدت إلى تدمير حياة الكثيرين.

"ولماذا كل هذا؟" سألت هند، وعيناها مليئتان بالدموع التي حبستها. "لماذا فعل عمي كل هذا؟"

"الجشع يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة بحسرة. "الجشع هو ما يدفع البشر إلى أشد الأعمال شناعة. لقد كان عمك يرى في ثروة والدك حقاً له، وظن أنه يستحقها أكثر. لقد كان حسوداً، ولم يحتمل رؤية سعادة أخيه ونجاحه."

تذكرت هند كلمات رحيم الأخيرة، عندما قال لها إن هناك أشياءً لم تقلها له. هل كان يقصد هذه الأشياء؟ هل كان يحاول الاعتراف لها بكل شيء، لكنه خاف؟

"إذاً… إذاً كل ما حدث بيني وبين رحيم… كل ما قاله لي… هل كان كله كذباً؟" سألت، وصوتها يرتعش.

"بعضه ربما كان صدقاً، يا عزيزتي،" أجابت السيدة فاطمة بنبرةٍ حانية. "رحيم، رغم ما فعله، كان يحبك. لقد اعترف لي بهذا قبل رحيله. لقد كان يتألم بشدةٍ لكونه جزءاً من هذه المؤامرة. لقد كان يعتقد أنه يمكنه إصلاح الأمور، لكنه لم يستطع. لقد كان ضحيةً هو الآخر، لكنه اختار طريقاً خاطئاً."

"ضحية؟" تكررت هند الكلمة، وكأنها لم تسمعها من قبل. "لكن ضحيته كانت عائلتنا! كانت حياتي!"

"أعلم يا ابنتي. وأنا أدرك الألم الذي تشعرين به. لكن معرفة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي أول خطوة نحو الشفاء. عمك، لم يعد يستحق هذه العائلة. لقد خان الثقة، ودمر الأمان. لقد حان الوقت لكي نواجه الحقيقة، ولنطالب بحقوقنا."

نهضت هند، وبدأت تمشي ذهاباً وإياباً في الغرفة. كان عقلها يعج بالأفكار المتضاربة. عمها… رحيم… الخيانة… الماضي… كل شيء كان متشابكاً. كيف لها أن تواجه عمها بعد معرفة كل هذا؟ كيف لها أن تثق بأي شخصٍ بعد الآن؟

"ماذا سنفعل الآن؟" سألت، وقد بدأت تتبلور في ذهنها فكرةٌ جريئة.

"سنواجهه، يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة، وقد استعادت شيئاً من رباطة جأشها. "سنواجهه بالحقيقة، وبالوثائق التي لدينا. لن نتركه ينجو بفعلته. لقد عانت عائلتنا ما يكفي."

نظرت هند إلى والدتها، ورأت في عينيها إصراراً لم تره من قبل. شعرت بقوةٍ تتغلغل في أعماقها، قوةٌ مستمدةٌ من الحق. لقد كان هناك طريقٌ واحدٌ أمامها، طريقٌ مليءٌ بالصعاب، لكنه الطريق الصحيح.

"سأساعدك يا أمي،" قالت هند، وقد اتخذ قرارها. "سنستعيد كل شيء. لن نسمح لظلام الماضي بأن يبتلع مستقبلنا."

وقفت الأم وابنتها جنباً إلى جنب، وفي عيونهما نظرةٌ واحدة: نظرةُ تحدٍّ وانتصارٍ قادم. كان فصلٌ جديدٌ قد بدأ، فصلٌ يتطلب منهما الشجاعة، والإيمان، والقوة لمواجهة ماضيٍّ حاول أن يكسرهما، لكنه سيزيدهما قوةً وصلابة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%