الزوجة المختارة الجزء الثالث
وجهان في مرآة العائلة
بقلم مريم الحسن
عادت ليلى إلى غرفتها، والهدوء يخيم على القصر بعد رحيل الضيف. لكن هدوء المكان لم ينعكس على روحها. كان عقلها يضج بالأسئلة، وقلبها يتصارع مع مشاعر متناقضة. لقاء جابر لم يكن كما توقعت، لقد تجاوز حدود اللقاء الرسمي، ولامس شيئاً في أعماقها. لكن السؤال الذي ظل يتردد في ذهنها: هل هذا كافٍ؟ هل يمكن للاحترام والفضول أن يتحولا إلى حب؟
في صباح اليوم التالي، قبل شروق الشمس، كانت ليلى في مكتبة والدها الضخمة، التي تشبه معبد المعرفة. رائحة الكتب القديمة، وورقها الأصفر، تملأ المكان، وتمنحها شعوراً بالأمان. كانت تتصفح كتاباً عن تاريخ القبيلة، تبحث عن إجابات لم تجدها في أي مكان آخر.
فجأة، سمعت صوت والدها. "ليلى؟ ماذا تفعلين هنا مبكراً؟"
التفتت إليه. كان والده، الشيخ فهد، يقف عند المدخل، وقد ارتدى ملابسه الرسمية، وعلى وجهه آثار النوم.
"صباح الخير يا أبي. كنت أقرأ."
"وماذا تقرأين؟ هل هي قصة خيالية؟" سأل والدها، وعيناه تبتسمان.
"إنها عن تاريخنا، يا أبي. عن الأجداد، وعن القيم التي أسسوها."
"هذا جيد"، قال الشيخ فهد، واقترب منها. "ولكن هناك ما هو أهم من الماضي، وهو المستقبل. كيف كان لقاؤك بالسيد جابر؟"
شعر قلب ليلى ببعض القلق. كان والدها دائماً مباشر، لا يحب المراوغة.
"كان جيداً، يا أبي. السيد جابر رجل محترم."
"محترم؟ هل هذا كل ما لديك؟" سأل والدها، بنبرة لا تخلو من الارتياح. "ولكنه كان يتحدث عنكِ باهتمام كبير. سمعت منه كلمات طيبة عنكِ."
"أبي، أنا..."
قاطعها والدها: "لا تخبريني أنكِ لا ترين فيه ما تراه العائلة. نحن بحاجة إلى شراكة قوية، يا ليلى. جابر هو شاب من عائلة لها ثقلها، وله سمعة طيبة. إنه رجل سيحميكِ، وسيحافظ على مجد العائلة."
"ولكن يا أبي، هل يجب أن يكون الأمر بهذه السرعة؟ هل يجب أن أختار قبل أن أفهم؟"
"الفهم يأتي مع الوقت، يا ابنتي. أحياناً، تبدأ الأشياء بالواجب، ثم تتحول إلى حب. لقد رأيتُ في عينيكِ شيئاً من التردد بالأمس. هل هناك ما يزعجك؟"
ترددت ليلى. كيف تخبر والدها عن أنس؟ كيف تخبره بأن قلبها قد اختار بالفعل؟
"لا شيء يا أبي. فقط... أريد أن أتأكد. أريد أن أتخذ القرار الصحيح."
"وأنا أثق في حكمتك، يا ليلى. لكن لا تنسي أن القرارات الكبيرة تحتاج إلى شجاعة. شجاعة الاختيار، وشجاعة الالتزام."
قبل أن تكمل ليلى ردها، دخل "سالم"، كبير الخدم، ليخبر والدها بأن أحد الضيوف ينتظر. كان الضيف الآخر، "خالد".
خالد. اسم آخر في قائمة الاختيار. كان خالد ابن عم والدها، شاب طموح، يعمل في مجال التجارة، ويعرف بجرأته وتصميمه. كان دائماً ما يرى ليلى بعين مختلفة، بعين تحمل شيئاً من الإعجاب، وربما شيئاً أكثر.
"تفضل يا سالم"، قال الشيخ فهد، ثم التفت إلى ليلى. "اذهبي، يا ابنتي. لقد حان وقت أن تقابلي السيد خالد. لا تجعليه ينتظر."
شعرت ليلى بأنها تجرى في حلبة مصارعة، وأنها مجبرة على مواجهة خصومها واحداً تلو الآخر. خرجت من المكتبة، وقلبها يرتجف.
في الصالون، حيث استقبلت جابر بالأمس، كان خالد واقفاً، ينتظرها. كان ببدلة أنيقة، ويبدو عليه الثقة بالنفس. عندما رآها، ابتسم ابتسامة واسعة، تحمل قدراً من الترحيب، وربما قدراً من الامتلاك.
"ليلى! أهلاً بكِ. رأيتُ الأمس أن السيد جابر قد زاركِ. هل استمتعتِ بالحديث معه؟"
كان أسلوبه مختلفاً تماماً عن جابر. كان أكثر حيوية، وأكثر مباشرة.
"أهلاً بك، سيد خالد. نعم، كان لقاءً جيداً."
"جيداً؟ هذا كل ما لديك؟" قال خالد، بلهجة فيها مزحة، لكنها تحمل أيضاً شيئاً من المنافسة. "جابر رجل لطيف، بلا شك. ولكنه قد يكون بطيئاً بعض الشيء. أعتقد أنكِ بحاجة إلى رجل لديه نشاط وحيوية، رجل يستطيع مواكبة طموحاتك."
شعر ليلى بأن كلماته كانت تقصد شيئاً آخر. لم يكن يتحدث عن نفسها كشخص، بل كشريكة محتملة.
"أعتقد أن لكل شخص أسلوبه الخاص، سيد خالد. والأهم هو التوافق."
"التوافق؟" قال خالد، وقد اتسعت ابتسامته. "وأنا أرى أن توافقنا سيكون مثالياً. نحن من نفس العائلة، نعرف بعضنا البعض منذ زمن. ووالدكِ سيوافق بالتأكيد."
"القرار ليس قرار والدي وحده، يا خالد. إنه قراري أنا أيضاً."
"بالطبع، بالطبع!" قال خالد، بلهجة تلمح إلى أنها مجرد شكليات. "ولكن دعيني أخبركِ، يا ليلى، أن والدي وأبيكِ تحدثا كثيراً عن زواجنا. إنهما يريان فيه مصلحة كبيرة للعائلة. ونحن، الشباب، علينا أن نطيع الكبار."
شعر ليلى بضيق شديد. كان الأمر أشبه بحصار. كان والدها، وعائلة خالد، يتآمرون عليها، دون أن تسمح لها فرصة للتعبير عن نفسها.
"ولكن هل فكرتَ في مشاعري؟" سألت ليلى، بصوت فيه شيء من التحدي.
ضحك خالد ضحكة خفيفة. "مشاعرك؟ بالتأكيد! أنتِ أميرة العائلة، وسيحبّكِ الجميع. وبالنسبة لي، أنا معجب بكِ منذ زمن طويل، ليلى. أنا أراكِ كملكة."
كلماته كانت تحمل إطراءً، لكنها كانت إطراءً يغلف نوعاً من التملك. لم يكن يراها شخصاً، بل أميرة.
"أنا لستُ مجرد أميرة، يا خالد. أنا إنسانة، لدي أحلامي الخاصة، ورغباتي."
"نعم، بالطبع! وأنا سأساعدكِ في تحقيق كل أحلامك. سنبني مستقبلاً عظيماً معاً."
واصل خالد حديثه، يتحدث عن العقارات، وعن الرحلات، وعن إمبراطورية الأعمال التي يمكن أن يبنوها. كان حديثه مليئاً بالثقة، ولكنه كان يفتقر إلى العمق الذي وجدته في حديث جابر.
عندما انتهى اللقاء، غادر خالد، تاركاً ليلى تشعر بالارتباك والغضب. كان لديها الآن وجهان مختلفان تماماً. جابر، الرجل الهادئ والعميق، وخالد، الرجل الواثق والطموح. وكلاهما يمثلان المستقبل الذي يريده لها والدها.
لكن في أعماق روحها، ظل وجه أنس يضيء. أنس، الذي كان يرى فيها روحها، وليس مجرد أميرة. أنس، الذي كانت أحلامه تتشابك مع أحلامها.
كيف يمكن لقلبها أن يختار؟ كيف يمكن لها أن تقرر مصيرها، وهي محاصرة بين واجباتها تجاه عائلتها، وبين صوت قلبها؟ كانت تشعر بأنها في سباق مع الزمن، وأن كل يوم يمر يقربها خطوة نحو قرار قد يغير حياتها إلى الأبد.