الزوجة المختارة الجزء الثالث
الشكوك تتسلل ووعود الغد
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تمضي، تحمل معها ثقل القرارات التي لم تتخذ بعد. "ليلى" وجدت نفسها في دوامة من المشاعر المتناقضة. لقاءاتها مع "جابر" أصبحت أكثر انتظاماً، وكان كل لقاء يضيف طبقة جديدة إلى فهمها له. كان هادئاً، مراعياً، ويتمتع بذكاء حاد. كان يتحدث عن المستقبل بطريقة واقعية، لا تفتقر إلى الأمل. في إحدى الجلسات، تحدث جابر عن مبادرة خيرية كان يدعمها، تهدف إلى تعليم الفتيات في المناطق النائية. أظهرت ليلى اهتماماً كبيراً، فكانت ترى في تعليم الفتيات مفتاحاً لتمكينهن وتغيير حياتهن.
"أتمنى أن أرى يوماً تصبح فيه كل فتاة قادرة على تحقيق أحلامها، بغض النظر عن ظروفها"، قالت ليلى، وعيناها تلمعان بحماس.
ابتسم جابر. "هذا حلم نبيل، يا سيدتي. وأنا على ثقة بأنكِ، بمنصبكِ ورؤيتكِ، ستكونين قادرة على المساهمة في تحقيقه."
كلماته كانت تحمل وزناً، فهي لم تكن مجرد مجاملة، بل كانت تشجيعاً حقيقياً. شعرت ليلى بأن جابر يراها كشخص لديه طموحات ومبادئ، وليس فقط كزوجة محتملة.
في المقابل، كان لقاءاتها مع "خالد" تحمل طابعاً مختلفاً. كان أكثر جرأة، وأكثر إصراراً. في إحدى المرات، عندما كانا يتحدثان عن خطط مستقبلية، قال خالد: "يجب أن نخطط لرحلة عمل إلى باريس الأسبوع القادم. سمعت أن هناك فرصاً استثمارية كبيرة هناك. سآخذكِ معي، لترين كيف يبدو عالم الأعمال الحقيقي."
نظرت ليلى إليه بدهشة. "ولكن يا خالد، والدي لم يوافق بعد على أي شيء. ولا أعتقد أنني مستعدة للسفر إلى مكان كهذا بهذه السرعة."
ضحك خالد: "يا ليلى، هذه مجرد إجراءات. بالنسبة لنا، الأمر محسوم. أنتِ لي، وأنا لكِ. لا داعي للقلق."
"لا، يا خالد. ليس الأمر بهذه البساطة." شعرت ليلى بالضيق. لم يكن خالد يفهم أن هناك مشاعر، وأن هناك قيوداً. كان ينظر إلى الأمور كصفقات تجارية.
كانت هذه الاختلافات تزيد من حيرة ليلى. جابر يمنحها الأمان والاحترام، وخالد يمنحها الحيوية والإثارة، ولكن كلاهما لا يمنحها ما كانت تبحث عنه حقاً: الشريك الذي يشاركها روحها.
في هذه الأثناء، لم تنس ليلى "أنس". كان لقاؤهما نادراً، ومحتشماً، ولكنه كان يحمل شعلة أمل خافتة. في إحدى الليالي، تلقت رسالة منه، عبر صديقة مشتركة. "ليلى، أفتقدكِ. لا أستطيع أن أنسى ما بيننا. هل أنتِ بخير؟"
تأثرت ليلى بشدة. رسالة أنس كانت بمثل نسمة هواء عليل في صحراء قاحلة. أرادت أن ترد، أن تخبره بكل شيء، لكن الخوف كان يمنعها. خوف والدها، خوف العائلة.
بدأت الشكوك تتسلل إلى قلب ليلى. هل كانت تخدع نفسها؟ هل كانت حقاً تحب أنس؟ أم أن الأمر مجرد تعلق بالماضي، بحلم لم يكتمل؟ وهل يمكن لحب مبني على السر والخفاء أن ينمو ليصبح حقيقة؟
في إحدى الأمسيات، كان والدها، الشيخ فهد، يتحدث معها عن مستقبل قصر الأثير. "هذا القصر يحتاج إلى ربة منزل قوية، يا ليلى. يحتاج إلى امرأة تعرف كيف تديره، وكيف تحافظ على سمعته. جابر هو رجل هادئ، وسيكون له دور كبير في الحفاظ على استقرار العائلة. خالد، من ناحية أخرى، لديه طموحات كبيرة، وقد يستطيع توسيع إمبراطوريتنا."
كان والده يقارنهما، كما لو كانا سلعتين في سوق. شعرت ليلى بأنها فقدت السيطرة على حياتها.
"ولكن يا أبي، أنا أريد أن أتزوج عن حب. أريد أن أجد شريكاً يفهم روحي."
تنهد الشيخ فهد. "الحب، يا ابنتي، يأتي بعد الزواج، وليس قبله. الأهم هو التوافق، والمسؤولية، والمستقبل."
كان هذا النقاش هو ما أدى إلى ذروة صراعها الداخلي. بدأت تشعر بأنها محاصرة. إذا اختارت جابر، فستحظى بالاحترام والأمان، ولكنها قد تفقد الشغف. وإذا اختارت خالد، فقد تحصل على الحيوية، ولكنها قد تخسر استقلاليتها. وإذا انتظرت أنس، فقد تخسر كل شيء.
قررت ليلى أن تتصرف. لم يعد بإمكانها الاستمرار في هذه الحالة من التردد. في اليوم التالي، طلبت مقابلة جابر بمفردها، في مكان هادئ خارج القصر.
جلسا في حديقة غناء، تشع رائحة الياسمين. كان الجو رومانسياً، لكن ليلى لم تكن تشعر بالرومانسية. كانت تشعر بالجرأة.
"سيد جابر، أريد أن أكون صريحة معك."
نظر إليها جابر، بعينيه الهادئتين. "تفضلي، سيدتي ليلى."
"أنا في وضع صعب للغاية. لدي مشاعر لشخص آخر، شخص أحبه منذ فترة طويلة. وهذا يجعل اختياري لك صعباً."
صمت جابر للحظة، ثم قال بهدوء: "أنا أتفهم. لم أكن غافلاً عن هذا الاحتمال. والدكِ قد ذكر لي أن لديكِ ارتباطات سابقة."
"ولكن يا سيد جابر، أنا لا أريد أن أخدعك. إذا تزوجتك، سأكون ملتزمة، ولكن قلبي قد لا يكون معك بالكامل."
"يا سيدتي ليلى"، قال جابر، ونظر إليها بعينين تحملان عمقاً كبيراً. "الحب ليس شيئاً يمكن إجباره. ولكنه أيضاً شيء يمكن بناؤه. أنا أرى فيكِ امرأة ذات مبادئ، وذات قلب طيب. إذا أردتِ، يمكننا أن نحاول بناء شيء ما معاً. شيء يقوم على الاحترام، والثقة، والشراكة. وإذا اكتشفتِ مع الوقت أن قلبكِ لم يستطع أن يهبكِ لي، فسأتقبل ذلك."
كانت كلمات جابر مؤثرة. لقد منحها خياراً، ومنحها أمانة. لم يكن يفرض نفسه، بل كان يعرض شراكة.
"أشكرك على تفهمك، سيد جابر. هذا يعني لي الكثير."
"أنا أفهم أن الواجب يمكن أن يكون ثقيلاً، وأن القلب له أحكامه الخاصة. ولكن أحياناً، تقتضي الحياة أن نختار الطريق الذي يمنحنا الاستقرار، حتى لو لم يكن الطريق الذي نحلم به."
غادرت ليلى جابر، وهي تشعر بشيء من الراحة، ولكن أيضاً بشيء من الحزن. لقد اتخذت خطوة، ولكنها لم تحل المشكلة بالكامل. كان عليها الآن أن تواجه خالد، وأن تواجه والدها. وما زال أنس في قلبها، كشاهد صامت على ماضيها.