الزوجة المختارة الجزء الثالث
مواجهة الحقيقة ورياح التغيير
بقلم مريم الحسن
كانت المواجهة مع "خالد" أشبه بعاصفة هوجاء. بعد لقائها بجابر، شعرت ليلى بأنها بحاجة إلى وضع حد للضغوط. استأذنت والدها للقاء خالد في مكان خاص، بعيداً عن أعين المتطفلين، وفي حضور شخص موثوق به. اختارت "سارة"، صديقة طفولتها، وشريكتها في الحياة، لتكون بجانبها.
في فندق هادئ، في إحدى قاعات الاجتماعات الخاصة، جلست ليلى مع خالد وسارة. كان خالد يبدو متحمساً، متوقعاً أن تسمع منه موافقة نهائية.
"ليلى، أهلاً بكِ!" قال خالد، مبتسماً. "كنت أنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر. هل أنتِ مستعدة لبدء التخطيط لزفافنا؟"
نظرت ليلى إليه، بهدوء، ولكن بعزم. "خالد، يجب أن أكون صريحة معك. لا أرى مستقبلاً لنا معاً."
توقف خالد عن الابتسام. ارتسمت الدهشة على وجهه، ثم الغضب. "ماذا تقولين؟ هل تمزحين؟ والدي ووالدكِ قد اتفقا بالفعل!"
"لم يتم الاتفاق على شيء، يا خالد. وما زال القرار لي."
"ولكن... علاقتنا؟ حبنا؟" قال خالد، وبدا وكأنه لا يستوعب.
"يا خالد، ما بيننا ليس حباً. إنه إعجاب، وربما رغبة في السيطرة. أنا لا أراكِ شريكاً لحياتي، ولا أرى فيكِ من يستطيع أن يفهم ما أريده حقاً."
كانت كلماتها قاسية، لكنها كانت صادقة. شعر خالد بالإهانة، وبدأ صوته يرتفع. "إذن، هل اخترتِ أحدهم؟ جابر؟ هل هذا الرجل الهادئ هو من سيأخذكِ مني؟"
"الأمر لا يتعلق باختياري لشخص آخر، بل بعدم اختياري لك."
"هذا غير مقبول!" صرخ خالد. "والدي لن يسمح بهذا. والدكِ لن يسمح بهذا!"
"أبي سيحترم قراري، يا خالد. لقد تعبتُ من أن أعيش حياة لا أريدها. أريد أن أتخذ قراراتي بنفسي، وأن أتحمل مسؤوليتها."
تدخلت سارة بهدوء: "يا خالد، ليلى تحترمك، ولكنها لا تشعر تجاهك بالمشاعر التي تتطلب زواجاً. هذه حقيقة، ويجب أن تتقبلها."
ألقى خالد نظرة غاضبة على سارة، ثم على ليلى. "ستندمين على هذا، ليلى. ستندمين بشدة."
وخرج من القاعة، تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً.
بعد مواجهة خالد، شعرت ليلى بالارتياح، ولكنها شعرت أيضاً بثقل كبير. لقد أغضبت جزءاً من عائلتها، وأثارت غضب خالد. كانت تعلم أن ردة فعل والدها ستكون قوية.
في المساء، ذهبت ليلى إلى والدها. كان يجلس في مكتبه، وكأنه يتوقعها.
"لقد علمتُ بما حدث مع خالد"، قال الشيخ فهد، بصوت هادئ، لكنه كان يحمل نبرة من البرودة.
"نعم يا أبي. لقد أخبرته أنني لا أريد الارتباط به."
"ولماذا؟ هل لأنه لا يحمل لكِ عواطف جياشة؟ هل لأنكِ تبحثين عن قصة خيالية؟"
"أبحث عن شريك، يا أبي. شريك يفهم روحي، ويدعمني في تحقيق أحلامي. جابر رجل طيب، ولكنه ليس الشريك الذي أريده. وخالد... خالد لا يفهم ما معنى الحب الحقيقي."
"الحب، يا ليلى، ليس هو الأساس الوحيد للزواج. الاستقرار، والمسؤولية، والمستقبل، كلها أمور أهم."
"ولكن يا أبي، إذا لم يكن هناك حب، فكيف سنبني مستقبلاً؟ كيف سنواجه صعوبات الحياة؟"
"الحب يأتي، يا ابنتي. يأتي مع الوقت، ومع العشرة. وأنا، كوالدكِ، أريد لكِ الأفضل. أريد لكِ رجلاً يستطيع أن يحميكِ، وأن يوفر لكِ كل سبل الراحة."
"ولكن الأفضل بالنسبة لي، يا أبي، هو أن أكون سعيدة. وأن أكون قادرة على اختيار طريقي."
نظرت ليلى إلى والدها، وعيناها تحملان تصميماً جديداً. "لقد اخترتُ يا أبي."
صمت الشيخ فهد، مفكراً. كانت عيناه تتفحصان وجه ابنته، وكأنه يرى فيها قوة لم يلاحظها من قبل.
"ومن هو هذا الذي اختارته؟" سأل بصوت خافت.
"أنا لم أختر أحداً، يا أبي. ولكنني اخترتُ أن أعيش حياتي بنفسي. أريد أن أسافر، أن أتعلم، أن أعمل. أريد أن أجد طريقي قبل أن أتزوج."
كانت هذه الكلمات بمثابة صدمة لوالدها. لم يتوقع أبداً أن ابنته، وريثة قصر الأثير، قد تفكر في مثل هذا الأمر.
"تسافرين؟ تعملين؟ إلى أين؟ وماذا عن واجباتكِ تجاه العائلة؟"
"واجباتي تجاه العائلة لن تنتهي، يا أبي. ولكنني أريد أن أضيف شيئاً لحياتي، شيئاً خاصاً بي. لقد كنتِ دائماً تقول لي أنني قوية، وأنني ذكية. أريد أن أثبت لكِ ذلك."
بدأ الشيخ فهد يتحدث، ولكنه توقف. كان يرى في عيني ابنته بريقاً جديداً، بريقاً من العزيمة والشجاعة. لقد نشأت ليلى، وأصبحت امرأة قادرة على اتخاذ قراراتها.
"إذن، ماذا تريدين بالضبط؟" سأل والدها، بنبرة فيها شيء من الاستسلام، ولكنه أيضاً شيء من الفخر.
"أريد منك موافقتك، يا أبي. موافقتك على أن أخرج من قوقعة هذا القصر، وأن أبحث عن نفسي. أريد فرصة، قبل أن ألتزم بأي زواج."
نظر الشيخ فهد إلى ابنته طويلاً. ثم، ببطء، هز رأسه. "حسناً، يا ليلى. سأعطيكِ فرصة. ولكن لا تخوني ثقتي. ولا تنسي من أنتِ."
شعرت ليلى بدموع تتجمع في عينيها. لقد كان قراراً صعباً، ولكنه كان ضرورياً. لقد أخذت زمام المبادرة في حياتها، وبدأت رياح التغيير تهب.
في طريق عودتها إلى غرفتها، مرت ليلى بالقرب من مكتبة والدها.