الزوجة المختارة الجزء الثالث
هشاشة الآمال
بقلم مريم الحسن
كانت نسمة الليل تداعب ستائر غرفة النوم، حاملةً معها عبق الياسمين من حديقة القصر، لكن عبير الزهور لم يستطع أن ينسي زينب ألم الروح الذي اعتصر قلبها. جلست بجوار النافذة المفتوحة، عيناها الزرقاوان تائهتان في ظلام الليل، تترقبان خيوط الفجر الأولى التي تبشر ببدء يوم جديد، لكنها كانت تشعر بأن أياما كثيرة قد انقضت وهي واقفة في نفس المكان، تراوح مكانها لا تتقدم ولا تتأخر.
قبل ثلاثة أشهر، كانت أحلامها تتلألأ كنور الشمس على مياه البحر، كانت ترى في يوسف شريك الحياة، وسند العمر، وبوابة السعادة الأبدية. أما اليوم، فقد تحولت تلك الأحلام إلى رماد، وأصبحت آمالها هشة كزجاج رقيق، يخشى عليها من أقل نسمة هواء أن تتحطم.
استكان صوت وقع الأقدام في الردهة، ودخل يوسف الغرفة بهدوء، تاركًا الباب مواربًا خلفه. لم يكن يوسف دائمًا هكذا. كانت خطواته فيما مضى تحمل ثقة ورزانة، وصوته يعلو بالكلمات الحانية. الآن، أصبح ظله خافتًا، وحديثه قليلًا، وضحكته التي كانت تملأ المكان غابت.
"لم تنامي بعد يا زينب؟" سأل بصوت مرهق، وجلس على طرف السرير، تاركًا مسافة بينه وبينها.
أدارت زينب رأسها نحوه، ورأت في عينيه بريقًا من الحزن، وبريقًا آخر غريب، لم تستطع تفسيره. "لم أستطع، والقلق يأبى أن يفارقني."
اقترب منها قليلًا، ومد يده ليلمس وجنتها، لكنه تردد في اللحظة الأخيرة، فسحب يده. "قلق من ماذا؟ هل هناك ما يزعجك؟"
لم تجد زينب الكلمات المناسبة. كيف تشرح له أنها تشعر بأنها تعيش مع غريب؟ كيف تخبره بأنها تشعر بأنه يبحث عن شيء في حياته، شيء تفتقده هي، وشيء يبعده عنها أكثر فأكثر؟ "أنا قلقة عليك يا يوسف. أشعر أنك بعيد. بعيد جدًا."
تنهد يوسف بعمق، وتمدد على السرير، ثم استلقى على ظهره، وعيناه تحدقان في السقف. "أنا متعب يا زينب. العمل كثير، والمسؤوليات ضخمة. أحيانًا أشعر أنني أغرق."
"لكننا معًا في هذا المركب يا يوسف. كنا نتشارك كل شيء. أين اختفى ذلك اليقين؟"
لم يرد يوسف. صمته كان أبلغ من أي كلام. زينب شعرت بأن جدارًا خفيًا قد بني بينهما، جدار سميك لا يمكن اختراقه. تذكرت الأيام الأولى، كيف كان يوسف يسبحها بكلماته، وكيف كان يمسك يدها وكأنه يخاف أن تفلت منه. كان يوسف دائمًا يقول لها: "أنتِ روحي، وأنتِ كل حياتي." ولكن الآن، بدا الأمر وكأن روحه قد ضلت طريقها، وبأن حياته قد اتخذت منحى آخر.
لم تكن تعرف ما الذي حل بيوسف. هل هي ضغوط العمل؟ أم شيء أعمق؟ كانت هناك علامات استفهام كثيرة تدور في رأسها. لاحظت أنه أصبح أكثر انغلاقًا على نفسه، وأنه يمضي ساعات طويلة في مكتبه، مغلقًا الباب أمامه. أحيانًا، كانت تسمع أصواتًا خافتة، همسات لا تفهمها، تأتي من خلف ذلك الباب. وعندما يسألها عن ذلك، كان يبتسم ببرود ويقول: "أشياء تتعلق بالعمل، لا تقلقي."
لكن القلق كان يتفشى بداخلها كالنار في الهشيم. كانت تراقب تعابير وجهه الشاحبة، وهالات السواد تحت عينيه. كانت تشعر بأن شيئًا ما ينهشه من الداخل، شيء يسرق منه حيويته وبهجته.
ذات مساء، وبعد أن عاد يوسف متأخرًا كعادته، وجدت زينب على مكتبه ورقة مطوية بعناية. دفعتها الفضول، وفتحتها بتردد. لم تكن ورقة عمل، بل كانت فاتورة. فاتورة لمطعم فاخر، لكنها لم تكن تحمل اسم مطعمهم المفضل. كان الأمر الأكثر غرابة هو المبلغ المكتوب في الفاتورة، كان مرتفعًا بشكل لا يصدق. وإلى جانب المبلغ، كانت هناك ملاحظة بخط يوسف: "انتظريني، سأعود قريبًا."
من كان يوسف ينتظره؟ وماذا يعني "سأعود قريبًا"؟ هل كان يعني أنه سيعود إلى حياتها، أم أنه سيعود من مكان ما؟ شعرت زينب ببرد مفاجئ يسري في عروقها. لم تكن تتهم يوسف بشيء، لكن تلك الفاتورة، وذلك النص الغامض، تركا في نفسها شعورًا بالخوف العميق.
في الأيام التالية، حاولت زينب أن تتجاهل ما قرأته، وأن تعطي يوسف مساحة. لكن الأمور بدأت تتفاقم. أصبحت مكالماته الهاتفية أكثر تواترًا، وكان يغادر المنزل دون أن يعطيها تفاصيل دقيقة عن وجهته. في إحدى المرات، سمعته يتحدث بصوت خافت في الهاتف، قال فيه: "لا تقلق، سأجد الحل. أريد فقط بعض الوقت."
في تلك اللحظة، أدركت زينب أن هذا ليس مجرد إرهاق عمل. كان هناك شيء آخر، شيء خطير، يهدد حياتهما، ويهدد استقرار أسرتها. لم تكن تعرف كيف تواجه يوسف، كيف تستجوبه دون أن تزيد الوضع سوءًا. كانت خائفة عليه، وخائفة على نفسهما.
في إحدى الليالي، وبينما كان يوسف نائمًا نومًا عميقًا، استيقظت زينب وهي تشعر بضيق في صدرها. تسللت بهدوء إلى مكتبه. فتحت الأدراج، وبحثت عن أي دليل، أي شيء يفسر ما يحدث. في الدرج الأخير، وجدت علبة صغيرة، وبداخلها زجاجات صغيرة. لم تكن تعرف ما هي، لكن رائحتها الغريبة، والعبارات المكتوبة عليها بلغة أجنبية، أثارت قلقها.
فتحت إحدى الزجاجات، وشمّت رائحتها. كانت رائحة قوية، غريبة، لم تكن مألوفة. تساءلت: هل هذه هي الأشياء التي تسرق يوسف منها؟ هل هذه هي الأسباب التي تجعله بعيدًا؟
أغلقت زينب الزجاجة، وأعادت العلبة إلى مكانها. خرجت من المكتب وهي تشعر بالثقل. لم يكن الأمر يتعلق بشخص آخر، بل بدا الأمر يتعلق بيوسف نفسه. كانت تعلم أن يوسف كان قويًا، وكان حكيمًا، وكان دائمًا يختار الصواب. ولكن، هل يوسف الآن يصارع شيئًا لا تستطيع هي فهمه؟ شيئًا يتجاوز إرادته؟
جلست على حافة السرير، ونظرت إلى وجه يوسف النائم. كان يبدو هادئًا، لكن زينب رأت في تعابير وجهه أثر معركة داخلية، صراعًا لا مرئيًا. بكت زينب بصمت، ورفعت يدها لتمسح دموعها. كانت تعلم أن المرحلة القادمة ستكون أصعب، وأن عليها أن تجد القوة لإنقاذ يوسف، وإنقاذ زواجهما، وإنقاذ حياتهما من هذا المجهول الذي يلتهمه. كانت آمالها التي كانت تتلألأ كالشمس، قد تحولت الآن إلى ضوء خافت، يكاد أن ينطفئ، ولكنها لن تستسلم. لن تستسلم حتى تجد طريقًا للنور.