الزوجة المختارة الجزء الثالث
همسات الشك
بقلم مريم الحسن
مع مرور الأيام، بدأت تساؤلات زينب تتجذر وتنمو في روحها كالنباتات المتسللة التي لا تترك مجالًا للنور. كانت تراقب يوسف، تراقب تصرفاته المتغيرة، وتحاول جاهدة أن تفهم السبب. لم تعد تلمح ذلك الشغف في عينيه، ولا تلك العفوية في حديثه. أصبح أسيرًا لشاشة هاتفه، وغالبًا ما كان يتلقى مكالمات في أوقات متأخرة، ويتحدث فيها بصوت منخفض، ثم يغلق الخط بسرعة وكأنما يخاف أن يسمعه أحد.
ذات يوم، وبينما كانت تساعده في ترتيب مكتبه، وقعت عينها على ظرف بريدي. كان الظرف يحمل اسم يوسف، لكنه كان مرسلاً من عنوان غريب، عنوان لم تره من قبل، وكان مكتوبًا بخط يد غير مألوف. دفعتها الفضول، لكنها استطاعت أن تتحكم في رغبتها. لم تكن تريد أن تتجسس عليه، لكنها كانت بحاجة ماسة لفهم ما يحدث.
في المساء، وعندما غادر يوسف إلى اجتماع عمل، استطاعت زينب أن تتغلب على تردده. فتحت الظرف، ووجدت بداخله رسالة. لم تكن رسالة حب، ولا رسالة عمل. كانت رسالة اتهام، وصفها يوسف بـ "التحذير". كانت الرسالة تحمل توقيعًا، لكنه كان توقيعًا غريبًا، وكأنما أراد كاتبه أن يخفي هويته.
"يجب أن تكون حذرًا يا يوسف. الشكوك تحوم حولك. لا تدع أحدًا يخدعك. حمايتك هي أولويتنا."
"شكوك؟ حماية؟" تكررت الكلمات في ذهن زينب، مع كل كلمة كانت تشعر بأن قلبها ينقبض أكثر. من كان يرسل هذه الرسالة؟ ولماذا؟ وما هي الشكوك التي تحوم حول يوسف؟
في تلك اللحظة، شعرت زينب بأنها تقف على حافة هاوية. لم تكن تعرف كيف تتعامل مع هذا الموقف. هل يجب أن تواجه يوسف؟ أم أن تنتظر؟
في الأيام التالية، حاولت زينب أن تتصرف بشكل طبيعي، لكن الأمر كان صعبًا. كانت تراقب يوسف بعينين تحملان ألف سؤال، وكان يوسف يبدو كمن يحمل هموم العالم على كتفيه.
في أحد الأيام، ذهبت زينب لزيارة والدتها. جلست معها، وبدأت في الحديث عن حال يوسف، دون أن تذكر التفاصيل. "أمي، أشعر أن يوسف يخفي عني شيئًا. أشعر أنه يتغير، وأنه بعيد." نظرت الأم إلى ابنتها بحنان، وقالت: "يا ابنتي، الحياة مليئة بالتحديات. قد يكون يوسف يمر بضائقة. من واجبك أن تكوني بجانبه، وتدعيمه." "ولكن كيف أدعمه وأنا لا أعرف ما هي الضائقة؟ أشعر بأنني أعيش مع شخص غريب." تنهدت الأم، وقالت: "قد يكون الأمر يتعلق بعمله. الرجال يتحملون أعباءً كثيرة في العمل، وقد لا يرغبون في إثقال كاهل زوجاتهم بما يقلقهم. تحدثي معه يا ابنتي. تحدثي معه بقلب مفتوح."
نصيحة الأم كانت منطقية، لكن زينب كانت تشعر بأن الأمر أعمق من مجرد ضائقة عمل. كانت هناك أشياء لا تستطيع فهمها، أشياء لا تتناسب مع صورة يوسف الذي تعرفه.
في إحدى الأمسيات، بينما كان يوسف منهمكًا في مكالمة هاتفية، أمسكت زينب بزجاجة ماء، وبدأت تشرب. لاحظت أن يوسف كان يرتجف قليلًا، وأن وجهه كان شاحبًا. عندما انتهت من الشرب، أعادت الزجاجة إلى الطاولة، وبدأت تشعر بدوار خفيف. "هل أنتِ بخير يا زينب؟" سأل يوسف، وكأنه لاحظ شيئًا. "نعم، فقط أشعر ببعض الدوار. ربما لم أتناول طعامًا كافيًا اليوم."
كان يوسف يبدو قلقًا. اقترب منها، ومد يده ليلمس جبينها. "وجهك بارد. هل تعتقدين أنكِ مريضة؟" "لا أعتقد ذلك. ربما مجرد إرهاق."
في تلك الليلة، لم تستطع زينب أن تنام. كانت تشعر بأن شيئًا غريبًا يحدث. الدوار، والبرودة، والتوتر الذي كانت تشعر به من تصرفات يوسف. بدأت الشكوك تتراكم في ذهنها، وشعرت بأنها تحتاج إلى إجابات.
في اليوم التالي، اتصلت زينب بخادمة تعمل في القصر، وهي سيدة حكيمة، قضت سنوات طويلة في خدمة العائلة. "أمينة، هل لاحظتِ أي شيء غريب في تصرفات السيد يوسف مؤخرًا؟" توقفت أمينة قليلًا، وقالت: "السيد يوسف يبدو متعبًا جدًا يا سيدتي. وهو يتلقى الكثير من الزيارات الغريبة في أوقات متأخرة." "زيارات غريبة؟" سألت زينب بلهفة. "نعم. رجال بملابس داكنة، لا نتحدث معهم كثيرًا. يأتون ويذهبون بسرعة."
زاد قلق زينب. لم تعد مجرد شكوك، بل بدأت تتشكل لديها صورة واضحة، وإن كانت مبهمة. شعرت بأنها يجب أن تتخذ خطوة، خطوة جريئة.
قررت زينب أن تبحث بنفسها. بدأت بالبحث عن أي معلومات تتعلق بمشاريع يوسف، وبالشركات التي يتعامل معها. وجدت بعض المعلومات المتناثرة، لكنها لم تستطع أن تفهم الكثير. ثم، في أحد الأيام، وبينما كانت تتصفح أوراق يوسف، وجدت نسخة من عقد. عقد غريب، يحمل أسماء شركات لم تسمع بها من قبل، ويحتوي على بنود لم تفهمها. لكنها لاحظت شيئًا واحدًا: توقيع يوسف، وتوقيع رجل آخر، وتاريخ يعود إلى ما قبل زواجهما.
لم تستطع زينب أن تتحمل كل هذا الغموض. شعرت بأنها تقف على وشك اكتشاف سر كبير، سر قد يغير حياتها وحياة يوسف إلى الأبد. أمسكت بالعقد، وشعرت بأنها في مفترق طرق. هل تواجه يوسف بما لديها؟ أم أنها تنتظر منه أن يكشف لها بنفسه؟
شعرت زينب بأنها تقف وحيدة في مواجهة عاصفة، وأن الأمل الوحيد لديها هو أن تجد النور في نهاية هذا الظلام. لكن تلك الطريق، بدت مظلمة ومليئة بالمخاطر.