قلبي يختارك
همسةٌ في سراديب الأمس
بقلم سارة العمري
كان الليل في مدينة الألف مئذنة كائنًا أثيريًا، تتوشح شوارعه بنور القمر الفضي، وتفوح منه رائحة الياسمين المعتق الممتزج بعبق بخور العود الذي تتسرب خيوطه الناعمة من النوافذ المغلقة. في هذا السكون المهيب، كانت "ليلى" تقف على شرفة منزلها العتيق، ترقب بقلبٍ مثقلٍ أضواء المدينة المترامية الأطراف. لم تكن مجرد ناظرة، بل كانت متأملة، تبحث عن معنى في ذلك اللانهائي من النجوم، عن إجابة لسؤالٍ ظلّ يراودها منذ زمنٍ بعيد: أين يكمن القلب الذي سيجد في قلبها موطنًا؟
كانت ليلى، بشعرها الأسود الداكن الذي ينسدل كشلالٍ حالكٍ على كتفيها، وعينيها الواسعتين اللتين تحملان بريقًا عميقًا وحكيمًا، تمثل لوحةً فنيةً فريدة. ورثت عن جدتها حب الأدب، وعن والدتها شغف الفن، ولكن الأهم، ورثت عن كلاهما روحًا شفافةً تبحث عن النقاء في عالمٍ كثيرًا ما يغطيه غبار الزيف. لم تكن مجرد فتاةٍ عادية؛ كانت تحمل في دواخلها طموحاتٍ عريضة، وأحلامًا شفافةً كالبلور، لكنها كانت مقيدةً بضوابطَ أخلاقيةٍ وقيمٍ راسخةٍ ورثتها عن عائلتها التي تشتهر بالعلم والأصالة.
في تلك اللحظة، وبينما كانت نسمةٌ باردةٌ تداعب خصلات شعرها، انبعث صوتٌ هادئٌ من داخل المنزل: "يا ليلى، هل ما زلتِ مستيقظة؟ ألم يحن وقت الراحة؟" كان صوت والدتها، السيدة "أمينة"، الذي يحمل دائمًا دفئًا لا ينضب وحنانًا يغمر الروح.
التفتت ليلى نحو مصدر الصوت، ابتسمت ابتسامةً خفيفةً حاولت أن تخفي بها ما يعتمل في صدرها، وقالت: "آه، أمي. أردتُ فقط استنشاق بعض الهواء النقي. السرير يبدو بعيدًا بعض الشيء الليلة."
دخلت السيدة أمينة الغرفة، وهي تحمل بيدها كوبًا بخاريًا تفوح منه رائحة الأعشاب المهدئة. كانت امرأةٌ وقورةٌ، ترتسم على وجهها علامات الوقار والخبرة، لكن عينها لم تفقد شيئًا من لمعان الشباب. وضعت الكوب على طاولةٍ صغيرةٍ بجوارها، وجلست بجانب ابنتها، ووضعت يدها على كتفها بحنان. "أرى في عينيكِ شيئًا لا يبدو كالأرق المعتاد، يا حبيبتي. هل هناك ما يشغل بالك؟"
تنهدت ليلى تنهيدةً طويلة، ثم استندت برأسها على كتف والدتها. "لا شيء محدد، أمي. مجرد أفكارٍ تتزاحم. أفكارٌ عن المستقبل، عن الحياة، عن… عن اختيارات القلوب."
فهمت السيدة أمينة ما تعنيه ابنتها. كانت ليلى في عمرٍ يسمح لها بالتفكير في الارتباط، وكانت عائلتها دومًا تؤمن بأن الزواج هو إتمامٌ نصف الدين، وشراكةٌ مبنيةٌ على المودة والرحمة. لكن ليلى لم تكن ترغب في أي زواج، بل كانت تبحث عن ذلك الارتباط الروحي، عن تلك الشراكة التي تتجاوز المظاهر، لتلامس جوهر النفس.
"يا ليلى،" قالت السيدة أمينة بصوتٍ أكثر رقة، "القلب أحيانًا يحتاج إلى وقتٍ ليكتشف طريقه. الاختيار الصحيح يأتي في وقته، عندما تتآلف الأرواح وتتفق النفوس. لا تستعجلي، لكن كوني مستعدةً له."
نظرت ليلى إلى والدتها، وأحست بصدق كلماتها. كان لديها يقينٌ بأن الله سبحانه وتعالى قد دبّر لها الخير، وأن ما تبحث عنه لن يضيع. ولكن، كيف يمكن أن يكون ذلك الوقت قريبًا؟ لم تشعر بعد بتلك الشرارة التي يتحدث عنها الشعراء، ولا بتلك السكينة التي تمنحها القصص.
في تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان. انقطعت الكهرباء فجأة، وغرقت الشرفة والغرفة في ظلامٍ دامس، لم يقطعه سوى خفوت نور القمر المتسلل من نافذةٍ بعيدة. لم يكن انقطاع الكهرباء أمرًا غريبًا في تلك المنطقة القديمة، ولكنه في تلك الليلة، بدا كأنه إشارةٌ أو رمزٌ لشيءٍ قادم.
"يا إلهي!" صاحت السيدة أمينة بدهشة.
"لا بأس، أمي،" قالت ليلى بهدوء، رغم أنها شعرت ببرودةٍ تسري في عروقها. "ربما هو مجرد عطلٍ مؤقت. لا تقلقي."
ولكن، لم يكن الأمر مجرد عطلٍ مؤقت. في تلك الدقائق المظلمة، وبينما كانت الأم وابنتها تحاولان استجلاء الطريق نحو مصدر ضوءٍ خافتٍ من الخارج، انبعثت ضوضاءٌ مفاجئةٌ من الشارع، أصواتٌ متصاعدةٌ، وركضٌ محموم.
"ما هذا؟" سألت السيدة أمينة بقلق، ممسكةً بذراع ابنتها.
اقتربت ليلى من حافة الشرفة، محاولةً رؤية ما يحدث في الظلام. لم تستطع تمييز الوجوه، لكنها رأت حركةً سريعةً، وظلالًا تتطاير. وفجأة، سُمع صوتٌ عالٍ، أشبه بصرخةٍ مكتومة، تبعتها صمتٌ مطبق، ثم صوت أقدامٍ تبتعد بسرعة.
تجمدت ليلى في مكانها، وقلبها يدق بعنفٍ في صدرها. شعرت بنبضاتٍ متسارعةٍ، ورغبةٍ جامحةٍ في معرفة ما حدث. هل كان هذا حادثًا؟ أم شيئًا أسوأ؟
بعد لحظاتٍ قليلة، عادت الكهرباء إلى المنزل، مسلطةً ضوءها على وجهي الأم وابنتها المتجمدتين. نظرت ليلى إلى الشارع، ولم ترَ شيئًا سوى الشارع الخالي، والسكون الذي عاد ليسيطر على المكان. لكن ذلك السكون لم يكن مريحًا، بل كان مشوبًا بخوفٍ غير مفهوم.
"لا أرى شيئًا،" قالت ليلى بصوتٍ مرتعشٍ قليلًا. "لكنني سمعت… سمعت صوتًا غريبًا."
أمسكت السيدة أمينة بيدها بقوة. "يبدو أن شيئًا قد حدث. سنحاول أن نسأل الجيران صباحًا. الآن، هيا بنا إلى الداخل. هذه الليلة لن تكون هادئة."
عادت ليلى إلى غرفتها، لكن النوم لم يأتِها. ظلت حبيسة أفكارها، تتساءل عن ذلك الصوت، عن تلك الظلال، وعن ذلك الصمت المفاجئ. شعرت بأن ذلك المساء كان بدايةً لشيءٍ ما، لحدثٍ سيقلب حياتها رأسًا على عقب. في تلك الليلة، وقفت ليلى على حافة المجهول، ولم تكن تعلم أن قلبها، الذي لطالما بحث عن وجهته، كان على وشك أن يلتقي بآخر، في ظروفٍ لم تتخيلها قط. في تلك الليلة، بدأ فصلٌ جديدٌ في رواية حياتها، فصلٌ كتبه القدر بمدادٍ من الغموض، وهمسةٍ من القدر.