قلبي يختارك
ظلال الماضي وحسابات الحاضر
بقلم سارة العمري
في الأيام التي تلت زيارة الحاج محمد للحاج إبراهيم، كانت الأجواء في بيت الحاج إبراهيم تتسم بالبهجة والترقب. حديث الخطبة أصبح هو الحديث الأبرز، تتناقله الأم والفتيات بحماسٍ وسرور. أميرة، التي كانت تعيش حلمها الوردي، بدأت تشعر بشيءٍ من التوتر الممزوج بالفرح. كانت تتأمل في مستقبلها مع أحمد، في تكوين أسرةٍ صالحةٍ، وفي بناء حياةٍ يتقاسم فيها الحلال والطيب.
كانت أميرة، بطبيعتها الحساسة، تبدأ في التفكير في تفاصيل الخطبة. كيف ستكون، وماذا سترتدي، وكيف ستستقبل أهل أحمد. ورغم أنها لم تلتقِ بأحمد إلا مراتٍ قليلة، إلا أن ثقتها به كانت عميقة، وإحساسها بصدقه وأصالته كان يزداد قوةً مع كل يوم.
من ناحيةٍ أخرى، بدأ الحاج إبراهيم يضع اللمسات الأخيرة على صفقةٍ تجاريةٍ جديدةٍ كانت ستنقذ مصنعه من الديون المتراكمة. كان هناك مستثمرٌ واعدٌ أبدى اهتماماً كبيراً، وقد تم الاتفاق المبدئي على التفاصيل. كانت هذه الصفقة بمثابة بصيص أملٍ بعد فترةٍ عصيبة، وقد شعر الحاج إبراهيم براحةٍ بالٍ لم يشعر بها منذ وقتٍ طويل.
في هذه الأثناء، كان أحمد يتلقى تهاني أصدقائه وعائلته. كان سعيداً بثقة والده، وبمباركة الجميع. كان يفكر في أميرة، في وجهها الملائكي، وفي نقاء روحها. كان يحلم باليوم الذي سيجتمع فيها بالحاج إبراهيم كزوجٍ لابنته، ليطلب مباركته بشكلٍ رسمي.
لكن، القدر، في تعرجاته، يحمل دائماً دروساً. بينما كانت الأمور تسير في مسارها الطبيعي، بدأت تظهر بعض التعقيدات الصغيرة، التي سرعان ما ستتفاقم.
في أحد الأيام، وبينما كان الحاج إبراهيم في مكتبه، تلقى اتصالاً هاتفياً. كان الصوت القادم من الطرف الآخر يبدو مألوفاً، ولكنه يحمل نبرةً غريبة. "أبا خالد؟" قال الصوت، وكان رجلاً يدعى "سعيد". "نعم، تفضل." رد الحاج إبراهيم، وهو يحاول تذكر من هو سعيد. "ربما لا تتذكرني جيداً، أنا سعيد. لقد عملنا سوياً منذ سنواتٍ في مشروعٍ قديم." "آه، سعيد! كيف حالك؟" قال الحاج إبراهيم، وقد استعاد ذكرياتٍ قديمة. كان سعيد زميلاً له في بداية مسيرته المهنية، ولكنهما افترقا بسبب خلافاتٍ في وجهات النظر. "بخير، الحمد لله. ولكنني أتصل بك بشأن أمرٍ هامٍ بعض الشيء." قال سعيد، وبدأت نبرة صوته تتغير. "تفضل." "علمت بخبر خطبة ابنتك أميرة، وأنا سعيدٌ لك. ولكن، بصفتي صديقاً قديماً، ورجلٌ رأى الكثير في هذه الحياة، لدي بعض الملاحظات التي قد تفيدك." شعر الحاج إبراهيم بقلقٍ بسيط. "ملاحظات؟ ما هي؟" "هل أنت متأكدٌ تماماً من هذا الشاب، أحمد؟ ووالده، الحاج محمد؟" سأل سعيد، وبدأت كلماته تحمل سمّ الشك. "لماذا تسأل؟ أحمدٌ شابٌ فاضل، ووالده رجلٌ ذو سمعةٍ طيبة." قال الحاج إبراهيم، وهو يشعر بالاستغراب. "اسمع يا أبا خالد، لقد مرت عليّ مواقف مشابهة. أحياناً، تبدو الأمور أجمل مما هي عليه في الواقع. لا أريد أن أفسد عليك فرحتك، ولكني أريد أن أنصحك. كن حذراً. لا تدع الأقنعة تخفي حقيقةً قد تكون مؤلمة." "أقنعة؟ ماذا تقصد؟" سأل الحاج إبراهيم، وقد تزايد قلقه. "لا أريد أن أقول الكثير الآن. لكن، ربما، لو تحريت بعض الأمور، لو نظرت في بعض التفاصيل التي قد تبدو غير مهمة، لوجدت ما يريحك. إذا أردت، يمكننا أن نلتقي. لدي بعض المعلومات التي قد تكون مفيدة." انتهى الاتصال، تاركاً الحاج إبراهيم في دوامةٍ من التساؤلات. هل ما يقوله سعيدٌ صحيح؟ لماذا يتصرف بهذه الطريقة؟ هل هناك حقاً ما يخفيه أحمد أو والده؟
في تلك الليلة، لم يذق الحاج إبراهيم طعم النوم. كانت كلمات سعيد تتردد في أذنيه، كأصواتٍ شيطانيةٍ تلعب بمشاعره. لقد كان واثقاً من الحاج محمد، ولكن ماذا لو كان سعيدٌ على حق؟ ماذا لو كانت هناك جوانبٌ مظلمةٌ في ماضي الحاج محمد، أو في طبيعة علاقته المالية؟
في المقابل، كان أحمد سعيداً جداً. لقد كان يتحدث مع صديقه المقرب، ماجد، عن خططه المستقبلية مع أميرة. "هل تحدثت مع والدك عن ترتيبات الزواج؟" سأل ماجد. "نعم، لقد تحدثت معه. وهو متحمسٌ جداً. نحن نفكر في إقامة حفلٍ بسيطٍ في أقرب وقتٍ ممكن. أميرة تستحق كل ما هو جميل." أجاب أحمد بفرح. "بارك الله لك يا صاحبي. أميرة فتاةٌ رائعة. أتمنى لكما كل السعادة." "إن شاء الله. وأنت، متى ستفتح مطعمك الجديد؟" سأل أحمد، ليغير الموضوع. "أعمل على ذلك. ولكن، يبدو أن الأمور تسير ببطءٍ أكبر مما كنت أتوقع." قال ماجد، وعلامات خيبة الأمل على وجهه. "لا تيأس يا ماجد. كل تأخيرة فيها خيرة. وربما، عندما أنتهي من ترتيبات الزواج، يمكنني مساعدتك قليلاً." قال أحمد، وهو يمد يد العون لصديقه. "شكرًا لك يا أحمد. أنت صديقٌ أصيل."
لم يكن أحمد يعلم أن هذا التأخير في مشروع ماجد، والذي كان يشعر ماجدٌ بسببه بالإحباط، كان مرتبطاً بشكلٍ ما بالوضع المالي المعقد الذي كان يعيشه الحاج محمد. كانت ديونٌ قديمةٌ قد عادت لتظهر، ولم يكن الحاج محمد مستعداً لها.
في هذه اللحظة، وبينما كان كلٌ من أحمد وأميرة يعيشان أحلامهما، كان الحاج إبراهيم يصارع مع نفسه. هل يستمع إلى نصيحة سعيد؟ هل يضع ابنته في موقفٍ محرجٍ إذا كانت شكوكه لا أساس لها؟ أم هل يتجاهل الأمر، ويدع باباً للندم يفتح أمامه؟
لقد بدأت الظلال تخيم على قصة حبهما، والقرار الذي سيتخذه الحاج إبراهيم سيكون له أثرٌ عميقٌ على مستقبل هذه العلاقة المباركة.