قلبي يختارك
ريح الشك وأوراق الماضي
بقلم سارة العمري
ظل الحاج إبراهيم يستيقظ وينام وهو يفكر في كلمات سعيد. كان قلبه متعلقاً بأميرة، وكان يتمنى لها كل السعادة. لم يكن يرغب في رؤيتها حزينةً أو نادمة. ولكن، في نفس الوقت، كان يخشى على سمعة عائلته، ويخشى أن يقع في فخٍ لم يكن يتوقعه.
في صباح اليوم التالي، قرر الحاج إبراهيم أن لا يتردد. اتصل بسعيد. "أبا خالد، مرحباً." قال سعيد بصوتٍ فيه نبرةٌ خبيثةٌ بالكاد تخفى. "أهلاً بك يا سعيد. هل لديك وقتٌ لتلقي؟" سأل الحاج إبراهيم. "بالتأكيد. أنا تحت أمرك. أين تحب أن نلتقي؟" "دعنا نلتقي في مقهى الروضة. بعد صلاة الظهر." "تمام، في انتظارك."
بعد صلاة الظهر، توجه الحاج إبراهيم إلى المقهى. وجد سعيد جالساً ينتظره، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ غريبة. "أهلاً بك يا أبا خالد. تفضل بالجلوس." جلس الحاج إبراهيم، وشعر ببرودةٍ تسري في أطرافه. "ماذا لديك لي يا سعيد؟" سأل الحاج إبراهيم مباشرةً. بدأ سعيد حديثه ببطء، متعمداً أن يزيد من قلق الحاج إبراهيم. "أعلم أن علاقتك بالحاج محمد طيبة، وأعلم أن أحمد شابٌ يعجبك. ولكن، قبل سنواتٍ طويلة، عندما كنت شريكاً للحاج محمد في مشروعٍ عقاري، واجهت معه بعض المشاكل. لقد كان لديه ميولٌ للمخاطرة، وكان يميل إلى إخفاء بعض الحقائق عن شركائه. لم يكن الأمر يتعلق بخيانةٍ مباشرة، ولكن كان هناك دائماً شعورٌ بعدم الشفافية." "ولكن، هذا كان منذ سنواتٍ طويلة،" قال الحاج إبراهيم، وهو يحاول إيجاد أي مخرج. "العادات القديمة قد تترسخ يا أبا خالد. ثم، قبل فترةٍ ليست بالبعيدة، كنت أعمل في أحد البنوك. وجاءني الحاج محمد ليطلب قرضاً كبيراً. كانت أوراقه المالية تشير إلى أن لديه بعض الديون القديمة، ولم يكن وضعه المالي مستقراً تماماً. لقد اضطررت، بصفتي مسؤولاً في البنك، إلى التدخل لرفض طلبه. كان الأمر حساساً، ولم يكن لدي خيارٌ آخر. لم أكن أريد أن أضر بأحد." شعر الحاج إبراهيم بقلبه يهبط. هذه المعلومات كانت مقلقة. "لماذا لم تخبرني بهذا الأمر من قبل؟" "كنت أتجنب التدخل في شؤون الآخرين، يا أبا خالد. ولكن، عندما علمت بأمر خطبة أميرة، وشعرت أن هناك احتمالاً لأن تتأثر ابنتك بأي مشاكل مستقبلية، شعرت بمسؤوليةٍ أخلاقية. لا أريد أن أقول لك أن ترفض أحمد، فكما قلت، هو يبدو شاباً طيباً. ولكن، ربما، لو طلبت من الحاج محمد بعض الضمانات، لو تحريت الأمور المالية بجديةٍ أكبر، لكان ذلك أفضل لك ولابنتك." ترك سعيد الحاج إبراهيم بمفرده، يفكر ويتأمل. كانت الأفكار تتصارع في رأسه. هل سعيدٌ يريد حقاً مصلحته، أم أن هناك أهدافاً أخرى؟ هل صحيحٌ ما يقوله عن الحاج محمد؟
عاد الحاج إبراهيم إلى منزله، وحاول أن يبدو طبيعياً أمام عائلته. ولكن، في داخله، كان هناك زلزالٌ يدوي. بدأ ينظر إلى أحمد، أو بالأحرى، إلى فكرة أحمد، بعينٍ مختلفة.
بعد عدة أيام، وبينما كانت أميرة تساعد والدتها في ترتيب بعض الملابس، تحدثت والدتها عن تحضيرات العرس. "يا ابنتي، لقد رأيت بعض فساتين الزفاف الجميلة في المحلات. ما رأيك لو ذهبنا معاً في نهاية الأسبوع؟" ابتسمت أميرة، وخجلت. "حاضر يا أمي. ولكن، هل يجب أن نتسرع هكذا؟" "ولماذا نتسرع يا حبيبتي؟ إنها فرحتك، وفرحتنا جميعاً. وقد تحدثت مع والدك، وهو موافق على أن نبدأ في التحضيرات." نظرت أميرة إلى والدها، الذي كان جالساً يقرأ جريدة. بدا شارد الذهن. "أبي، هل أنت مستعدٌ لهذه الخطوة؟" نظر إليها الحاج إبراهيم، ورأى في عينيها البراءة والأمل. تنهد بصوتٍ خافت. "نعم يا ابنتي. مستعدٌ. ولكن، هناك بعض الأمور التي يجب أن نضعها في اعتبارنا." "ما هي يا أبي؟" سألت أميرة، وتشعر بقلقٍ طفيف. "مسائلٌ تتعلق بالمال يا أميرة. نعرف أن أحمد ووالده من أسرةٍ كريمة، ولكن، في هذه الأيام، الأمور المادية تتطلب بعض الحذر." "أبي، أحمدٌ شابٌ ناجح، ووالده رجلٌ له خبرةٌ كبيرة." قالت أميرة، مدافعاً عن أحمد. "أعلم يا ابنتي، أعلم. ولكن، في عالم الأعمال، الأمور ليست دائماً كما تبدو. أريد فقط أن نتأكد من كل شيءٍ قبل أن نخطو خطوةً كبيرة."
لم تفهم أميرة تماماً ما كان يدور في ذهن والدها. هل كان قلقاً على تفاصيل الحفل؟ أم أن هناك شيئاً أعمق؟
في تلك الأثناء، كان أحمد يبحث عن هديةٍ خاصةٍ لأميرة. أراد أن يشتري لها شيئاً يعبر عن مشاعره الصادقة، وشيئاً يليق بجمالها وروحها. بدأ يتجول في المحلات، ولكنه كان يشعر بأن هناك شيئاً ما ينقصه. شيئاً ما يعيق سعادته الكاملة.
كان الحاج محمد، والد أحمد، قد سمع بخبر تفكير الحاج إبراهيم في بعض الأمور المالية. شعر ببعض الانزعاج. هل بدأ الحاج إبراهيم يشك فيه؟ هل كانت هناك وشايةٌ ما؟ بدأ الحاج محمد يفكر في الأسباب التي قد تدفع الحاج إبراهيم للتفكير بهذه الطريقة. هل هناك من يحاول التفريق بينهما؟
لقد بدأت رياح الشك تضرب أركان هذه العلاقة المباركة. وأوراق الماضي، التي كانت مدفونةً تحت رمال الزمن، بدأت تطفو على السطح، مهددةً بزعزعة استقرار المستقبل.