قلبي يختارك
همسات الماضي وظلال المستقبل
بقلم سارة العمري
كانت نسمات مساءٍ معطرةٌ برائحة الياسمين والعود تفوح من شرفة منزل فاطمة. جلستْ، وقلبها يخفقُ بين حنينٍ للماضي وقلقٍ على ما يخبئه الغد. أوراقُ دفترها العتيق تتناثرُ أمامها، صفحاتٌ خطّتْ فيها بمدادِ الحبرِ أحلامَها الصغيرةَ، ورسوماتٍ باهتةً لوجوهٍ غابتْ في غياهبِ النسيان. كانتْ تلكَ الأوراقُ نافذتها على زمنٍ ولّى، زمنٌ لم يكنْ فيهِ "قلبي يختارك" سوى حلمٍ بعيدٍ.
تذكّرتْ يومَ أنْ أهداها جدُّها، رحمهُ الله، هذا الدفترَ، قائلًا لها بصوتهِ العميقِ الذي يخفي حكمةَ السنين: "هذا يا فاطمةُ، هوَ ميدانُ أفكارِكِ، وحصنُ أحلامِكِ. اكتبي فيهِ ما يسكنُ روحَكِ، وما ترينهُ في عينيكِ." يومَها، لم تكنْ تعلمُ أنَّ هذهِ الكلماتِ ستُصبحُ نبراساً لها في دروبِ الحياةِ المتعرجةِ.
كانتْ أحلامُها الأولى تدورُ حولَ العلمِ، حولَ استكشافِ أسرارِ الكونِ، حولَ أنْ تصبحَ طبيبةً تُداوي المرضى، وأنْ تُسهمَ في بناءِ مجتمعٍ أفضل. لكنَّ الأيامَ سرعانَ ما نسجتْ خيوطَ القدرِ، ووجدتْ نفسها أسيرةً لواقعٍ لم ترسمهُ بأصابعها.
فجأةً، اخترقتْ صمتَ الغرفةِ رنةُ هاتفٍ، رفعتْ السماعةَ ليُسمعَ صوتُ والدتها الدافئ: "يا ابنتي، هل أنتِ بخير؟ قلقتُ عليكِ قليلاً. لم تردّي على اتصالاتي."
ابتسمتْ فاطمةُ ابتسامةً خفيفةً، وهمستْ: "أنا بخير يا أمي. فقط كنتُ أسترجعُ بعضَ الذكرياتِ."
"ذكرياتٌ جميلةٌ أم مؤلمةٌ؟" سألتْ والدتها بفضولٍ، فقدْ كانتْ تعرفُ حساسيةَ ابنتها تجاهَ الماضي.
"ذكرياتٌ جميلةٌ، يا أمي. عن زمنٍ مضى، وعن أحلامٍ كانتْ."
"الأحلامُ الجميلةُ لا تموتُ يا فاطمةُ. بلْ تتجددُ، وتتخذُ أشكالاً جديدةً. كيفَ حالُكِ معَ يوسف؟ هلْ الأمورُ تسيرُ على ما يرام؟"
عندَ ذكرِ اسمِ يوسف، شعرتْ فاطمةُ بارتباكٍ طفيفٍ. كانتْ علاقتهما تسيرُ بخطىً ثابتةٍ نحو الارتباطِ الرسمي، ولكنَّ هناكَ شيئاً ما كانَ يعكّرُ صفوَها. كانَ يوسفُ رجلاً صالحاً، خلوقاً، يتّسمُ بالشهامةِ والنبلِ. وكانَ يحبّها حباً صادقاً، لكنَّ قلبها لم يكنْ ينبضُ لهُ بنفسِ القدرِ الذي تمنّتْ. كانتْ تشعرُ بالامتنانِ لهُ، بالتقديرِ، ولكنَّ الشرارةَ الأولى، تلكَ الكهرباءَ العجيبةَ التي تتحدّثُ عنها القصصُ، كانتْ غائبةً.
"الأمورُ طيبةٌ يا أمي. يوسفُ رجلٌ نبيلٌ، وأنا أقدرُ اهتمامهُ بي." قالتْ فاطمةُ، محاولةً أنْ تبدوَ طبيعيةً قدرَ الإمكان.
"وهلْ أنتِ سعيدةٌ؟ هذا هوَ المهمُ يا ابنتي. لا تجعليْ مسؤولياتِ العائلةِ تُلغيكِ. سعادتُكِ هيَ سعادتنا."
"سأسعى للسعادةِ يا أمي. أعدُكِ."
أنهتْ فاطمةُ المكالمةَ، وتنهدتْ بعمقٍ. كانتْ والدتها تسعى لتمهيدِ طريقٍ آمنٍ لها، طريقٍ تتّسمُ بالاستقرارِ والبركةِ. لكنَّ قلبَ فاطمةَ كانَ في صراعٍ خفيٍّ. كانتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ شيئاً ناقصاً، فراغاً لا تملؤهُ رفاهيةُ الحياةِ أو طمأنينةُ الظروفِ.
في الجهةِ الأخرى منَ المدينةِ، كانَ يوسفُ يقفُ أمامَ مرآةِ غرفتِهِ، يتأملُ انعكاسَهُ. كانَ رجلاً ناجحاً في عملهِ، محلَّ ثقةٍ واحترامٍ. ولكنَّ شيئاً ما كانَ يشغلهُ. لم يكنْ يعرفُ كيفَ يقرأُ تعابيرَ وجهِ فاطمةَ، كيفَ يفكُّ رموزَ صمتِها. كانَ يحبّها، نعم، ولكنَّ حبّهُ كانَ أشبهَ بتقديرٍ عميقٍ واحترامٍ لا حدودَ لهُ. لم يكنْ يشعرُ بتلكَ العاطفةِ الجارفةِ التي تمنّاهُ أنْ يجدَها في شريكةِ حياتِهِ.
فكرَ في أختهِ، سارة، التي كانتْ دوماً مصدرَ إلهامِهِ. سارة، الفتاةُ التي واجهتْ صعوباتٍ جمةً في حياتِها، ولكنّها لم تستسلمْ قطُّ. تذكرَ كيفَ كانتْ تتحدثُ عنْ مفهومِ "التوافقِ الروحي" في علاقتها بخطيبها، عنْ ذلكَ الشعورِ العميقِ بالانسجامِ الذي يفوقُ مجردَ الانجذابِ السطحي.
"هلْ أنا أبحثُ عنْ شيءٍ وهمي؟" تساءلَ يوسفُ، وشعرَ بوخزةٍ منَ الشكِّ. هلْ حبّ فاطمةَ لهُ كافٍ؟ وهلْ حبّهُ لها كافٍ؟
بعدَ أيامٍ قليلةٍ، تلقتْ فاطمةُ دعوةً لحضورِ حفلِ زفافٍ لأحدِ الأصدقاءِ القدامى. كانتْ هذهِ فرصةً لرؤيةِ وجوهٍ لم ترها منذُ زمنٍ طويلٍ. وبينَ حشدِ المدعوينَ، التقتْ عيناها بعينيّ رجلٍ غريبٍ، ولكنهُ بدا مألوفاً بشكلٍ عجيب. كانَ الرجلُ يوسفَ، شقيقَ صديقتها المقربةِ، أحمد.
كانَ للقاءِ الأولِ بينهما أثرٌ عميقٌ. لم يكنْ مجردَ لقاءٍ عابرٍ، بلْ كانَ أشبهَ بنقرةٍ على وترٍ حساسٍ في روحِ فاطمة. لم تكنْ تعرفُ كيفَ تفسرُ هذهِ المشاعرَ الجديدةَ، هذا الانجذابَ الفوري. كانَ أحمدُ رجلاً هادئاً، عميقَ النظرةِ، ذكياً. كانتْ ابتسامتهُ تبعثُ على الراحةِ، وكلامهُ يحملُ حكمةَ الأقدمين.
أثناءَ حديثهما، شعرتْ فاطمةُ بأنّها تتحدثُ إليهِ منذُ زمنٍ طويلٍ. كانتْ تشاركهُ أفكارها، أحلامها، مخاوفها. وكانَ أحمدُ يستمعُ بانتباهٍ، ويبدو أنّهُ يفهمُ كلَّ ما تقولهُ دونَ أنْ تنطقَ بهِ.
"لديّ شعورٌ بأنّنا التقينا منْ قبلُ،" قالتْ فاطمةُ، وهيَ تنظرُ في عينيهِ السوداوينِ.
ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً واسعةً، وقالَ بصوتٍ هادئٍ: "ربما في عالمٍ آخر، أو في حلمٍ جميلٍ. أحياناً، تلتقي الأرواحُ قبلَ أنْ تلتقي الأجسادُ."
كلماتهُ هذهِ هزّتْ كيانَ فاطمةَ. كانتْ تشعرُ بأنّها وجدتْ أخيراً شخصاً يستطيعُ أنْ يفهمَ ذلكَ الفراغَ الذي كانَ يشغلُ قلبها. بدأتْ تشعرُ بأنَّ "قلبي يختارك" لم يعدْ مجردَ اسمٍ لروايةٍ، بلْ أصبحَ حقيقةً تتجسدُ أمامَ عينيها.
في تلكَ الليلةِ، عادتْ فاطمةُ إلى منزلها وقلبها يتراقصُ بينَ سعادةٍ غامرةٍ وقلقٍ دفين. كانتْ تعلمُ أنَّ هذا اللقاءَ سيغيرُ مسارَ حياتها. ولكنْ كيفَ ستواجهُ يوسفَ؟ كيفَ ستشرحُ لهُ ما حدث؟ كانتْ تعلمُ أنَّ الصدقَ هوَ السبيلُ الوحيدُ، ولكنَّ الصدقَ أحياناً يكونُ مؤلماً.
وبينما كانتْ الشمسُ تغربُ، تركتْ خلفها سماءً تتلوّنُ بألوانِ الشفقِ، كانتْ فاطمةُ تقفُ عندَ مفترقِ طرقٍ، أمامَ خياراتٍ صعبةٍ، وقلبها يتأرجحُ بينَ واجبِ العائلةِ وبينَ نداءِ الروحِ.