قلبي يختارك
مواجهة الحقائق ونداء القلب
بقلم سارة العمري
كانتْ ليالي القاهرةِ تزدادُ برودةً، ولكنّ البردَ لم يكنْ شيئاً أمامَ العاصفةِ التي كانتْ تعصفُ بداخلِ فاطمة. منذُ لقائها بأحمدَ، لم يعدْ قلبها ينتمي إليها وحدها. كانتْ تشعرُ بأنّها تعيشُ في عالمينِ متناقضينِ: عالمُ الواقعِ الذي يفرضُ عليها الارتباطَ بيوسفَ، وعالمُ الخيالِ الذي يرسمُ لها صورةَ مستقبلٍ مشرقٍ معَ أحمد.
في أحدِ الأيامِ، وبينما كانتْ تتصفحُ بعضَ الأوراقِ القديمةِ في مكتبِ والدها، وقعَ نظرها على صندوقٍ خشبيٍّ صغيرٍ. فتحتْهُ بفضولٍ، لتجدَ بداخلهِ رسائلَ قديمةً، صوراً باهتةً، ومذكراتٍ. كانتْ تلكَ الرسائلُ تعودُ إلى والدتها، رحمةُ الله عليها، عندما كانتْ في ريعانِ شبابها.
قرأتْ فاطمةُ الرسائلَ بلهفةٍ. كانتْ تصفُ فيها والدتها قصةَ حبٍّ عذريٍّ معَ شابٍّ أحبتهُ بشدةٍ، ولكنّ الظروفَ فرّقتهما. كانتْ كلماتُ الحبِّ والمشاعرِ الصادقةِ تتدفقُ منْ بينَ السطورِ، تاركةً فاطمةَ في حيرةٍ. هلْ كانَ حبُّ أمها لهُ ذلكَ الشابِ قوياً لدرجةِ أنّهُ تركَ أثراً عميقاً في روحها؟ وهلْ كانتْ تخشى أنْ تلقى نفسَ المصيرِ؟
في إحدى الرسائلِ، كتبتْ والدتها: "يا ليتَ الظروفَ كانتْ أرحمَ. ليتَ القدرَ لم يكنْ قاسياً. ولكنّي سأختارُ طريقَ الواجبِ، وسأبتعدُ عنْ طريقِ قلبي. سأبني حياةً جديدةً، وأحاولُ أنْ أكونَ سعيدةً."
شعرتْ فاطمةُ بدموعٍ تتجمعُ في عينيها. فهمتْ الآنَ لماذا كانتْ والدتها تصرُّ دائماً على أهميةِ الاستقرارِ العائليِّ، ولماذا كانتْ تدفعُها نحو الزواجِ منْ شخصٍ موثوقٍ بهِ. كانتْ والدتها تخشى عليها أنْ تعيشَ نفسَ الألمِ الذي عاشتهُ.
في تلكَ الليلةِ، وبينما كانتْ فاطمةُ تفكرُ في ما قرأتهُ، رنَّ هاتفُها. كانَ أحمدَ.
"كيفَ حالُكِ يا فاطمةُ؟" سألَ بصوتِهِ الهادئِ.
"بخيرٍ، أحمد. ولكنّي أشعرُ ببعضِ الضيقِ."
"ما الأمرُ؟ هلْ حدثَ شيءٌ؟"
روتْ فاطمةُ لأحمدَ كلَّ شيءٍ، عنْ رسائلِ والدتها، وعنْ معاناتها. استمعَ أحمدُ بانتباهٍ، وشعرَ بوخزةٍ منَ الألمِ لرؤيةِ فاطمةَ في هذهِ الحالةِ.
"أنا أفهمُ مشاعركِ يا فاطمةُ،" قالَ أحمدُ. "ولكنّكِ لستِ والدتكِ. أنتِ شخصٌ آخرُ، لديكِ أحلامُكِ الخاصةُ. لا يجبُ أنْ تدعيَ مخاوفَ الماضي تُعيقُ سعادتَكِ في الحاضرِ."
"ولكنّني لا أستطيعُ أنْ أؤذيَ يوسفَ،" قالتْ فاطمةُ، ودموعُها تتساقطُ. "هو رجلٌ طيبٌ، ويحبّني."
"وأنا أيضاً أحبّكِ يا فاطمةُ. وبطريقةٍ مختلفةٍ. حبٌّ يجعلني أرغبُ في أنْ تكوني سعيدةً، حتى لو لم يكنْ ذلكَ معي."
"وهلْ أنتَ مستعدٌّ للتخلي عني؟" سألتْ فاطمةُ، وشعرتْ بالخوفِ.
"لن أتخلى عنكِ. سأكونُ هنا دائماً لأدعمَكِ. ولكنّ القرارَ قرارُكِ. يجبُ أنْ تختاري الطريقَ الذي ترضينَ بهِ، الطريقَ الذي يجعلُ قلبَكِ يشعرُ بالراحةِ."
أنهتْ فاطمةُ المكالمةَ، وشعرتْ بأنّها في دوامةٍ منَ المشاعرِ. منْ جهةٍ، كانتْ تشعرُ بالامتنانِ ليوسفَ، وتعرفُ أنّهُ سيكونُ سنداً لها. ومنْ جهةٍ أخرى، كانَ قلبها ينبضُ لأحمدَ، وكانَ يشعرُ بأنّهُ الوحيدُ الذي يفهمها حقاً.
في نفسِ الوقتِ، كانَ يوسفُ يشعرُ بأنّ شيئاً ما يتغيرُ. كانَ يرى التغييرَ في عيني فاطمةَ، في طريقةِ كلامها، في بعدها عنه. بدأَ يشكُّ في علاقتها بهِ.
في أحدِ الأيامِ، قررَ يوسفُ أنْ يواجهَ الحقيقةَ. ذهبَ إلى منزلِ فاطمةَ، وطلبَ منها أنْ تتحدثا في أمرٍ مهمٍّ.
"فاطمةُ،" بدأَ يوسفُ، وعينيهِ مليئتينِ بالأسى. "أشعرُ بأنّكِ بعيدةٌ عني. أشعرُ بأنّ هناكَ شيئاً ما لا تقولينه. هلْ ما زلتِ تحبينني؟"
صمتتْ فاطمةُ، ولم تستطعْ أنْ تنظرَ في عينيهِ. شعرتْ بقلبها يتألمُ.
"فاطمةُ، أرجوكِ. تكلمي. هلْ هناكَ رجلٌ آخرُ في حياتكِ؟" سألَ يوسفُ، وبدأتْ نبرةُ صوتهِ ترتفعُ.
لم تستطعْ فاطمةُ أنْ تكذبَ. نظرتْ إلى يوسفَ، وقالتْ بصوتٍ مرتعشٍ: "أنا آسفةٌ يا يوسف. لا أستطيعُ أنْ أكملَ هذا الزواجَ."
صُدمَ يوسفُ. شعرَ بأنّ الأرضَ قدْ انشقتْ وابتلعتهُ. "ماذا؟ كيفَ؟ ولماذا؟"
"قلبي لا يختارُكَ يا يوسف." قالتْ فاطمةُ، وهيَ تغطي وجهها بيديها. "لقدْ حاولتُ، ولكنّني لم أستطعْ."
شعرَ يوسفُ بخيانةٍ عميقةٍ. كانَ قدْ وضعَ كلَّ آمالِهِ في هذهِ العلاقةِ. "هلْ هذا بسببِ أحمدَ؟" سألَ، وعينيهِ تلمعانِ بالغضبِ.
لم تجبْ فاطمةُ. هزتْ رأسها ببطءٍ.
"إذنْ، هذا هوَ الأمرُ. لقدْ عرفتُ ذلكَ." قالَ يوسفُ، بصوتٍ أشبهَ بالهمسِ. "ولكنْ هلْ فكرتِ في عائلتِنا؟ هلْ فكرتِ في سمعتِنا؟"
"أنا أعلمُ أنَّ هذا صعبٌ، يا يوسف. ولكنّي لا أستطيعُ أنْ أعيشَ كاذبةً."
غادرَ يوسفُ المنزلَ، تاركاً فاطمةَ وحدها معَ دموعها وخياراتها الصعبة. كانتْ قدْ اختارتْ طريقَ قلبها، ولكنّها كانتْ تعلمُ أنَّ هذهِ الطريقَ ستكونُ مليئةً بالأشواكِ.
في هذهِ الأثناءِ، كانَ السيدُ خالدُ، والدُ يوسفَ، يشعرُ بالتوترِ. فقدْ تأخرتْ المفاوضاتُ التجاريةُ بينَ العائلتينِ، وبدأَ يشكُّ في نوايا آلَ عبدِ العزيز. كانَ يعلمُ أنَّ زواجَ يوسفَ وفاطمةَ كانَ عنصراً أساسياً في إتمامِ هذهِ الصفقةِ.
"ما الذي يحدثُ؟" تساءلَ السيدُ خالدُ. "هلْ هناكَ ما تخفيهِ عائلةُ عبدِ العزيز؟"
كانتْ الحقائقُ تتكشفُ ببطءٍ، وكانتْ قلوبُ الأبطالِ تتألمُ. كانتْ مواجهةُ الحقائقِ، مهما كانتْ مؤلمةً، هيَ الخطوةُ الأولى نحوِ بناءِ مستقبلٍ أفضلَ، مستقبلٍ لا تحكمهُ قيودُ الماضي، بلْ نداءُ القلبِ الصادقِ.