قلبي يختارك
صدمة الماضي وظلال الخيانة
بقلم سارة العمري
اجتاحتْ صدمةٌ قويةٌ بيتَ السيدِ خالدٍ، والدَ يوسفٍ. فبعدَ لقائهِ الأخيرِ معَ السيدِ عبدِ العزيز، والدِ أحمدَ، وصلتهُ معلوماتٌ غريبةٌ حولَ عمقِ العلاقةِ التي نشأتْ بينَ ابنهِ أحمدَ وفاطمة. لم يكنْ السيدُ خالدُ يتوقعُ أبداً أنْ تتطورَ الأمورُ بهذهِ السرعةِ، وأنْ يصلَ الأمرُ إلى هذهِ الدرجةِ منَ التعقيدِ.
كانَ السيدُ خالدُ رجلاً صريحاً، يؤمنُ بالشفافيةِ في العلاقاتِ، وخاصةً تلكَ التي تتعلقُ بمستقبلِ أبنائهِ. لم يكنْ يتصورُ أنْ يخفيَ أحمدُ، الذي كانَ يعتبرهُ بمثابةِ الابنِ، حقيقةَ مشاعرهِ تجاهَ فاطمةَ، خاصةً وأنّ والدَهُ كانَ قدْ أبدى موافقتهُ المبدئيةَ على خطبتها منْ يوسف.
"كيفَ يمكنُ لأحمدَ أنْ يفعلَ هذا؟" تساءلَ السيدُ خالدُ، وهوَ يتجولُ في مكتبهِ بقلقٍ. "هلْ كانَ يعلمُ بخطوبةِ يوسفَ وفاطمةَ؟ بالطبعَ كانَ يعلمُ. فكيفَ تجرأَ على التقربِ منها بهذهِ الطريقةِ؟"
كانَ شعورُ الخيانةِ ينهشُ قلبَ السيدِ خالدٍ. لم يكنْ الأمرُ متعلقاً فقط بالخطوبةِ، بلْ كانَ يتعلقُ بالثقةِ التي وضعها في السيدِ عبدِ العزيزِ، وبالمبادئِ التي كانَ يعتقدُ أنّهم جميعاً يتشاركونها.
قررَ السيدُ خالدُ أنْ يواجهَ السيدَ عبدَ العزيزِ مباشرةً. اتصلَ بهِ وطلبَ لقاءً عاجلاً. عندما التقيا، لم يكنْ السيدُ عبدُ العزيزِ يبدو مرتاحاً. كانتْ هناكَ نظرةٌ غريبةٌ في عينيهِ، نظرةٌ تحملُ شيئاً منَ القلقِ والتخفّي.
"عبدَ العزيزِ،" بدأَ السيدُ خالدُ، بصوتٍ هادئٍ ولكنْ حاسمٍ. "لديّ معلوماتٌ مقلقةٌ جداً حولَ ابني أحمدَ وعلاقتِهِ بفاطمةَ. هلْ لكَ أنْ توضحَ لي ما الذي يحدثُ؟"
تصبّبَ العرقُ منْ جبينِ السيدِ عبدِ العزيزِ. ترددَ للحظةٍ، ثمّ قالَ: "خالدٌ، أرجو أنْ تفهمَ. الأمورُ معقدةٌ."
"معقدةٌ؟ هلْ هذا هوَ وصفُكَ لخيانتِكَ؟" قالَ السيدُ خالدُ، وبدأَ صوتهُ يرتفعُ.
"لا تخطئَ يا خالدٌ. لم أخنكَ. ولكنّ ابني أحمدَ..."
"وماذا عنْ ابني يوسفَ؟ هلْ هوَ مجردُ ورقةٍ تلعبونَ بها؟" قاطعهُ السيدُ خالدُ بغضبٍ.
"يهدِّئُ منْ روعِهِ يا خالدٌ. كلُّ شيءٍ سيُحلُّ. أحمدُ يحبُّ فاطمةَ، وفاطمةُ تبادلهُ المشاعرَ."
"وماذا عنْ يوسفَ؟ ماذا عنْ قلبهُ؟ هلْ نفكرُ فيهِ أبداً؟"
"يوسفُ رجلٌ قويٌّ. سيتجاوزُ الأمرَ. والأهمُّ هوَ سعادةُ أولادِنا."
"سعادةُ أولادِنا؟ هلْ السعادةُ تُبنى على الخداعِ والكذبِ؟" قالَ السيدُ خالدُ، وشعرَ بالإحباطِ والغضبِ. "لقدْ كنتُ أؤمنُ بأنّكُما رجلانِ شريفانِ، وأنّ هذهِ الصفقةَ التجاريةَ ستكونُ بدايةً لتعاونٍ طويلِ الأمدِ. ولكنْ يبدو أنّ الأمورَ ليستْ كما تبدو."
شعرَ السيدُ خالدُ بأنّ الثقةَ بينهُ وبينَ السيدِ عبدِ العزيزِ قدْ انهارتْ. لم يستطعْ أنْ يصدقَ كيفَ يمكنُ لصديقٍ قديمٍ أنْ يتصرفَ بهذهِ الطريقةِ.
في هذهِ الأثناءِ، كانتْ فاطمةُ تشعرُ بضغطٍ لا يُحتملُ. فقدْ بدأتْ تصلُها تهديداتٌ مبطنةٌ منْ والدةِ يوسفَ، السيدةُ زينبَ، التي كانتْ امرأةً متسلطةً، تؤمنُ بأنَّ العائلةَ فوقَ كلِّ شيءٍ.
"يا فاطمةُ،" قالتْ السيدةُ زينبُ في إحدى زياراتها، بصوتٍ يحملُ نبرةً باردةً. "أعلمُ أنّكِ تشعرينَ ببعضِ الارتباكِ. ولكنْ يجبُ أنْ تتذكري أنَّ زواجَكِ منْ يوسفَ هوَ واجبٌ. واجبٌ تجاهَ العائلةِ، وتجاهَ سمعتِنا. لا تدعي مشاعرَ عابرةً تُفسدُ كلَّ شيءٍ."
شعرتْ فاطمةُ بأنّها محاصرةٌ. منْ جهةٍ، كانتْ مشاعرُها تجاهَ أحمدَ تزدادُ عمقاً، ومنْ جهةٍ أخرى، كانتْ ضغوطُ العائلةِ ومخاوفُها تُثقلُ كاهلها.
"أنا آسفةٌ يا سيدتي،" قالتْ فاطمةُ بصوتٍ خافتٍ. "ولكنّني لا أستطيعُ أنْ أتصرفَ ضدَّ قلبي."
"قلبُكِ؟" ضحكتْ السيدةُ زينبُ ضحكةً قصيرةً وساخرةً. "القلبُ لا يبني بيوتاً يا فاطمةُ. القلبُ يؤدي إلى المشاكلِ. يجبُ أنْ تكوني عاقلةً."
كانتْ كلُّ هذهِ الضغوطِ تدفعُ فاطمةَ إلى اتخاذِ قرارٍ مصيريٍّ. لم تعدْ تستطيعُ أنْ تعيشَ في هذا الوضعِ المزدوجِ.
وفي محاولةٍ لمعرفةِ الحقيقةِ كاملةً، قررتْ فاطمةُ أنْ تتحدثَ معَ أختِ يوسفَ، سارة. كانتْ سارةُ دائماً قريبةً منْ قلبِ فاطمةَ، وكانتْ تثقُ بها.
"سارة،" قالتْ فاطمةُ، وهيَ تجلسُ معها في حديقةِ المنزلِ. "أريدُ أنْ أسألَكِ سؤالاً صريحاً. هلْ يعلمُ يوسفُ حقاً بكلِّ ما يحدثُ؟"
نظرتْ سارةُ إلى فاطمةَ بعينينِ مليئتينِ بالحزنِ. "فاطمةُ، أرى أنَّ يوسفَ يتألمُ. إنهُ يحاولُ أنْ يكونَ قوياً، ولكنهُ مجروحٌ. أعتقدُ أنّهُ يعلمُ بأنَّ هناكَ شيئاً ما بينكِ وبينَ أحمدَ."
"ولكنّهُ لم يواجهني."
"لأنّهُ يحترمُكِ، ولأنّهُ لا يريدُ أنْ يخسرَكِ. ولكنهُ أيضاً لا يريدُ أنْ يعيشَ في وهمٍ."
شعرتْ فاطمةُ بالذنبِ الشديدِ. كانتْ تعلمُ أنَّ تصرفاتها تؤذي يوسفَ، وتؤذي عائلتهُ.
في تلكَ الأثناءِ، كانَ السيدُ عبدُ العزيزِ قدْ بدأَ يشعرُ ببعضِ الندمِ. رأى كيفَ أثّرَ موقفُهُ على السيدِ خالدٍ، وكيفَ بدأَ أحمدُ يشعرُ بالضغطِ. قررَ أنْ يعقدَ اجتماعاً عائلياً، ليضعَ الأمورَ في نصابها.
"يا أحمدُ،" قالَ السيدُ عبدُ العزيزِ، بينما كانَ الجميعُ مجتمعينَ. "أعلمُ أنَّ قلبكَ متعلقٌ بفاطمةَ. وأعلمُ أنَّ فاطمةَ تشعرُ بالمشاعرِ نفسها. ولكنّنا يجبُ أنْ نجدَ حلاً يحفظُ كرامةَ الجميعِ، ويحافظُ على علاقاتِنا."
نظرَ أحمدُ إلى والدهِ، ثمّ إلى يوسفَ الذي كانَ واقفاً بصمتٍ، وعينيهِ مليئتينِ بالأسى. شعرَ بأنّ هذهِ اللحظةَ هيَ نقطةُ اللاعودةِ.
كانتْ ظلالُ الخيانةِ تلقي بعبئها على الجميعِ. ولكنّ صدمةَ الماضي، وكشفَ الأسرارِ، كانتْ هيَ الشرارةَ التي ستُجبرُ الأبطالَ على مواجهةِ حقائقَ