قلبي يختارك
غياهب الشك وقسم العهد
بقلم سارة العمري
كانت خيوط الفجر تنسج نفسها ببطء على وشاح السماء، مبشرة ببداية يوم جديد، لكن في قلب نور، لم تكن تلوح أي تباشير أمل. ليلة أمس كانت أشبه بزلزال هز أركان عالمها الهش، وكشفت عن هوة سحيقة بين ما ظنته حقيقة وما باتت تدركه. صوت والدتها، حينما وجدته صدفةً في مكتب أبيها، لم يكن مجرد صوت، بل كان سكيناً باردة غرست في لحم ثقتها. "هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا، أليس كذلك يا أحمد؟" سألت بصوت مرتجف، بينما كان والدها، الشيخ أحمد، يخفي في عينيه شيئًا أثقل من صمته. لم يعد الأمر يتعلق بخطابٍ أجبرت عليه، أو بظروفٍ قاهرةٍ دفعتها إلى الموافقة. لقد كان هناك وجهٌ آخر، أعمق وأكثر قتامة، مخفيٌّ خلف ستارٍ سميكٍ من الوعود المكسورة والأسرار المدفونة.
كانت نور قد غادرت مكتب أبيها كمن يمشي على رؤوس الأصابع، وكل خطوة كانت تزيدها ثقلاً. استقرت في غرفتها، لكن النوم أبى أن يزور جفنيها. كانت كلماتها، كلمات والدتها، تتردد في أذنها كصدىً لحنٍ مشؤوم: "أحمد، أرجوك، هذا ليس حلاً... مصير ابنتنا يتوقف على هذا..." ثم جاء صوت والدها، أخف من أن يُسمع، لكنه كان أقوى من عواصفها الداخلية: "الأمر لا خيار فيه، يا زينب. مصلحة العائلة... مصلحتنا جميعًا..."
الآن، مع طلوع الشمس، كانت نور تقف أمام المرآة، ترى انعكاس فتاة أضناها السهر والتفكير. لم تعد ترى تلك الفتاة التي خططت لمستقبلٍ ورديٍ مع يوسف، الفتاة التي آمنت بأن الحب الصادق، المستمد من تقوى الله واحترام العهود، هو الضمانة الوحيدة للسعادة. يوسف. يا له من اسمٍ أصبح الآن يحمل في طياته ألف سؤالٍ وألف شك. هل كان يعلم؟ هل كان شريكًا في هذه اللعبة؟ أم أنه كان مجرد بيدقٍ آخر في مسرحيةٍ لم تكتمل فصولها بعد؟
قررت نور أن تواجهه. لا يمكن أن تستمر في العيش في هذه الحالة من عدم اليقين. بحذرٍ شديد، ارتدت ملابسها، وتسللت خارج المنزل قبل أن يستيقظ الجميع. وجهتها كانت نحو المكان الذي التقت فيه بيوسف للمرة الأخيرة، عند شجرة السدر العتيقة قرب النهر. كان المكان يكتنفه بعض الهدوء، بعيدًا عن ضجيج المدينة وصخب الحياة.
عندما وصلت، وجدت يوسف جالسًا تحت الشجرة، يرمق الأفق بنظراتٍ بعيدة. كان يبدو هادئًا، لكن نور لم تستطع أن تفسر هذا الهدوء. هل هو هدوءٌ طبيعيٌ أم هدوءٌ مصطنعٌ يخفي ورائه عاصفة؟ اقتربت منه بخطواتٍ مترددة، وقلبها يدق كطبول حرب.
"يوسف..." نطق اسمها بصوتٍ بالكاد خرج.
رفع يوسف رأسه، وبدت الدهشة واضحة على وجهه. "نور؟ ما الذي أتى بكِ إلى هنا في هذا الوقت؟"
جلست نور أمامه، وساد صمتٌ ثقيلٌ بينهما. كان بإمكانها أن تشعر بنظراته تخترقها، تبحث عن إجاباتٍ لما لم تقله بعد.
"هل أنت متعب؟" سألت نور، محاولةً كسر الحاجز.
ابتسم يوسف ابتسامةً باهتة. "بعض الشيء. التفكير كثيرًا يرهق الروح."
"والتفكير في ماذا؟" أردفت نور، وبدأت تلمح إلى ما في نفسها.
تنهد يوسف. "في كل شيء. في المستقبل، في المسؤوليات، في... أمورٍ قد تبدو معقدة."
"وما هي الأمور المعقدة التي تشغل بالك يا يوسف؟" سألت نور، وكان صوتها يحمل شيئًا من الجرأة المفاجئة. "هل تتعلق الأمور... بخطبتنا؟"
ارتعش جسد يوسف قليلاً، ولم تكن نور متأكدةً إن كان ذلك بسبب البرد أم بسبب ما سمع. نظر إليها بتحديقٍ عميق. "ما الذي يجعلكِ تسألين هذا السؤال بهذه الحدة؟"
"لأنني لا أفهم شيئًا يا يوسف." تزايدت حدة صوتها. "لا أفهم لماذا تم كل هذا بهذه السرعة. لا أفهم لماذا تبدو الأمور وكأنها مدبرة من قبل. بالأمس، سمعت شيئًا... شيئًا جعلني أشك في كل شيء."
برزت الحيرة على وجه يوسف. "ماذا سمعتِ؟ ومن قال لكِ؟"
"لا يهم من قال، يوسف. المهم هو ما سمعت." أخذت نور نفسًا عميقًا. "سمعت والدي يتحدث مع والدتي. كانا يتحدثان عن... عن صفقة. عن اتفاق. عن شيءٍ يخص سمعة العائلة."
تصلبت ملامح يوسف. بدا وكأن الكلمات قد أصابت وتراً حساساً. "صفقة؟ اتفاق؟ نور، أنتِ تسيئين الفهم."
"هل أسيء الفهم حينما أسمع أبي يقول لوالدتي: "الحل الوحيد هو إتمام الزواج بأسرع وقت ممكن، لأن الأمور قد تتفاقم إذا تأخرنا"؟ هل أسيء الفهم عندما أرى والدتي تبكي وتتوسل إليه؟"
لم يستطع يوسف أن يخفي تأثره. هز رأسه ببطء. "هذه أمورٌ لا يجب عليكِ التدخل فيها، نور. هي خاصةٌ بوالدكِ."
"لكنها تخصني يا يوسف! تخص حياتي ومستقبلي! إذا كان زواجنا مجرد صفقة، إذا كان مجرد حل لمشكلةٍ ما، فأنا... لا أريد." انفجرت نور في بكاءٍ مرير.
اقترب يوسف منها، وحاول أن يلمس يدها، لكنه تردد. "نور، أرجوكِ، لا تبكي. الأمر ليس بهذا السوء."
"ما هو إذاً؟" رفعت نور رأسها، وعيناها حمراوان من البكاء. "قل لي الحقيقة. هل تعلم والدكِ بشيءٍ يتعلق بي وبوالدي؟ هل هناك دينٌ قديم؟ هل هناك خطأٌ ما حدث؟"
نظر يوسف إلى يده، وبدا عليه الصراع الداخلي. تردد طويلاً، ثم رفع عينيه ليقابل نظراتها. كانت فيهما ذرةٌ من الألم، وذرةٌ من الندم، وذرةٌ من الخوف.
"نور..." بدأ بصوتٍ خافت. "هناك أمورٌ لم أخبركِ بها. أمورٌ ظننتُ أنها لا تعنيكِ، أو أنها قد تؤذيكِ."
"الأذى أشد حينما أعيش في وهم." قالت نور، وصوتها لا يزال يرتعش.
"والدكِ... لم يكن مجرد رجل أعمالٍ ناجح." قال يوسف، وبدأت كلماته تتدفق ببطءٍ مؤلم. "لقد كان مدينًا لوالدي بمبلغٍ كبير. مبلغٌ تراكم عبر سنواتٍ طويلة. كان الوالد قد أمهله مرارًا وتكرارًا، لكنه لم يستطع السداد."
اتسعت عينا نور بصدمة. "والدي؟ مدينٌ لوالدك؟ لم أسمع بهذا قط!"
"وهنا تكمن المشكلة." تابع يوسف. "لقد تفاقمت ديون والدكِ، ووصل الأمر إلى نقطةٍ حرجة. لو انكشف هذا الأمر، لكان له تبعاتٌ كارثية على سمعة عائلتكِ، وعلى استقرارها. والدي، رحمه الله، لم يكن يرغب في إحراجه، وكان يبحث عن حلٍ يحفظ ماء وجه الجميع."
"وما هو الحل الذي توصلتم إليه؟" سألت نور، وقلبها يخفق بعنف.
"الحل كان... زواجكما." قال يوسف، وكان كل حرفٍ يخرج منه يثقل كالصخر. "كان والدي قد تحدث مع والدكِ، واقترح عليه تسوية الديون مقابل... ربط العائلتين. بمعنى آخر، زواجكِ مني. كان والدكِ يرى في هذا الحل مخرجاً مشرفاً له، ومستقبلاً آمناً لكِ. وقد وافق، بل وأصر على السرية المطلقة حتى تتم الخطبة."
تراجعت نور خطوةً إلى الوراء. لم تستطع أن تستوعب ما تسمعه. والدها، الرجل الذي طالما افتخرت بنزاهته، كان يخفي ديوناً كهذه؟ وكان يوافق على زواجها كصفقةٍ لسدادها؟
"لكن... لكنك لم تقل لي شيئًا من هذا!" صرخت نور، ومرارة الخيانة تملأ حلقها. "لماذا لم تخبرني؟"
"لأنني لم أكن أريد أن أراكِ بهذا الألم." أجاب يوسف، وكان في عينيه صدقٌ مرير. "كنت آمل أن نعيش حياةً سعيدة، وأن تنسي أي شيءٍ قد يكدر صفو علاقتنا. ظننتُ أن الحب سيجعل كل شيءٍ سهلاً. وأنكِ إذا أحببتني، فلن تهتمي بالأسباب. ولكنني أخطأت. كنتُ مخطئًا جداً."
"أخطأت؟" تكررت نور الكلمة بذهول. "لقد كذبت عليّ يا يوسف! لقد سمحت لي بأن أعيش في وهمٍ جميل، بينما كنتَ تعرف كل شيء! كنتَ تعلم أن قلبي الذي يختارك، لم يخترك أنت كإنسانٍ حر، بل اختارك كجزءٍ من صفقةٍ بين رجالٍ لا أعرفهم!"
"لا، نور! هذا غير صحيح!" حاول يوسف الاقتراب مرة أخرى، لكن نور ابتعدت.
"لا تقترب مني!" صرخت. "لقد دمرت كل شيء يا يوسف. كل ما اعتقدتُه عنك، عني، عن حبنا... كل شيءٌ انهار. أنا لا أعرف من أنتَ، ولا أعرف من هو والدي حقاً. كيف يمكن لقلبي أن يختار شخصاً قد تخلى عني بهذه الطريقة؟"
وقفت نور، ودموعها تنهمر كالسيل. لم تستطع أن تبقى لحظةً أطول. كان الهواء حولها ثقيلاً، والذكريات الجميلة التي كانت تربطها بهذا المكان أصبحت الآن مشبعةً بالمرارة.
"لا أريد أن أسمع المزيد." قالت بصوتٍ متقطع. "لقد عرفتُ كل ما أحتاج معرفته."
استدارت نور، ومشيت مسرعةً تاركةً يوسف واقفًا وحيداً تحت شجرة السدر، يراقبه بقلبٍ مثقلٍ بالندم. كانت خطواتها الأولى نحو مستقبلٍ مجهول، مستقبلٍ خلت سماءه من كل النجوم التي كانت تضيء حياتها.
لكن حتى في قلب هذه العاصفة، كانت نور تشعر بدافعٍ غريب. دافعٌ نحو الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. لم تعد ترضى بأن تكون مجرد ورقةٍ في لعبةٍ أكبر. يجب أن تفهم كل شيء. يجب أن تواجه والدها. ويجب أن تعرف مصيرها.
والأهم من ذلك، يجب أن تتأكد، بقلبها، هل كان هناك أي ذرةٍ من الصدق في هذا الزواج المفروض؟ هل يمكن لقلبها، الذي يعتقد أنه اختاره، أن يجد سبباً للاستمرار؟
بينما كانت تسير، لم تكن تعلم أن قراراتها الحاسمة تلك، قد فتحت بابًا لفصلٍ جديد، فصلٍ قد يغير مجرى حياة العائلتين، فصلٍ ستحتاج فيه إلى كل ما تمتلكه من قوةٍ وإيمانٍ وتمسكٍ بمبادئها.
الشك يغوص في أعماقها، والعهد الذي ظنت أنها ستقطعه، أصبح الآن مجرد وهمٍ يتلاشى. لكن في قلب كل ألم، هناك بذرةٌ للقوة. وبذرةٌ للأمل.
*