الفصل 19 / 25

قلبي يختارك

صدى الماضي وعقد الحاضر

بقلم سارة العمري

عادت نور إلى منزلها كشبحٍ يسير، تحمل عبئًا لم تكن تتخيله في أسوأ كوابيسها. لم تعد الفتاة الهادئة المطمئنة، بل امرأةٌ يقذفها الشك ويرميها الغضب. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تغلق على عالمٍ بأكمله. كانت الغرفة التي لطالما كانت ملاذها الآمن، تبدو الآن وكأن جدرانها تضيق عليها. كل شيء فيها يذكرها بعهدٍ كاذب، وبحبٍ مشوه.

تذكرت حديثها مع يوسف، وكلماته المريرة كالحنظل. "والدكِ مدينٌ لوالدي بمبلغٍ كبير." كيف يمكن لوالدها، الرجل الذي رأت فيه المثل الأعلى للنقاء والنزاهة، أن يخفي سراً كهذا؟ سراً يهدد بانهيار كل ما يعرفونه؟ لقد شعرها ذلك وكأن الأرض انشقت وابتلعتها. والدها، الرجل الذي كان يشدد على أهمية الكرامة والعزة، قد لجأ إلى حلٍّ كهذا؟

نظرت إلى صورته المعلقة على الحائط، صورةٌ له في شبابه، يبتسم بكل ثقة. هل كانت تلك الابتسامة تخفي وراءها ثقلاً هائلاً؟ هل كان كل هذا الزواج مجرد محاولةٍ يائسةٍ لتغطية عجزٍ ماليٍ لم تستطع نور أن تتصوره؟

الآن، أصبح عليها مواجهة الحقيقة، مهما كانت قاسية. يجب أن تتحدث مع والدها. يجب أن تسمع منه الكلمة الفصل. ولكن كيف؟ كيف تبدأ حواراً مع شخصٍ يبدو أنه قد بنى حياته على أساسٍ من الكتمان؟

جلست على طرف السرير، وجمعت شتات أفكارها. كان عليها أن تكون قوية. لم تعد الفتاة الصغيرة التي تتلقى الأوامر. لقد اكتشفت حقيقةً صادمة، وهذه الحقيقة تتطلب منها أن تتصرف.

"يا أبي..." نادت بصوتٍ خافت، كان صوتها يرتجف قليلاً. "هل لي أن أتحدث معك؟"

بعد دقائق قليلة، سمعت طرقًا خفيفًا على باب غرفتها. فتحت الباب لتجد والدها واقفاً، يبدو عليه التعب والانشغال، لكن عينيه كانتا تحملان شيئاً من القلق.

"تفضلي يا ابنتي." قال بصوتٍ هادئ، لكن نور شعرت بنبرةٍ غريبة فيه، نبرةٌ وكأنه يعرف ما ستتحدث عنه.

دخلت نور إلى مكتبه، المكان الذي بدأ منه كل شيء. المكتب الذي تفوح منه رائحة الكتب القديمة والورق، والمكان الذي كان دوماً رمزاً للسلطة والحكمة في نظرها. الآن، أصبح رمزاً للاسرار.

"أبي،" بدأت نور، ناظرةً إلى عينيه مباشرةً، "هل كان هناك... اتفاقٌ بينك وبين والد يوسف؟"

تجمد والد نور للحظة. لم يستطع أن يخفي دهشته، بل ربما شيئاً من الخوف. حاول أن يستجمع كلماته، لكن الأمر بدا صعباً عليه.

"من أين لكِ هذه المعلومة يا ابنتي؟" سأل أخيراً، وصوته كان أثقل مما اعتادت سماعه.

"هذا لا يهم الآن يا أبي." قالت نور، وبدأت تشعر بالثبات يغمرها. "المهم هو الحقيقة. هل زواجي بيوسف هو مجرد حلٌّ لمشكلةٍ مالية؟"

نظر والد نور إلى الأرض، ثم عاد ليرفع عينيه إليها. كانتا تلمعان بشيءٍ من الحزن والأسف.

"نور،" قال ببطء، "الحياة مليئةٌ بالصعوبات. أحيانًا، نجد أنفسنا أمام خياراتٍ مريرة، ولا نملك إلا أن نختار الأقل ضرراً."

"وما هو الضرر الأقل يا أبي؟ أن تتخلى عن ابنتكِ ليتم تزويجها كصفقة؟" سألت نور، ومرارة الكلمات بدأت تظهر في صوتها.

"ليست صفقة يا ابنتي!" رد والدها بحزمٍ أكبر. "كانت محاولةٌ لحفظ ماء الوجه، ولضمان مستقبلكِ."

"مستقبلي؟" تكررت نور بسخرية. "إذا كان مستقبلي مرتبطاً بالكذب والخداع، فأنا لا أريده."

"لا تقولي هذا يا نور!" قال والدها، وصوته يرتفع قليلاً. "لقد عملتُ بجدٍ طوال حياتي. حاولتُ أن أبني لكِ عالماً آمناً، خالياً من الهموم. لكن الأمور لم تسر كما خططتُ لها."

"وماذا حدث؟" سألت نور، وكانت على استعدادٍ لسماع كل شيء.

بدأ والد نور يتحدث، وصوته أصبح ألين، لكنه كان يحمل ثقل الماضي. "لقد مررتُ بظروفٍ عصيبة في السنوات الماضية. بعض الاستثمارات لم تكن موفقة، وتراكمت عليّ ديونٌ لم أستطع السيطرة عليها. والد يوسف، رحمه الله، كان صديقاً قديماً. وكان يعلم بوضعي. لقد أمهلني طويلاً، لكن الضغوط ازدادت. عندما اقترح عليّ تسوية ديوني مقابل زواجكِ من ابنه، شعرتُ باليأس. لكنني رأيتُ فيه مخرجاً، مخرجاً يمكنني من خلاله أن أحمي سمعتكم، وأن أضمن لكِ مستقبلاً مستقراً، دون أن تحملي عبء هذه المشاكل."

"ولماذا لم تخبرني؟" سألت نور، وعيناها تفيضان بالدموع. "لماذا تركتني أعيش في وهم الحب؟"

"لأنني لم أرد أن أرى الحزن في عينيكِ." أجاب والدها. "كنتُ أعتقد أن الأمر سينتهي بسرعة، وأنكِ ستجدين السعادة مع يوسف. كنتُ أؤمن بأن الحب قادرٌ على تجاوز كل الصعاب."

"لكن الحب لا يبنى على الكذب والخداع يا أبي!" قالت نور، وصوتها يرتعش. "لقد دمرتَ الثقة التي كانت بيني وبينك. ودمرتَ الثقة التي كانت بيني وبين يوسف."

"أنا آسف يا ابنتي." قال والدها، وبدا عليه الندم العميق. "لم أكن أقصد أن أؤذيكِ. ولكنني كنتُ في وضعٍ صعب. والآن، وبعد أن عرفتِ الحقيقة، ما هو قرارك؟"

كان السؤال الأقسى. نور لم تكن تعلم ماذا تجيب. كل شيءٍ بدا وكأنه ينهار حولها. الزواج الذي كانت تعتبره بدايةً لحياةٍ جديدة، أصبح الآن سبباً لدمار كل شيء.

"لا أعرف يا أبي." قالت بصوتٍ خافت. "لا أعرف ماذا أفعل."

"أنا أدرك حجم الصدمة التي مررتِ بها." قال والدها، ومد يده ليلمس كتفها. "لكن تذكري، يا نور، أن ما حدث لم يكن خطأكِ. وأنكِ لستِ مسؤولةً عن قرارات الآخرين."

"لكنني مسؤولةٌ عن حياتي." قالت نور، وشعرت بقوةٍ غريبة تتملكها. "ولم أعد أريد أن أعيش حياةً مبنيةً على أكاذيب."

"إذاً، ماذا ستفعلين؟" سأل والدها، ينتظر منها كلمة الفصل.

"سأتحدث مع يوسف مرة أخرى." قالت نور، ونظراتها ثابتة. "سأخبره أنني عرفتُ الحقيقة. وسأطلب منه أن يصارحني بكل شيء. وما سنقرره بعد ذلك... سأخبرك به."

غادر والد نور مكتبه، تاركاً ابنته وحيدةً مع أفكارها. كان هناك شعورٌ متزايدٌ بالثورة داخلها. ثورةٌ ضد الظلم، وضد الأكاذيب، وضد الوعود الفارغة.

خرجت نور من المكتب، واتجهت نحو حديقة المنزل. كانت أشعة الشمس تتسرب بين أوراق الأشجار، لكن نور لم تشعر بدفئها. نظرت إلى السماء، وبدأت تتحدث إلى الله بصمت. "يا رب، أنت تعلم بصدق قلبي. أنت تعلم أنني أردتُ الحب الحلال، والطريق المستقيم. أعطني القوة لأفعل الصواب، مهما كان صعباً."

كان عليها أن تواجه يوسف. يجب أن تعرف إن كان لديه أي مشاعر حقيقية تجاهها، أم أنه مجرد طرفٍ في لعبةٍ أكبر. يجب أن تتأكد إن كان هناك أي أملٍ لبناء شيءٍ حقيقيٍ بينهما، أو أن هذه العلاقة قد انحرفت عن مسارها قبل أن تبدأ.

تذكرت كلمات يوسف، "كنتُ آمل أن نعيش حياةً سعيدة، وأن تنسي أي شيءٍ قد يكدر صفو علاقتنا." هل كان صادقاً في تلك اللحظة؟ أم كانت مجرد محاولةٍ أخرى لتغطية الحقيقة؟

لم تعد نور تثق بأي شيء. كل ما كانت تعتقد أنه ثابت، أصبح الآن متزعزعاً. ولكن، في قلب كل هذه الفوضى، كان هناك خيطٌ رفيعٌ من الأمل. أملٌ في أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، ستكون هي البداية نحو طريقٍ صحيح.

نظرت إلى السماء مرة أخرى، وهمست: "قلبي اختارك، يوسف. لكن هل قلبك اختارني حقاً؟"

لم تكن تعلم الإجابة. لكنها كانت عازمةً على اكتشافها. مهما كلف الأمر.

*

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%