قلبي يختارك
صدى الكلمات في أروقة العرف
بقلم سارة العمري
في صباح اليوم التالي، استيقظت ليلى على أشعة الشمس الذهبية التي تتسلل من ستائر غرفتها، حاملةً معها دفء الأمل وتجدد الحياة. لكن هدوء الصباح لم يستطع أن يمحو تمامًا أثر القلق الذي ترسب في نفسها ليلة أمس. كانت الأفكار تتصارع داخلها: هل كانت مجرد هلوسةٍ سمعتها في الظلام، أم أن هناك حقًا ما جرى؟
نزلت ليلى إلى صالة المنزل، حيث كانت والدتها تعدّ الفطور، ورائحة الخبز الطازج والجبن تفوح في المكان. بادلتا التحية بابتسامةٍ تحمل دفء العائلة، لكن النظرة القلقة في عين ليلى لم تغب عن والدتها.
"صباح الخير يا أمي،" قالت ليلى وهي تقبّل يد والدتها.
"صباح النور يا حبيبتي. هل نمتِ جيدًا؟" سألت السيدة أمينة، بينما كانت تضع صحن الفاكهة أمام ابنتها.
"حاولت، أمي. لكن… القلق لا يزال يراودني."
"لا تقلقي يا صغيرتي. سنعرف ما حدث. أعتقد أن الحاج "أحمد"، جارنا في الطابق السفلي، لديه فضولٌ لا يشبع، وسيكون أول من يعرف بالأخبار. سأتحدث إليه بعد الإفطار."
لم تمر دقائق حتى طرق باب المنزل. كانت السيدة أمينة قد أرسلت طارقًا، ابن الحاج أحمد، ليسأل عن أحوال جارتهم. دخل طارق، وهو شابٌ في منتصف العشرينات، يرتدي ملابس بسيطة، لكن عينيه تحملان ذكاءً وفطنة. كان يعمل في محلٍ صغيرٍ للتصوير الفوتوغرافي، وهو شابٌ معروفٌ في الحي بمسؤوليته وهدوئه.
"صباح الخير يا خالتي، صباح الخير يا ليلى،" قال طارق بابتسامةٍ متواضعة.
"صباح النور يا طارق. تعال، اجلس معنا. أردت أن أسأل عن الضوضاء التي سمعناها ليلة أمس. هل لديكم أي فكرة عما حدث؟" سألت السيدة أمينة.
بدا طارق متفاجئًا قليلًا. "ضوضاء؟ لا، يا خالتي، لم نسمع شيئًا. أبي كان نائمًا مبكرًا، وأنا كنت في الخارج أعمل على مشروعٍ تصويري حتى وقت متأخر، وعدت بعد أن عاد الهدوء. ربما كان الصوت بعيدًا؟"
شعرت ليلى بخيبة أمل. إذا كان طارق لم يسمع شيئًا، فهل حقًا كانت مجرد هلوسة؟ لكن صوت الصرخة المكتومة ظلّ يرن في أذنيها.
"غريب،" قالت ليلى بصوتٍ منخفض، "لقد كان الصوت قريبًا جدًا، وبدا وكأنه قريبٌ من منزلنا."
"ربما،" قال طارق، ثم نظر إلى ليلى بنوعٍ من الاهتمام، "هل حدث شيءٌ خطير؟"
"لا نعلم،" قالت السيدة أمينة، "لكن ليلة أمس انقطعت الكهرباء لفترة، وفي تلك الأثناء سمعنا ضوضاءً وركضًا، ثم صوتًا غريبًا."
"يا إلهي،" قال طارق، "هل أنتم بخير؟"
"الحمد لله، نحن بخير،" طمأنت السيدة أمينة. "لكن الفضول يقتلني."
ابتسم طارق بخجل. "لا تقلقي يا خالتي، سأحاول أن أسأل بعض الجيران عند عودتي. ربما كان هناك شيءٌ بسيطٌ كقططٍ تتشاجر، أو ربما… لا أدري."
بعد أن تناول طارق فنجان قهوةٍ وبعض الحلوى، غادر المنزل، تاركًا ليلى في حالةٍ من التفكير. لم تكن مقتنعةً بأن ما سمعته كان أمرًا بسيطًا. كانت هناك مشاعرٌ مختلطةٌ تتصارع في داخلها: فضولٌ شديدٌ لمعرفة الحقيقة، وخوفٌ مما قد تكشفه تلك الحقيقة، وشعورٌ غامضٌ بأن هذا الحدث، مهما كان بسيطًا، يحمل في طياته رسالةً ما.
في تلك الفترة، كانت ليلى قد بدأت مشروعًا جديدًا في ورشةٍ فنيةٍ صغيرةٍ بالتعاون مع فتياتٍ أخريات من الحي. كانت الورشة مكانًا يجمع بين الأصالة والحداثة، حيث يتم تصميم الحلي التقليدية بلمساتٍ عصرية، وتطريز الأقمشة بنقوشٍ مستوحاةٍ من التراث. كان ذلك المشروع هو شغفها الحقيقي، حيث تستطيع أن تعبر عن إبداعها وتستلهم من روح المدينة العتيقة.
عندما ذهبت ليلى إلى الورشة، كان زميلاتها قد اجتمعن بالفعل. كانت "فاطمة"، الفتاة التي تدير الورشة، امرأةٌ قويةٌ وشغوفة، وشقيقتها "زينب"، الفتاة الهادئة والمبدعة، و"مريم"، الفتاة المرحة والمليئة بالحيوية.
"صباح الخير يا فتيات!" قالت ليلى وهي تدخل الورشة.
"صباح النور يا ليلى!" أجابت زينب بحماس، بينما كانت ترتب بعض الأقمشة الملونة.
"كيف حالك؟ تبدين شاردة الذهن بعض الشيء اليوم،" قالت مريم وهي تضع لمسةً أخيرةً على عقدٍ من الخرز.
"لا شيء،" قالت ليلى، "ربما لم أنم جيدًا. كان هناك شيءٌ غريبٌ حدث ليلة أمس."
أخبرتهن ليلى بما سمعته، وبدا على وجوههن علامات الدهشة والاهتمام.
"يا إلهي! ليلة أمس؟" قالت فاطمة، "غريب جدًا. أنا لم أسمع شيئًا. كنت أراجع بعض التصاميم حتى وقت متأخر."
"ولكن،" قالت زينب بتفكير، "اليوم في السوق، سمعت بعض الأحاديث عن حادثٍ غريبٍ وقع بالقرب من منزلكم. يقولون أن هناك شخصًا تعرض للسرقة، أو ربما… اعتداء."
اتسعت عينا ليلى. "اعتداء؟ وسرقة؟"
"نعم، هذا ما سمعته،" قالت زينب، "لكن التفاصيل غير واضحة. يقولون إن الشرطة جاءت، لكنهم لم يعثروا على شيءٍ واضح."
بدأت ليلى تشعر بأن ما سمعته ليس مجرد أفكارٍ في رأسها، بل أن هناك شيئًا حقيقيًا قد حدث. ربما كان ذلك الصوت الذي سمعته هو صوت الضحية، أو ربما كان صوت الجناة. شعرت بمسؤوليةٍ غريبةٍ تقع على عاتقها، وكأنها شاهدةٌ على جريمةٍ لم تفهم أبعادها بعد.
"هذا مخيف،" قالت مريم، "أتمنى أن يكون الجميع بخير."
"نعم،" قالت فاطمة، "لكن هذا يذكرنا بأن العالم ليس دائمًا هادئًا وجميلًا كما نتمنى. حتى في أحياءنا الهادئة، قد تحدث أمورٌ مفاجئة."
"ربما،" قالت ليلى، "لكنني أشعر بأن هناك شيئًا أعمق من مجرد حادثة عابرة. ذلك الصمت المفاجئ بعد الضوضاء… كان مخيفًا."
أمضت ليلى بقية يومها وهي تفكر في الأمر. كانت لديها رغبةٌ قويةٌ في معرفة المزيد، ولكنها كانت تخشى أن تتدخل فيما لا يعنيها، وأن تثير المشاكل. لكن في أعماقها، كانت تشعر بأن هذا الحدث قد يكون مفتاحًا لشيءٍ ما، ربما لحدثٍ سيشكل جزءًا من مسار حياتها، أو ربما لقاءً غير متوقع.
عندما عادت إلى منزلها، وجدت والدتها تتحدث مع الحاج أحمد. كان يبدو قلقًا.
"يا أمينة،" قال الحاج أحمد، "ابني طارق قال إنك سألتِ عن الضوضاء. سمعتُ الآن من بعض الشباب أن هناك محاولة سرقةٍ فاشلةٍ وقعت ليلة أمس بالقرب من هنا. ولكن لم يتم القبض على أحد."
"محاولة سرقة؟" كررت السيدة أمينة، "وهل تأذى أحد؟"
"لا، الحمد لله. لكن الشاب الذي تعرض للمحاولة كان خائفًا جدًا. ويقولون إن اللص هرب قبل أن يتمكن أحدٌ من رؤيته بوضوح."
نظرت ليلى إلى والدتها، ثم إلى الحاج أحمد. شعرت بأن تلك الهمسة التي سمعتها في سراديب الليل لم تكن مجرد صدى، بل كانت بداية قصةٍ حقيقية. قصةٌ تتشابك فيها حياة الأبرياء مع خيوط الجريمة، قصةٌ قد تجمعها، بطريقةٍ ما، بقلبٍ آخر لم تره بعد، لكنه ربما كان يبحث عنها في زحام هذه الحياة.