الفصل 20 / 25

قلبي يختارك

مواجهة العهد المكسور

بقلم سارة العمري

كانت نور قد اتخذت قرارها. لم تعد تسمح لأحدٍ بالتحكم في مصيرها. بعد مواجهتها مع والدها، التي كشفت عن الأسرار التي كانت تغلف زواجها، شعرت بأنها قادرةٌ على مواجهة أي شيء. أمسكت بهاتفها، وأخذت نفساً عميقاً قبل أن تتصل بيوسف. كان الاتصال الأول يذهب مباشرةً إلى بريده الصوتي، مما زاد من قلقها. هل كان يتجنبها؟ هل كان يتظاهر بأنه غير موجود؟

لم تستسلم نور. اتصلت به مرة أخرى، وبعد لحظاتٍ قليلة، سمعت صوته المتردد. "نور؟"

"يوسف، علينا أن نتحدث." قالت نور، وكان صوتها حازماً، يخلو من أي ضعفٍ أو تردد.

"أين؟ ومتى؟" سأل يوسف، وبدا عليه التوتر.

"في نفس المكان الذي تحدثنا فيه بالأمس." قالت نور. "عند شجرة السدر. والآن."

أنهت نور المكالمة قبل أن يسمع أي اعتراض. كان عليها أن تواجهه في المكان الذي انكشفت فيه كل الأكاذيب. كانت تتخيل هذا اللقاء، وكانت تستعد ذهنيًا للأسوأ.

عندما وصلت إلى شجرة السدر، وجدت يوسف ينتظرها. كان يقف وظهره للشجرة، يرتدي نفس الملابس التي كان يرتديها بالأمس، وكأنه لم يغادر المكان. بدا عليه الاستسلام، لكن عينيه كانتا تحملان بريقاً من الأمل، أو ربما من الترقب.

"لقد جئتِ." قال يوسف، وكأنه يتنفس الصعداء.

"لقد جئت لأسمع الحقيقة كاملةً يا يوسف." قالت نور، واقتربت منه ببطء. "ليس مجرد نصف حقيقة. أريد أن أسمع منك كل شيء."

نظر يوسف إليها، وبدا عليه الصراع. "لقد قلتُ لكِ كل شيء بالأمس."

"لا، لم تقل." قالت نور، ووقفت أمامه مباشرةً. "لقد قلت لي جزءاً من القصة. الجزء الذي يتعلق بديون والدك. لكنك لم تخبرني لماذا أنت بالذات؟ ولماذا أنا؟"

تنهد يوسف، وبدا عليه التعب. "لقد تزامن كل شيء. عندما عرف والدي، رحمه الله، أن والدكِ وقع في مأزق، وأنه سيخسر كل شيء، رأى في زواجنا فرصةً لإنقاذ العائلتين. وافق والدكِ على الاقتراح. أما أنا..."

تردد يوسف، ونظر إلى الأرض. "في البداية، لم أكن مرتاحاً للفكرة. كنتُ أتمنى أن تكن علاقتنا مبنيةً على الحب الصادق. لكنني رأيتُ فيكِ ما لم أره في غيركِ. رأيتُ فيكِ العفة، والتقوى، والجمال الأخلاقي. وبدأتُ أشعر بمشاعر نحوكِ. مشاعرٌ لم أكن أتوقعها."

"مشاعر؟" سألت نور، وشعرت ببعض الارتياح، لكن الشك لم يزل يساورها. "وهل كانت هذه المشاعر كافيةً لتجعلكَ توافق على أن تكون جزءاً من صفقة؟"

"الصفقة كانت موجودةً قبل أن أعرفكِ يا نور." أجاب يوسف بصدق. "لقد كانت ترتيباً بين والدي ووالدكِ. لكنني عندما رأيتكِ، حاولتُ أن أجعل الأمر أفضل. حاولتُ أن أكون الزوج الصالح، والحبيب الوفي. حاولتُ أن أبني معكِ علاقةً حقيقية. ولكنني، في نفس الوقت، لم أستطع أن أتجاهل اتفاق والدي. لقد ظننتُ أنني عندما أتقي الله فيكِ، وأن أعاملكِ بالحب والاحترام، فإن الماضي لن يكون له أي تأثير."

"لكن له تأثيراً يا يوسف!" قالت نور، وارتفعت نبرة صوتها. "لقد عشتُ أياماً وليالي في شكٍ وخوف. كنتُ أتساءل عن كل شيء. عن كل كلمةٍ قلتها، وعن كل نظرةٍ تبادلتها معك. لقد دمرتَ شعوري بالأمان."

"أعلم." قال يوسف، ونظر إليها بعينين مليئتين بالأسف. "وأنا أتحمل المسؤولية الكاملة عن ذلك. لقد أخطأتُ في عدم مصارحتكِ منذ البداية. لقد خفتُ أن أخسركِ، وخفتُ أن تحملي كل هذا العبء وحدكِ. ظننتُ أنني إذا أبقيتُ الأمر سراً، فإنه سيختفي مع مرور الوقت."

"لكنه لم يختفِ يا يوسف." قالت نور، وصوتها بدأ يخفت. "لقد أصبح أكبر وأقوى. لقد دمر كل شيء."

"ولكن، هل كل شيءٍ قد دمر؟" سأل يوسف، وبدت كلماته تحمل أملاً خافتاً. "نور، أنا لا أستطيع أن أغير الماضي. لا أستطيع أن أمحو ما حدث. لكنني أستطيع أن أعدكِ بالمستقبل. أعدكِ بأن أكون زوجاً لكِ، وصديقاً لكِ، وشريكاً لكِ في كل شيء. أعدكِ بأن أبذل قصارى جهدي لأجعلكِ سعيدة. وأن أبني علاقتنا على أساسٍ من الصدق والوفاء."

نظر يوسف إلى يد نور، ثم مد يده ليمسك بها. هذه المرة، لم تتردد نور. لقد رأت في عينيه صدقاً عميقاً، وندماً حقيقياً. لقد رأت رجلاً وقع في فخ الظروف، ولكنه لم يفقد بوصلته الأخلاقية.

"ولكن، ماذا عن والدك؟" سألت نور. "هل ما زال هناك أي شيءٍ يتعلق بالديون؟"

"لقد تم تسوية الأمر." قال يوسف. "لقد أخبرتُ والدي، قبل وفاته، أنني أريد أن تكون علاقتي معكِ حقيقية. لقد قام بإلغاء كل شيء يتعلق بالديون. لقد قال لي: "إن تزوجتها، فليكن ذلك عن حبٍ ورضا، لا عن اتفاقٍ مالي"."

كانت هذه الكلمات بمثابة نسمةٍ منعشةٍ لروح نور. شعرت بأنها تقف على أرضٍ صلبةٍ مرة أخرى. إن لم يكن هناك ديون، وإن كان يوسف يقف أمامها طواعيةً، مدفوعاً بمشاعره، فإن الأمور قد تكون مختلفة.

"إذاً،" قالت نور، وشعرت بأنها تتنفس الصعداء، "إذاً، لم يعد هناك أي سببٍ يجعلنا مرتبطين ببعضنا البعض بالقوة؟"

"لا." أجاب يوسف، وبدت كلماته حاسمة. "لا يوجد أي سببٍ سوى... إذا كنتِ ترغبين في ذلك."

نظرت نور إلى يوسف، وإلى عينيه التي كانت تحمل كل الأمل. لقد رأته بالأمس، كشريكٍ في صفقة. واليوم، رأته كشخصٍ يعترف بأخطائه، ويقدم لها فرصةً ثانية.

"قلبي اختارك يا يوسف." قالت نور، وبدأ صوتها يزداد ثباتاً. "ولكن هذا القلب لم يعد يتحمل الأكاذيب. إذا كنتَ حقاً تريدني، فيجب أن تكون مستعداً لبناء علاقتنا على الصدق المطلق. كل شيءٍ يجب أن يكون واضحاً بيننا. كل كلمة، وكل نظرة."

ابتسم يوسف ابتسامةً واسعة، خاليةً من أي قلق. "أعدكِ يا نور. من الآن فصاعداً، لن يكون هناك أي شيءٍ مخفيٌّ بيننا. سأكون كتاباً مفتوحاً لكِ. وسأعمل بكل قوتي لأكسب ثقتكِ، ولكي يكون قلبي، الذي اختاركِ، مستحقاً لاختيارك."

مدت نور يدها، وأمسكت بيده بقوة. شعرت ببعض الدفء يسري في جسدها، دفءٌ لم يكن مجرد حرارة، بل كان دفء الأمل، ودفء بدايةٍ جديدة.

"إذاً،" قالت نور، "دعنا نبدأ من جديد. دعنا نبني علاقةً حقيقية، علاقةً ترضي الله، وتكون مصدر سعادتنا."

"نعم،" أجاب يوسف، "دعنا نبدأ."

عاد يوسف ونور إلى المنزل، وهذه المرة، لم يكونا كالغرباء الذين يلتقون عن طريق الصدفة. كانا كشخصين قررا خوض غمار الحياة معاً، بعد أن تجاوزا الصعاب.

أخبرت نور والدها عن حديثها مع يوسف، وعن اتفاقهما. شعر والدها براحةٍ كبيرة، وبدأ يشعر بقليلٍ من الندم على ما فعله.

"لقد أخطأتُ يا ابنتي." قال لوالدته. "لكنني كنتُ أريد الأفضل لكِ. الآن، أتمنى لكما كل السعادة."

كانت تلك نهاية فصلٍ مؤلم، وبداية فصلٍ جديد. فصلٌ يتطلب الكثير من الجهد، والكثير من الصبر، ولكن الأهم، أنه سيكون مبنياً على أسسٍ متينةٍ من الصدق والحب، أسسٍ تجعل قلب نور، الذي اختاره، يطمئن.

لكن، حتى في هذه اللحظة السعيدة، كانت هناك همساتٌ من المستقبل، ذكرياتٌ من الماضي، أسئلةٌ لم تُطرح بعد. هل ستكون رحلتهما سهلة؟ هل ستكون العقبات قد انتهت؟

لم تكن نور تعلم. لكنها كانت مستعدةً لمواجهة ما يأتي، مع يوسف بجانبها، وبقلبٍ اختار، واكتشف.

*

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%