قلبي يختارك
ظلالٌ من زمنٍ فات
بقلم سارة العمري
تسللت خيوط الشمس الأولى عبر نافذة غرفة مكتبة "سالم" العتيقة، تداعب غبار السنين المتراكم على رفوف الكتب التي تفوح منها رائحة الورق القديم والجلد المدبوغ. كانت المكتبة، التي ورثها سالم عن جده، عالمًا قائمًا بذاته، مكانًا تجتمع فيه حكمة الأقدمين وأسرار الماضي. سالم، شابٌ في أواخر العشرينات، ذو ملامحٍ عربيةٍ أصيلة، وعينين تحملان بريق الذكاء والتفكير العميق، كان يقضي معظم وقته بين هذه الكتب. لم يكن مجرد مالكٍ لمكتبة، بل كان حافظًا لتراثٍ غني، وباحثًا عن معانٍ أعمق في صفحات التاريخ.
كان سالم معروفًا في الحي بهدوئه، ورزانته، وحرصه على دينه وخلقه. لم يكن من محبي الأضواء، بل كان يفضل العزلة الهادئة، يتحدث إلى الكتب أكثر مما يتحدث إلى الناس. لكن هذه العزلة لم تكن نابعةً من انطواءٍ مرضي، بل من شغفٍ كبيرٍ بالمعرفة، ورغبةٍ في فهم أعماق النفس البشرية من خلال تجارب الآخرين.
في صباح ذلك اليوم، وبعد سماعه عن حادثة محاولة السرقة التي وقعت بالقرب من منزل ليلى، شعر سالم بنوعٍ من القلق. لم يكن يعرف ليلى شخصيًا، لكنه سمع عنها الكثير من زميلاتها في الورشة الفنية. كان يعرف أنها فتاةٌ ذات خلقٍ رفيع، وابنةٌ لعائلةٍ محترمةٍ ومعروفةٍ بعلمها. وشعر بأن أي اعتداءٍ على شرف أو أمن شخصٍ في حيه هو أمرٌ يمسّه شخصيًا.
بعد أن أتمّ واجباته في المكتبة، قرر سالم أن يذهب إلى ورشة ليلى الفنية. لم يكن سبب زيارته هو الفضول فقط، بل كان يحمل في قلبه احترامًا عميقًا للنساء اللواتي يسعين للعلم والعمل الشريف. كان يؤمن بأن المرأة، عندما ترتدي حلة العفة والعلم، هي أعظم هديةٍ تقدمها للمجتمع.
عندما وصل سالم إلى الورشة، كانت ليلى منشغلةً بتصميم قطعةٍ جديدةٍ من الحلي، تتأمل فيها بعينين مركزتين. كانت أصابعها تتحرك بخفةٍ ودقة، وكأنها تعزف لحنًا صامتًا على المعدن.
"السلام عليكم،" قال سالم بصوتٍ هادئٍ وعميق.
التفتت ليلى، وفوجئت برؤية شابٍ لم ترَه من قبل. كان حضوره هادئًا، وملابسه بسيطة، لكن عينيه كانت تحملان ثقلًا ووقارًا.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،" أجابت ليلى، بينما كانت تشعر بنوعٍ من الارتباك.
"أنا سالم، مالك مكتبة سالم،" قال سالم، "سمعت عن الحادث الذي وقع ليلة أمس بالقرب من منزلكم، وأردت أن أتأكد بنفسي من أنكم بخير. أرجو أن تعذروني على التدخل، لكنني شعرت بمسؤوليةٍ ما."
ابتسمت ليلى ابتسامةً خفيفة، وشعرت بارتياحٍ لصدق كلماته. "شكرًا لك يا سالم. نحن بخير والحمد لله. كان مجرد محاولة سرقة، ولم نتأذّ."
"الحمد لله،" قال سالم. "لكن هذا النوع من الحوادث يزعجني. لا أعلم لماذا يميل بعض الناس إلى إيذاء الآخرين. هل لديكم أي تفاصيل عن الجاني؟"
"لا، لم يره أحدٌ بوضوح،" قالت ليلى، وبدأت تتذكر تفاصيل ليلة أمس، "لكنني سمعت صوتًا غريبًا. صوتٌ كأنه كان مكتومًا."
"مكتومًا؟" كرّر سالم، وبدأت عيناه تلمعان بنوعٍ من التفكير العميق، "هذا غريب. هل كان صوت رجلٍ أم امرأة؟"
"لا أعلم. كان قصيرًا جدًا، ثم سكت كل شيء."
"ربما كان الجاني خائفًا من أن يتم اكتشافه،" قال سالم، ثم صمت قليلًا، يفكر. "أنا أعمل كثيرًا مع الكتب، وأحيانًا أجد فيها قصصًا عن أحداثٍ مشابهة. هناك دائمًا دوافع خفية للأفعال، ودائمًا ما يكون هناك شيءٌ أعمق من السطح."
تحدث سالم وليلى عن الأمر لبعض الوقت، وتبادلا وجهات النظر. لم تشعر ليلى بالملل أبدًا. كان كلام سالم منظمًا، يحمل عمقًا وفهمًا، وكان حضوره مريحًا. لأول مرةٍ منذ زمنٍ طويل، شعرت بأنها تتحدث مع شخصٍ يفهمها، شخصٌ لا يرى فيها مجرد فتاةٍ تبحث عن زوج، بل إنسانةً لها أحلامها وشواغلها.
"أتمنى أن يتم القبض على هذا الشخص،" قالت ليلى. "حتى لا يتمادى في أفعاله."
"إن شاء الله،" قال سالم. "لكن علينا أن نكون حذرين دائمًا. وأن ندعو الله أن يحفظنا من كل سوء."
قضى سالم وقتًا أطول في الورشة، يتأمل أعمال ليلى الفنية. أعجبته دقة تصميماتها، وروحها الشرقية الأصيلة التي تتجلى في كل قطعة. "أعمالك جميلة جدًا يا ليلى،" قال، "تحمل روحًا فريدة."
"شكرًا لك،" قالت ليلى، وشعرت بخجلٍ سعيد. "هذا بفضل الله، ثم بفضل تشجيع زميلاتي."
"أرى في أعمالكِ شغفًا وحبًا لما تفعلين،" قال سالم. "وهذا أمرٌ نادرٌ هذه الأيام. الناس يسعون وراء الماديات، وينسون شغف أرواحهم."
"الشغف هو ما يجعل الحياة تستحق العيش، أليس كذلك؟" قالت ليلى، وابتسمت ابتسامةً واسعة.
"بالتأكيد،" أجاب سالم، وشعر بشعورٍ غريبٍ يجتاحه. لأول مرةٍ يشعر بتواصلٍ حقيقي مع فتاة. لم يكن الأمر يتعلق بالجمال الظاهري، بل بشيءٍ أعمق، بروحٍ تتلاقى مع روحه.
بعد أن حان وقت المغادرة، شكر سالم ليلى على وقتها، ووعدها بأن يزورها مرةً أخرى. عندما غادر، شعرت ليلى بفراغٍ مفاجئ. لم تكن تعلم سبب هذا الشعور، لكنها أدركت أنها قد وجدت في حديثها مع سالم شيئًا لم تكن تبحث عنه، لكنها كانت تحتاجه.
في تلك الليلة، وبينما كانت ليلى تتأمل النجوم من شرفتها، لم تعد تفكر في الأمس. بل كانت تفكر في المستقبل، في ذلك اللقاء الغريب، وفي تلك الهمسة التي سمعتها، والتي قد تكون حقًا بدايةً لحكايةٍ أخرى. حكايةٍ بدأت بظلالٍ من الماضي، ولعلها تقودها إلى نورٍ قادم.