الفصل 4 / 25

قلبي يختارك

تعقيداتٌ في دروبٍ ملتفة

بقلم سارة العمري

مرت الأيام، وما زالت حادثة محاولة السرقة تثير القلق في أوساط الحي. على الرغم من عدم وجود تفاصيل واضحة، إلا أن الأحاديث كانت تتناقل، وتزيد من التوتر. ليلى، بدورها، لم تستطع نسيان لقائها بسالم. كانت تجد نفسها تفكر فيه كثيرًا، تتذكر هدوءه، وعمق حديثه، واحترامه الظاهر. كانت تعلم أن المجتمع الذي تعيش فيه يفرض قيودًا، وأن العلاقات بين الرجال والنساء يجب أن تسير وفق ضوابط شرعية وأخلاقية. لم تكن ليلى من النوع الذي يتجاوز الحدود، لكنها شعرت بشيءٍ مختلفٍ في تعاملها مع سالم. لم يكن مجرد شابٍ يقدم لها المساعدة، بل كان يشعرها بأنها مفهومة، وأن عقلها وشغفها محل تقدير.

كانت زميلاتها في الورشة يلاحظن التغير. "ماذا يحدث يا ليلى؟" سألت فاطمة ذات يوم، وهي ترى ليلى تنظر إلى هاتفها بترقب، "هل تنتظرين اتصالاً مهمًا؟"

ابتسمت ليلى ابتسامةً مرتبكة. "لا، لا شيء. فقط… أفكر في بعض التصاميم."

"تصاميم؟" ضحكت مريم. "أم أن هناك شخصًا معينًا في بالكِ؟"

شعرت ليلى بالخجل. "كفى يا فتيات! أنا فقط… أشعر بالارتياح عندما أتحدث إلى سالم. هو يفهم اهتماماتي، ويرى في أعمالي شيئًا مميزًا."

"وهذا جيد جدًا!" قالت زينب بحماس. "عندما تجدين شخصًا يشاركك اهتماماتك، فهذه نعمةٌ عظيمة. لكن احذري يا ليلى، فالحياة مليئةٌ بالتعقيدات، والرجال أحيانًا يكونون ذوي دوافع مختلفة."

"أعلم ذلك،" قالت ليلى بهدوء. "لكنني أرى في سالم صدقًا. وأنا أثق بأن الله لن يخذلني. إذا كان خيرًا لي، فسييسره."

لم تكن ليلى تعلم أن تساؤلات زينب حول دوافع سالم لم تكن مجرد شكوكٍ عابرة. فقد كانت هناك قوى خفية تحاول أن تعبث بسلام الحي، وأن تستغل أي فرصةٍ للانقضاض على ما هو غالٍ وثمين.

وفي تطورٍ مفاجئ، بدأت تظهر بعض الشائعات في الحي حول سالم. لم تكن شائعاتٍ عادية، بل كانت تحمل طابعًا شخصيًا، تصفه بأنه شابٌ طائش، لا يحترم الأعراف، ويتعامل مع النساء بشكلٍ غير لائق. كانت هذه الشائعات تحمل نبرةً من الحسد والغيرة، وتستهدف سمعة سالم، وبالتالي، سمعة كل من يتعامل معه.

كانت ليلى أول من سمع هذه الشائعات. جاءتها زينب، بوجهٍ شاحب، وقالت لها: "يا ليلى، سمعتُ بعض الأحاديث عن سالم. يقولون إنه… ليس كما يبدو. يقولون إن علاقته بالنساء تتجاوز الحدود."

شعرت ليلى بالصدمة. "هذا غير صحيح! أنا أعرف سالم. هو شابٌ محترمٌ وخلوق."

"أعلم أنكِ تثقين به،" قالت زينب بحزن، "لكن الشائعات بدأت تنتشر بسرعة. وهناك من يحاول أن يفسد سمعته. ربما يكون هناك سببٌ لهذا؟ ربما لم تكن تتعاملين معه في الورشة فقط؟"

"ماذا تقصدين؟" سألت ليلى، وبدأت تشعر بقلبها ينقبض.

"لا أعلم،" قالت زينب، "لكن يبدو أن هناك من يراقبنا، ومن يحاول أن يجد أي ثغرةٍ ليطعن بها سمعتنا. خاصةً أن ورشتنا أصبحت مكانًا يرتاده الكثيرون، وشهرتها بدأت تنتشر."

أصيبت ليلى بالإحباط. كانت تعتقد أن سعادةً بسيطةً قد بدأت تلوح في الأفق، لكن سرعان ما بدأت الظلال تتجمع. لم تكن تريد أن تصدق هذه الشائعات، لكنها كانت تعلم أن الحسد والغيرة قد يدفعان الناس إلى قول أي شيء.

في غضون ذلك، بدأت تتزايد الضغوط على سالم. فقد بدأ بعض العملاء القدامى لمكتبته يترددون في التعامل معه، متأثرين بالشائعات. شعر سالم بمرارةٍ شديدة. لم يكن يفعل شيئًا خاطئًا. كان يسعى لرزقه بالحلال، ويحافظ على دينه.

"يا أبي،" قال سالم لوالده، الشيخ "محمد"، وهو رجلٌ عالمٌ جليل، "لا أعلم ما الذي يحدث. الشائعات تنتشر كالنار في الهشيم. وهدفي الوحيد هو الحفاظ على إرث العائلة، وأن أكون مصدرًا للعلم والمعرفة."

تنهد الشيخ محمد. "يا بني، في كل عصرٍ وحين، هناك من يحسد الخير، ومن يحاول أن يطفئ نور الله بأفواههم. ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون. لا تدع هذه الشائعات تفت من عضدك. استمر في طريقك، وتوكل على الله."

"لكن يا أبي، سمعة عائلتنا… سمعتي… هذا يؤلمني."

"السمعة الحقيقية هي ما عند الله، يا بني. أما ما يقوله الناس، فكله زائل. أثبت لهم بأفعالك الطيبة أنهم مخطئون. كن قويًا، كن صادقًا."

كانت كلمات والد سالم قويةً ومرشدة. لكن سالم لم يكن يعلم أن وراء هذه الشائعات قوىً أكبر، وأن هناك من يتربص به. لم يكن يعلم أن بعض هذه الشائعات مرتبطةٌ بشكلٍ مباشرٍ بحادثة محاولة السرقة التي وقعت، وأن هناك خيوطًا قديمةً تتشابك مع حاضره.

بدأت ليلى تشعر بالخوف. لم تكن تريد أن تكون سببًا في أي مشكلةٍ لسالم. كانت تحترمه، وكانت معجبةً به، لكنها لم تكن مستعدةً للدخول في دوامةٍ من الشائعات والاتهامات. في الوقت نفسه، لم تستطع أن تتجاهل ما تشعر به تجاهه. كان هناك رابطٌ روحيٌ يتكون بينهما، رابطٌ يحتاج إلى التمحيص والاختبار.

في لحظةٍ من الشك، فكرت ليلى في الابتعاد، في قطع كل علاقةٍ قد تسبب لها ولعائلتها الحرج. لكن شيئًا ما بداخلها منعها. كانت تشعر بأن سالم بريء، وأن هناك من يحاول أن يوقع به. ولم تكن مستعدةً للتخلي عنه دون معرفة الحقيقة.

في قلب هذه التعقيدات، بدأت ليلى تشعر بثقلٍ لا تعرف مصدره. كان هناك صوتٌ داخليٌ يصرخ بالحقيقة، وصوتٌ خارجيٌ يحاول أن يطمسها. كانت تعيش صراعًا داخليًا، يتجاوز مجرد مشاعر الإعجاب، ليشمل الشك، والخوف، والولاء. وللمرة الأولى، شعرت ليلى بأن قلبها، الذي لطالما بحث عن وجهته، قد وجد نفسه في منعطفٍ خطير، حيث الظلال تتكالب، والحقيقة تبدو بعيدة المنال.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%