الفصل 7 / 25

قلبي يختارك

إدمان الأمل ودائرة الشك

بقلم سارة العمري

تسللت خيوط الشك إلى قلب ليلى كالنمل الذي يمشي بصمتٍ على جدران البيت. لم يكن شكاً في فارس نفسه، بل في قدرته على المواجهة. كانت ترى في عينيه، في حيرته، دليلاً على أنه يميل إلى الاستسلام للضغوط. كان هذا الإدمان الجديد، إدمان الأمل المستمر في أن يتغير الحال، هو ما كان يغذي قلقها. كانت تتشبث بكل كلمةٍ جميلةٍ قالها لها، بكل وعدٍ همس به، كما يتشبث الغريق بقطعة خشبٍ في بحرٍ هائج.

"هل يعتقد حقاً أنه يستطيع أن يرضي الجميع؟" تساءلت ليلى في وحدتها، وهي تتأمل ضوء القمر الذي تسلل من نافذتها. "أمي تقول لي دائماً: 'الحياة ليست قصة خيالية'. وأنا أخشى أن فارس يعيش في قصة خيالية، قصةً قد تنتهي نهايةً مؤلمة."

كانت والدة ليلى، السيدة فاطمة، تشعر بقلقٍ متزايدٍ على ابنتها. كانت تلاحظ شحوب وجهها، وقلة نومها، وتشتتها الذهني. في أحد الأيام، جلست معها، وأمسكت بيديها بحنان.

"يا ابنتي،" قالت بصوتٍ هادئ، "لا أريد أن أرى حزنك. أعرف أنكِ معجبةٌ بفارس، وأنه يبدو شاباً طيباً. لكن هل تأكدتِ من صدق مشاعره؟ هل هو مستعدٌ للتضحية من أجلك؟"

لم تستطع ليلى أن تجيب. كل ما استطاعت فعله هو أن تضغط على يد والدتها، وتسمح لدموعها بالانهمار. كانت تعلم أن حب فارس، وإن كان حقيقياً، ربما لا يكون قوياً بما يكفي لمواجهة عاصفةٍ عائليةٍ كهذه.

من ناحيةٍ أخرى، كان فارس يشعر بأنه عالقٌ في دائرةٍ مفرغة. كانت والدته، السيدة هدى، تواصل ضغوطها. كلما حاول أن يلمح لها عن مشاعره تجاه ليلى، كانت تهاجمه بكلماتٍ قاسية، تذكره بمصائر رجالٍ اختاروا الحب على العقل، وخسروا كل شيء.

"فارس،" قالت له ذات يوم، وهي تتأمل صورته مع ليلى في إحدى المناسبات الاجتماعية، "انظر إلى هذه الفتاة. هل هذه هي الفتاة التي تريد أن تقضي معها بقية حياتك؟ هل ترى فيها الصلابة التي تحتاجها امرأةٌ لتكون سنداً لرجلٍ مثلك؟ إنها تبدو ضعيفة، يا بني. وحياتنا تحتاج إلى القوة، لا إلى الهشاشة."

كانت كلمات والدته تصيب كرامة ليلى في مقتل، حتى لو لم تكن ليلى موجودةً لتسمعها. كان فارس يشعر بالظلم، لكنه في نفس الوقت، لم يستطع أن يقف في وجه والدته. لقد بنى عالمه كله على احترامها وطاعتها، وكان التخلي عن ذلك ضربةً قاسيةً له.

"يا أمي،" قال فارس، محاولاً أن يبدو هادئاً، "لا تحكمي على ليلى بهذه السرعة. إنها قويةٌ بطريقتها. ولديها قلبٌ طيب، وهذا أهم شيء."

"القلب الطيب لا يكفي يا فارس." ردت والدته ببرود. "أنا أريد لكِ زوجةً تعرف كيف تدير منزلاً، وكيف تدعم زوجها في أعماله، وكيف تكون أماً حنونةً لأبنائكما. هل ليلى قادرةٌ على كل هذا؟"

بدأت والدة فارس، وبشكلٍ غير مباشر، تثير الشكوك في عقل فارس نفسه. لم يكن يدرك أنه بدأ يتأثر بكلامها. بدأ يشك في قدرته على حماية ليلى من هذه الضغوط، وشك في قدرته على منحها الحياة التي تستحقها. هذا الشك، الذي ولد من إدمان والدته على إثارة المخاوف، بدأ يتسلل إلى قلبه.

في إحدى اللقاءات، شعرت ليلى بأن فارس أكثر برودةً من المعتاد. كانت كلماته قصيرة، ونظراته متشتتة.

"فارس،" قالت، وعيناها مليئتان بالقلق، "هل حدث شيء؟"

نظر إليها فارس، وبدا وكأنه يخفي شيئاً. "لا شيء يا ليلى. فقط… بعض المتاعب."

"متاعب تتعلق بي؟" سألت ليلى، وحاولت أن تخفي صوتها المرتعش.

تردد فارس. "إنها… معقدة."

"قل لي يا فارس." ألحت ليلى. "أنا أحبك، وأنا جزءٌ من هذا. أريد أن أعرف."

"والدتي… تضغط عليّ بشدة." اعترف فارس أخيراً. "إنها لا تريدنا أن نكون معاً. وهي… تخبرني أشياءً عنكِ، وعن عائلتكِ، تجعلني أفكر."

شعرت ليلى وكأن الأرض تميد بها. "تخبرك أشياءً؟ ماذا تقصد؟"

"تقول إنكِ لستِ قويةً بما يكفي، وإنكِ لن تستطيعي أن تتحملي المسؤوليات. وتقول إن عائلتي لن تقبل بكِ أبداً."

انهارت ليلى. لم تتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد. لم تكن تعلم أن حبها لفارس، وحبه لها، يمكن أن يصبحا سبباً في هذه المعاناة.

"إذن… هل تصدقها؟" سألت ليلى بصوتٍ مكسور. "هل تصدق أنني لستُ قوية؟"

نظر إليها فارس، ورأى الدموع التي بدأت تتساقط على خديها. شعر بالندم، وبأن كلماته كانت قاسية. "لا يا ليلى، لا أصدقها. لكنها… أمي. ولا أستطيع أن أشق طريقي ضدها تماماً."

كان هذا الاعتراف بمثابة ضربةٍ قاصمة. شعرت ليلى بأن حبها ليس قوياً بما يكفي، وأن فارس، في النهاية، سيختار طريق والدته. هذا الإدمان على الأمل، الذي كان يبقيها قويةً، بدأ يتلاشى.

"إذاً… ماذا نفعل؟" سألت ليلى، وهي تبكي بصوتٍ خافت.

"لا أعرف." اعترف فارس، وألقى نظرةً بعيدةً. "أنا… أنا ضائع."

هذا الإدمان على العلاقة، الذي كان يدفع فارس وليلى للتمسك ببعضهما البعض، أصبح الآن يشكل عبئاً ثقيلاً. كان إدمان الأمل، إدمان الشك، وإدمان الضغط العائلي، كلها عوامل تتشابك لتخلق صراعاً أعمق. كانت ليلى تشعر بأنها عالقةٌ في دوامةٍ من المشاعر المتناقضة، بين حبها لفارس، ورغبتها في رؤيته سعيداً، وبين خوفها من أن تكون سبباً في شقاقه مع والدته، أو أن تضحي بمستقبلها من أجل حبٍ قد لا يدوم.

أما فارس، فقد كان عالقاً بين قلبه وعقله، بين حبه لليلى ورغبته في إرضاء والدته. كان هذا الإدمان على التردد، وعلى الشك، هو ما جعله يتصرف بطريقةٍ مؤذية، دون أن يقصد ذلك. كان يدرك أن أفعاله تؤلم ليلى، لكنه كان في نفس الوقت، غير قادرٍ على كسر قيود والدته.

كان هذا الفصل بمثابة نقطة تحولٍ خطيرة. لم تعد العلاقة مجرد قصة حبٍ بريئة، بل أصبحت صراعاً حقيقياً ضد ظروفٍ خارجيةٍ قاسية، وضد ضعفٍ داخليٍّ قد يقضي على كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%