قلبي يختارك
همس الأقدار وخفقان الأمل
بقلم سارة العمري
كانت ليالي شهر رمضان تزداد بهجةً وسكينةً في بيت الحاج إبراهيم. الأجواء العائلية الدافئة، صوت تلاوة القرآن يتردد في الأرجاء، ونسمات السحر وهي تحمل عبير الدعوات المستجابة، كل ذلك كان يخلق فسحةً من الطمأنينة في قلب أميرة. لكن قلباً كهذا، اعتاد أن يرقص على أنغام الحنين، لم يجد راحته الكاملة. كانت الأفكار تتزاحم في رأسها، تتسلل إليه كضياء خافت في غرفة معتمة. صورة أحمد، تلك النظرة الصادقة في عينيه، كلماته التي نسجت خيوطاً رفيعة من المودة حول روحها، كانت كلها تتجسد أمامها كلما أرخت سدول الليل.
في أحد الأيام، وبينما كانت تساعد والدتها في إعداد مائدة الإفطار، انتبهت أميرة إلى وجه والدها الحبيب. الحاج إبراهيم، الرجل ذو الهيبة والوقار، كان شارد الذهن، وعلامات القلق تعلو جبينه. اعتادت أميرة أن ترى فيه السند والقوة، ولكنه بدا في تلك اللحظة كغصنٍ يترنح تحت وطأة ريحٍ شديدة. "أبي، هل أنت بخير؟" سألت أميرة بصوتٍ حنون، واضعةً يدها برفقٍ على ذراعه. التفت الحاج إبراهيم إليها، وابتسامةٌ خفيفةٌ حاولت أن ترسم معالمها على شفتيه، لكنها لم تصل إلى عينيه. "بخير يا ابنتي، لا تقلقي. مجرد بعض الهموم التي تثقل كاهل المرء." "هل يمكنني مساعدتك؟" قالت أميرة، وهي تعلم أن والدها نادرًا ما يشكو همومه. تنهد الحاج إبراهيم وأخذ نفساً عميقاً. "الأمر يتعلق بالعمل يا أميرة. هناك بعض الصعوبات التي نواجهها، تتعلق بتوسع مصنعنا. نحتاج إلى سيولةٍ ماليةٍ إضافية، وقد كان لدي بعض الاتصالات، ولكن الأمور لم تتضح بعد." شعرت أميرة ببعض القلق، فهي تعلم مدى تعب والدها وجهده في بناء هذا المصنع الذي كان مصدر فخر العائلة. "هل الأمر خطير يا أبي؟" "لا، ليس خطيراً بالمعنى الحرفي، ولكننا بحاجة إلى قرارٍ سريع، والوقت ضيق." أجاب والدها، وعاد لشروده.
في تلك الأثناء، كان أحمد يعيش عالمه الخاص. بعد لقائه الأخير مع أميرة، كانت كلماتها الطيبة، وحياؤها الذي يفيض من أهدابها، ورقة حديثها، تركت أثراً عميقاً في نفسه. بدأ يراقبها عن بعد، يستمتع بلمحاتٍ عابرةٍ لوجهها في المسجد، أو وهي تتجول مع والدتها في السوق. كان يدرك أن علاقتهما يجب أن تسير في مسارٍ شرعي، وأن خطوةً جريئةً كهذه تتطلب تمهيداً وتقديراً. تحدث أحمد مع والده، الحاج محمد، عن رغبته في التقدم لخطبة أميرة. تفاجأ والده قليلاً، لكنه لم يخفِ سعادته. الحاج محمد، رجلٌ ذو خبرةٍ وحكمة، كان يرى في أميرة الفتاة المثالية لابنه. "خيرٌ لك يا بني. سمعتها طيبة، ودينها واضح، وأخلاقها عالية. بارك الله لك فيها." "ولكن يا أبي، أعرف أن والدها قد يمر ببعض الضغوط المالية، وقد لا يكون الوقت مناسباً لزيادة الأعباء عليه." قال أحمد، موضحاً قلقه. "الأرزاق بيد الله يا أحمد. وعلاقتنا بالحاج إبراهيم متينة. سأتحدث معه غداً، وإن شاء الله، تكون الأمور ميسرة." طمأن الحاج محمد ابنه.
في صباح اليوم التالي، توجه الحاج محمد لزيارة الحاج إبراهيم. رحب الحاج إبراهيم بضيفه بحرارة، وبعد تبادل التحيات والسؤال عن الأحوال، سأل الحاج محمد بجدية: "أبا خالد، جئت اليوم لزيارتك في أمرٍ يخص فلذتي كبدينا." ابتسم الحاج إبراهيم، وشعر ببعض الترقب. "تفضل يا أبا أحمد، قل ما عندك." "أعلم أن ابني أحمد، شابٌ واعد، ذو أخلاقٍ كريمةٍ ودينٍ قويم. وقد تعلق قلبه بابنتك أميرة، ويرغب في التقدم لخطبتها. وقد استأذنت منه، وجئتك ألتمس مباركتك ورضاك." تجلت على وجه الحاج إبراهيم ابتسامةٌ مشرقة، زالت معها كل غيوم الهم. لقد كان يرى في أحمد الشاب المناسب تماماً لابنته، شابٌ يحمل نفس القيم والمبادئ التي تربى عليها. "يا أبا أحمد، لقد كان هذا الأمر يسعدني كثيراً. أحمدٌ خير شابٍ نعرفه، وابنتنا أميرة تستاهل كل خير. لكني أخشى أن ظروفنا الحالية قد لا تسمح ببعض الأمور." "لا تقلق يا أبا خالد،" قال الحاج محمد بسرعة، "لا نريد أن نثقل عليكم. المهم هو ربط القلوب. وأما عن ترتيبات الزواج، فلتكن بما يتيسر، ونحن مستعدون للمساعدة بكل ما نستطيع." تبادلا نظراتٍ مليئةً بالتقدير والارتياح. لقد انفتحت سبلٌ جديدة، وسُبِقَت خطى القدر بخطواتٍ من الإيمان والتوكل.
عاد الحاج إبراهيم إلى منزله، وقلبه يرقص فرحاً. وجد أميرة في غرفتها، تقرأ كتاباً. "أميرة، يا ابنتي، تعالي." ناداها بصوتٍ فيه بهجةٌ لم تعهدها من قبل. اقتربت منه أميرة، ترى نوراً جديداً في عينيه. "ما الخبر يا أبي؟" "اليوم، جاءني الحاج محمد، والد أحمد. وطلب يدك لابنه أحمد." تسارعت أنفاس أميرة، وشعرت بأن قلبها يكاد يقفز من صدرها. احمرّ وجهها خجلاً، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ حياءٍ وفرح. لم تستطع أن تنطق بكلمة. "ما رأيك يا أميرة؟" سأل والدها، وهو يرى خجلها الساحر. "أبي، أنت تعرف رأيي. قلبي..." لم تكمل، فدموع الفرح بدأت تتساقط من عينيها. احتضنها الحاج إبراهيم بحنان. "الحمد لله. لقد طمأنتيني يا ابنتي. لقد زالت عني همومٌ كثيرة." في تلك الليلة، بينما كانت أميرة تستعد للنوم، جلست تتأمل سماء رمضان المرصعة بالنجوم. أفكارها لم تعد تتخبط كالسابق. أصبح هناك يقينٌ جديد، ورغبةٌ صادقةٌ في بناء مستقبلٍ مشرقٍ مع أحمد. لقد شعرت أن الدعاء الذي كانت ترفعه في جوف الليل قد استُجيب. شعرت بأن قلبها، الذي كان يختار الصمت، قد وجد أخيراً لغةً تبوح بها.
وفي بيت آل أحمد، كان أحمد مستبشراً. علم من والده بزيارة الحاج إبراهيم، وبشرى الخطبة التي بدأت ترتسم ملامحها. لم يكن هناك شيءٌ يعلو على سعادته. كان يتخيل حياته مع أميرة، تلك الحياة التي سترتسم بالرضا والتفاهم، وبالعشرة الطيبة التي ترضي الله.
لكن، القدر، في طياته، يحمل مفاجآتٍ لم تخطر على بال. في الوقت الذي بدأت فيه خيوط السعادة تتشابك، كانت هناك خيوطٌ أخرى، خيوطٌ مظلمة، تنسج نفسها بهدوء، لتلقي بظلالها على هذه البدايات المشرقة. شيءٌ ما كان يختبئ في زوايا الماضي، شيءٌ قد يعكر صفو هذه الرحلة المباركة.