حب الأبرار الجزء الثاني
الريح والصمت
بقلم مريم الحسن
كانت رائحة الندى والغبار تملأ هواء الغرفة، مختلطة بعبق بخور العود الذي انبعث من المبخرة النحاسية. ألقت الشمس خيوطها الذهبية الأولى عبر النافذة المزخرفة، لترسم على جدران قصرها الممتد لوحات راقصة من الضوء والظل. جلست "نور" على حافة النافذة، مرتعبة، تتأمل الصحراء الممتدة أمامها كبحر من الرمال الذهبية، تحت سماء صافية بلا غيوم، توحي بسكينة مفقودة. كانت عيناها الواسعتان، اللتان تشبهان بحيرات الليل الصافية، تلمعان بحزن دفين، وتكسو وجهها علامات الحيرة والقلق.
في يدها، كانت تتشبث بعنق عقد زمردي عتيق، هدية جدتها، يبرد أنفاسها ببرودته. كلما لامست أناملها الباردة لمعان الزمرد، شعرت ببرودة أشد تتسرب إلى قلبها، كأن التاريخ يسرد عليها ماضيه الثقيل. اليوم، كان يوماً مختلفاً، يوماً يحمل في طياته قدراً لا تدركه، ولا تستطيع أن تفهمه. اليوم، هو يوم العقد، يوم الزواج المنتظر، الذي طالما حلمت به، وترقبته، وتخيلته ملاذاً لعالمها الهش.
كانت "نور" ابنة الأمير "سلطان"، الرجل الذي امتدت سلطته ورجاله عبر أرجاء الصحراء الشاسعة. وريثة أميرة، وحفيدة سلالة حاكمة، كان من المفترض أن يكون مستقبلها محسوماً، مرسوماً بدقة، ومحفوظاً بعناية. لكن القدر، هذا الكاتب العظيم، كان لديه حبكة أخرى في جعبته.
صوت أقدام خفيفة على السجاد الفارسي الفاخر، قاطع شرودها. استدارت، لترى والدتها، الأميرة "فاطمة"، تقف عند مدخل الغرفة، وقد ارتسم على وجهها مزيج من القلق والحزم. كانت "فاطمة" امرأة قوية، ذات هيبة، ورغم سنوات عمرها، كانت لا تزال تحتفظ بجمال آسر، وروح لا تنحني.
"نور، يا ابنتي، ما هذا السكون؟" قالت بصوت حنون، لكنه يحمل نبرة أمر واضح. "حان وقت الاستعداد. الضيوف على وشك الوصول."
ابتسمت "نور" ابتسامة باهتة، وهمست: "أمي، هل أنتِ متأكدة؟"
اقتربت "فاطمة" منها، وضعت يدها على كتفها، وقالت بحنان: "يا حبيبتي، كل شيء مرتب. الأمير "راشد" رجل كريم، وسيصبح زوجكِ، وسندكِ."
"الأمير راشد..." رددت "نور" الاسم، وشعرت بغصة في حلقها. لم ترَ خطيبها سوى مرتين، في لقاءات رسمية، بعيدة، باردة. كان رجلاً مهيباً، ذو شارب كثيف، وعينين ثاقبتين، لكنه لم يزرع في قلبها أي شعور سوى الاحترام الواجب. لم يكن هناك شغف، ولا انسجام، فقط واجب.
"هل تخشين؟" سألت "فاطمة" بعينين متفحصتين. "إنها أمور طبيعية في هذه الليلة. سيتلاشى كل شيء مع الأيام، وستجدين فيه كل ما يرضيكِ."
"لستُ أخشى، يا أمي. لستُ قادرة على وصف ما أشعر به." قالت "نور" بصوت خافت، وهي تعود للنظر نحو الصحراء. "إنه شعور غريب، كأنني أقف على حافة عالم، وأتطلع إلى عالم آخر تماماً. عالم لا أعرف عنه شيئاً."
تنهدت "فاطمة" بخفة، وضمت ابنتها. "يا صغيرتي، الحياة ليست دوماً كما نتخيلها، لكنها مليئة بالمفاجآت الجميلة. أنتِ قوية، ونور. ولن يضيركِ شيء."
في الخارج، بدأت أصوات الموسيقى الخافتة ترتفع، معلنة عن وصول أولى القوافل. كانت القوافل تحمل ضيوفاً من قبائل بعيدة، ومن مدن تجارية مجاورة، كلهم جاءوا ليحتفلوا بزواج ولي عهد الصحراء.
في جناح آخر من القصر، كان الأمير "راشد" يستعد للقاء عروسه. كان يقف أمام مرآة ضخمة، يرتدي ثوباً مطرزاً بالذهب، وقد وضع على رأسه عمامة بيضاء ناصعة. كان وجهه يعكس جلداً سميكاً، ونظرة تحمل مسؤولية كبيرة، وعناداً لن يقبل المساومة.
"هل كل شيء جاهز؟" سأل مساعده، "سالم"، بلهجة قوية.
"نعم، يا سيدي. القصر يفيض بالبهجة، والضيوف مسرورون." أجاب "سالم" بانحناءة رأس.
نظر "راشد" إلى انعكاسه، وشعر بغصة خفيفة. كانت "نور" فتاة جميلة، جميلة بما يكفي لأن تسكن الأحلام، لكنها كانت أيضاً متوترة، وكأنها تحمل سراً. كان هو أيضاً يحمل سراً، سراً لم يفصح عنه لأحد، سراً سيغير مجرى حياته، ومجرى حياة "نور".
كانت "نور" قد رأت "راشد" في لقائهما الأول، في حفل استقبال أقيم على شرف وفد قادم من الشرق. كانت تراقب صورته من بعيد، تتأمل هندامه، وقامته، وشخصيته المهيبة. لم تكن تتجرأ على النظر إليه مباشرة، خوفاً من أن تلتقي نظراتهما، وأن يكشف عنها حزنها.
عندما دخل "راشد" إلى قاعة الاحتفالات، ارتفعت هتافات الترحيب. كانت القاعة تضيء بألف شمعة، وتعكس الثراء والبذخ. انتشرت رائحة الزهور والبهارات، وامتزجت بالأصوات المتناغمة.
في هذه الأثناء، كانت "نور" ترتدي ثوب زفافها الأبيض، الذي نسج من خيوط الحرير الفاخر، وزينت بالحلي الذهبية. كانت تشعر وكأنها عصفورة أسيرة، تنتظر أن توضع في قفص ذهبي.
عندما أُعلنت الخطوات الأخيرة، وآن الأوان للقاء العروسين، شعر قلب "نور" بالخفقان. كانت تمسك بيد والدتها، تسير نحو المصير الذي رسمه لها القدر.
عندما رأت "نور" "راشد" يقف منتصراً، يشع منه هالة من القوة، شعرت بذرة أمل صغيرة تتسلل إلى قلبها. ربما، ربما يكون هذا الزواج بداية جديدة، بداية تسمح لها بأن تنسى ماضياً موجعاً، وتشرق بضوء جديد.
وقف "راشد" أمامها، ونظر إلى عينيها. في تلك اللحظة، شعر بشيء غريب. لم تكن مجرد عروس، بل كانت أميرة، تحمل في عينيها أسرار الصحراء، وحزن النجوم.
"بارك الله لكِ، وبارك عليكِ، وجمع بينكما في خير." قال "راشد" بصوت عميق، يخلو من أي عاطفة ظاهرية.
ردت "نور" بصوت هامس، وكأنها تناجي القدر: "آمين."
انتهى الفصل الأول، تاركاً القارئ في حالة من الترقب. هل ستكون هذه بداية قصة حب، أم مجرد عقد مصالح؟ وما هو السر الذي يحمله "راشد"؟ وماذا يخفي قلب "نور"؟