حب الأبرار الجزء الثاني
أصداء الماضي ورياح التغيير
بقلم مريم الحسن
وقفت نور على شرفة غرفتها المطلة على حديقة المنزل الوارفة، تحمل في يدها كوبًا من الشاي الأخضر تفوح منه رائحة النعناع المنعشة. لم يكن هدوء الصباح يمنحها السكينة التي اعتادت عليها. فقد كانت أصداء أمس تتردد في أرجاء روحها، قلقة، مترقبة، ومثقلة بمسؤوليات جديدة بدأت تلوح في الأفق. منذ أن تقدمت عائلة المهندس أحمد لخطبة أختها الصغرى، فاطمة، وشعرت نور بثقل مختلف. لم يكن الأمر مجرد فرحة عائلية، بل كان يحمل معه همومًا، وترتيبات، وبعض المخاوف التي لم تبح بها لأحد.
لقد كانت فاطمة، ابنة الثامنة عشرة، لا تزال في أوج شبابها وحلمها. زواج مبكر، قد يقطع مسار أحلامها الجامعية التي كانت ترسمها بجدية. ورغم أن العريس، المهندس أحمد، شابٌ خلوقٌ وذو سمعة طيبة، إلا أن نور، بصفتها الأخت الكبرى والوصية على أحلام أختها، شعرت بمسؤولية مضاعفة. كانت ترى في عيني فاطمة بريقًا مختلطًا بين الفرح والتردد. فرحٌ طبيعيٌ بالحب والارتباط، وترددٌ خفيٌ من المستقبل المجهول، ومن الابتعاد عن حضن العائلة الذي لطالما كان ملاذها.
في الجهة الأخرى من المدينة، وفي مكتبه الفخم الذي تعكس جدرانه لوحات فنية كلاسيكية، كان خالد يتصفح تقارير العمل بتركيز. كان وجهه يعبر عن جدية تليق برجل أعمال ناجح، لكن عينيه تحملان بريقًا من التفكير العميق. الأسبوع القادم سيشهد افتتاح فرعه الجديد في دبي، حدثٌ طالما خطط له وسعى لتحقيقه. ورغم النجاحات المتتالية، إلا أن هناك فراغًا في حياته الشخصية بدأ يشعر به بشدة.
لقد طال الوقت وهو يضع كل تركيزه على عمله، يغذي شغفه بالنجاح، ويكاد ينسى أن هناك جوانب أخرى في الحياة تستحق الاهتمام. تذكر نور، تلك الفتاة ذات الروح النقية والقلب الكبير. بدأت صورته تتضح في ذهنه أكثر وأكثر. كانت كل لقاءاتهما، وإن كانت قصيرة، تترك أثرًا عميقًا في نفسه. ابتسامتها الهادئة، وذكاؤها الحاد، وطريقة حديثها التي تجمع بين اللباقة والبساطة، كلها صفات جذبت إليه دون أن يشعر.
"سيدي، السيد علي هنا." صوت السكرتير قطع شروده.
نهض خالد مستقبلاً صديقه ووكيل أعماله، علي، الذي دخل المكتب بابتسامة بشوشة. "كيف الحال يا خالد؟ هل أنت مستعد للانطلاق نحو العالمية؟"
"إن شاء الله يا علي، كل شيء يسير وفق الخطط. لكن قل لي، كيف ترى الأمور في فرع جدة؟ هل هناك أي مستجدات؟" أجاب خالد، ثم تبادل الاثنان أحاديث مهنية سريعة.
كان علي، إلى جانب كونه زميلاً وصديقًا، يعلم جيدًا كيف يشجع خالد على أمور الحياة الشخصية. "رأيت نور قبل أيام في أحد المعارض، كانت تتحدث عن مشروعها الخيري الجديد. تبدو متحمسة جدًا."
شعر خالد بوخزة اهتمام. "مشروع خيري؟ هذا رائع. عن ماذا يتحدث؟"
"تحدثت عن إنشاء مركز تدريب مهني للشباب المحتاج، لتزويدهم بالمهارات اللازمة لسوق العمل. فكرة نبيلة حقًا، وأعتقد أنها تناسب روحها."
استمع خالد بإنصات، تزداد إعجابه بنور يومًا بعد يوم. كانت دائمًا تسعى لعمل الخير، وتضع بصمتها الإيجابية في مجتمعها. "هذا يتطلب جهدًا كبيرًا وتمويلاً. هل لديها أي دعم؟"
"أعتقد أنها تسعى لجمع التبرعات. وسمعت أنها تواجه بعض الصعوبات في الحصول على الموافقات اللازمة. الجهات الرسمية معقدة أحيانًا."
شعر خالد برغبة قوية في المساعدة. لقد رأى في نور نموذجًا للمرأة المسلمة القوية، الطموحة، والمؤثرة. لم يكن يفكر في مساعدة مالية بحتة، بل كان يبحث عن فرصة للاقتراب أكثر، ليشاركها اهتماماتها، وليظهر لها اهتمامه الحقيقي.
في المنزل، كانت نور تجلس مع والدتها، تشاركانها هموم فاطمة. "يا أمي، أنا قلقة على فاطمة. لا أريد أن أكون سببًا في تعاستها. أحلامها كبيرة، وجامعتها لا تزال تنتظرها."
احتضنت الأم نور بحنان. "يا ابنتي، قدر الله ما شاء فعل. فاطمة فتاة عاقلة، وستتأقلم. والدتها وجدتها ستكونان بجانبها. وأحمد شابٌ صالحٌ، وسيحرص على مستقبلها. ربما يكون هذا الزواج بداية لمستقبل أفضل لها، ربما تجد في حياتها الجديدة ما لم تجده في الدراسة وحدها."
"لكنها لم تكن مستعدة لهذه الخطوة بعد، يا أمي. أشعر أننا استعجلنا." قالت نور، وعيناها تلمعان ببعض الدموع.
"الاستعجال في الأمور الطيبة ليس مذمومًا. ربما يكون هذا هو الخير الذي كتبه الله لها. وعليكِ أن تثقي في اختيارات الله. ودورنا أن ندعمها، وأن نكون بجانبها في كل خطوة."
في تلك اللحظة، رن هاتف نور. كان الرقم غريبًا. أجابت بتردد. "مرحباً؟"
"مرحباً، هل أتحدث إلى السيدة نور؟" كان الصوت رجوليًا وهادئًا.
"نعم، تفضل."
"معك خالد. أتمنى ألا أكون أزعجتك. كنت أود أن أستفسر عن مشروعك الخيري الذي سمعت عنه."
فوجئت نور بهذا الاتصال. لم تتوقع أبدًا أن يتصل بها خالد، خصوصًا في هذا الموضوع. "أهلاً بك أستاذ خالد. لا أبدًا، لم تزعجني. تفضل."
"سمعت عن فكرتك النبيلة، وأردت أن أعرض عليكِ بعض المساعدة. أعرف بعض الأشخاص في الجهات المعنية، وقد أتمكن من تسهيل بعض الإجراءات. بالإضافة إلى ذلك، شركتي قد تكون مهتمة بدعم مشروع كهذا ماليًا، فهو يتماشى مع رؤيتنا للمسؤولية المجتمعية."
شعرت نور ببعض الدهشة ممزوجة بالامتنان. لم تكن تعرف كيف ترد. "هذا لطفٌ كبيرٌ منك أستاذ خالد. لم أكن أتوقع كل هذا الاهتمام. أنا حقًا ممتنة لك."
"لا شكر على واجب يا سيدة نور. أنا معجبٌ بشغفك وعملك. متى يناسبك أن نلتقي لمناقشة التفاصيل؟ ربما غدًا، بعد صلاة العصر؟"
ترددت نور قليلاً. لقاءٌ خاصٌ مع خالد. شعرت بنبض قلبها يتسارع. لم يكن لقاءً عائليًا، ولم يكن رسميًا تمامًا. كان لقاءً يجمع بين العمل والإنسانية، ولكنه كان مع خالد. "حسنًا، غدًا بعد العصر. في مقهى 'الياسمين'؟"
"ممتاز. سأكون هناك في الموعد. أتطلع لرؤيتك."
أنهت نور المكالمة، وهي تشعر بفيض من المشاعر المتضاربة. كان هذا الاتصال بمثابة نافذة جديدة تفتح أمامها، نافذة تحمل وعودًا بالدعم، وربما شيئًا أعمق، شيئًا لم تستطع تحديده بعد. لكن ما كانت متأكدة منه هو أن حياتها، وحياة أختها، كانت على وشك أن تتغير. أصداء الماضي بدأت تخفت، ورياح التغيير كانت تهب بقوة، تحمل معها رياحًا جديدة، وآفاقًا غير متوقعة.