حب الأبرار الجزء الثاني

العاصفة التي بدأت تهب

بقلم مريم الحسن

تسللت خيوط الشمس الذهبية من بين ستائر غرفة نور، تحمل معها وعدًا جديدًا ليومٍ قد يخفف من وطأة ما أثقل كاهلها. لكن الفجر لم يجلب لها راحة، بل استيقظت وروحها لا تزال معلقة بخيط رفيع من الترقب والخوف. كانت الرسالة لا تزال محفورة في ذاكرتها، وكل تفصيلة فيها تعزف لحنًا جديدًا من القلق. لم تستطع إقناع نفسها بأنها مجرد خدعة، وأنها تستحق كل هذا العذاب النفسي.

كانت تفكر في يوسف، في رد فعله. هل سيصدم؟ هل سينكر؟ هل سيفهم سبب شكوكها؟ كانت ترى صورتهما معًا، تلك النظرات الملؤمغة بالحب، تلك الوعود التي تبادلاها تحت سماء صافية. كيف يمكن أن تتلاشى كل تلك المشاعر الصادقة بسبب كلمات مجهولة؟ ولكن، إذا كانت تلك الكلمات صادقة، فماذا يعني ذلك؟ هذا السؤال كان يؤرقها، ويجعلها تشعر كأنها تقف على حافة الهاوية.

في صباح ذلك اليوم، قررت نور أن تبدأ خطتها. لم يكن لديها خيار آخر سوى المواجهة. طلبت من يوسف أن يلتقيا في حديقة عامة قريبة من منزلها، وهو المكان الذي اعتادا على لقاءاتهما فيه، حيث كانا يشعران بالراحة والسكينة. اختارت المكان بعناية، ليكون بعيدًا عن أعين المتطفلين، وليمنحها بعضًا من الهدوء الذي تحتاجه لتجميع شتات أفكارها.

وصلت نور إلى الحديقة قبل موعدها بقليل، وشعرت بنبض قلبها يتسارع مع كل خطوة تخطوها. كانت ترى الأطفال يلعبون، والأشجار تتمايل مع نسمات الهواء العليلة، ولكن كل هذا الجمال لم يستطع أن يخفف من حدة التوتر الذي يعتريها. جلست على مقعد خشبي تحت شجرة وارفة الظلال، ووضعت حقيبتها بجانبها. كانت تتنفس بعمق، تحاول أن تمسك زمام أعصابها.

بعد فترة قصيرة، رأت يوسف قادمًا. كان يسير بخطوات واثقة، وعلى وجهه ابتسامة ترحيب. عندما اقترب منها، اختفت الابتسامة من وجهه ليحل محلها شيء من الدهشة، فقد رأى في عينيها شيئًا لم يعهده من قبل. كان فيهما خليط من الحزن والقلق.

"مرحباً نور. ما الأمر؟ تبدين قلقة." قال يوسف وهو يجلس بجانبها، ومد يده ليلمس يدها، ولكن نور سحبت يدها بلطف. كانت هذه الإشارة كافية لتخبر يوسف بأن الأمر جلل. اتسعت عيناه وهو ينظر إليها، مشعرًا بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. "يوسف، أنا... أريد أن أتحدث معك في أمر مهم جدًا." قالت نور بصوت بالكاد مسموع. "تفضلي يا حبيبتي. أنا أسمعكِ." أجاب يوسف، وهو يميل برأسه نحوها، عيناه تراقبان كل حركة من حركاتها.

أخذت نور نفسًا عميقًا، ثم قالت: "لقد تلقيت رسالة. رسالة غريبة جدًا، ومليئة بالاتهامات." ارتسمت الدهشة على وجه يوسف. "اتهامات؟ ماذا تقصدين؟" "الرسالة تدعي... تدعي أنك لست صادقًا معي. وأن هناك أشياء تحدث وراء ظهري." قالت نور، ودموعها بدأت تتجمع في عينيها.

ظل يوسف صامتًا لثوانٍ، وهو يستوعب ما تقوله نور. ثم قال بصوت هادئ، ولكن بنبرة تحمل شيئًا من الاستغراب: "ماذا تقولين يا نور؟ من أين أتت هذه الرسالة؟ وما هي هذه الاتهامات؟" "الرسالة فيها تفاصيل، يوسف. تفاصيل لا يمكن لأحد أن يعرفها إلا إذا كان... إذا كان قريبًا جدًا منا." قالت نور، وارتعش صوتها. "الرسالة تقول إنك... إنك تقابل شخصًا آخر. شخصًا آخر كنت تخبرني أنك لا تعرفه."

صدم يوسف تمامًا. لم يكن يتوقع شيئًا كهذا. لقد شعر بالذهول، وبالغضب، وبالحزن في آن واحد. "تقابلين شخصًا آخر؟ هذا مستحيل يا نور! من قال لكِ هذا؟ وهل صدقتِ هذه الكلمات؟" "لا أعرف من كتب الرسالة، يوسف. ولكن التفاصيل... التفاصيل دقيقة جدًا. لقد وصفت لقاءات، وأحاديث... أشياء خاصة بنا." بدأ يوسف يشعر بقلبه يمتلئ بالارتباك. كان يعلم أن هناك شيئًا لا يبدو صحيحًا. "نور، أنا لم ألتقِ بأحد. ولم أخن ثقتكِ أبدًا. أنتِ تعلمين ذلك."

"ولكن الرسالة ذكرت اسمَ... ذكرت اسمَ سارة." قالت نور، والصوت يرتعش. عندما سمع يوسف اسم سارة، تغير تعبير وجهه تمامًا. أصبح شاحبًا، وعيناه اتسعتا بذهول. كانت السيدة سارة، زميلة العمل القديمة التي تسبب لها سوء الفهم في الماضي. لم يكن يتوقع أبدًا أن تعود هذه القصة لتطارده.

"سارة؟ ولكن... لم أقابل سارة منذ سنوات. لم يكن بيننا شيء أبدًا." قال يوسف، وهو يحاول أن يجمع شتات أفكاره. "نور، أرجوكِ، صدقيني. هذه الرسالة هي محاولة لتدميرنا. هناك من يريد إيقاع بنا."

"ولكن الرسالة ذكرت تفاصيل لقاء حديث... لقاء في المقهى الذي نحبه." قالت نور، وهي تنظر إلى يوسف بعينين مليئتين بالدموع. "يوسف، هل أنت حقًا كنت هناك؟ هل رأيت سارة؟" كان هذا السؤال أشبه بسهم اخترق قلب يوسف. لقد كان هناك بالفعل في ذلك المقهى، ولكن ليس للقاء سارة. كان يلتقي بشخص آخر، شخص كان يحاول مساعدته في حل مشكلة متعلقة بالعمل، مشكلة لم يكن يريد أن يقلق نور بشأنها.

"نور، استمعي إليّ جيدًا." قال يوسف، وهو يمسك بيديها بقوة. "لقد كنت في ذلك المقهى، نعم. ولكن لم يكن لقاءً مع سارة. كنت ألتقي بشخص آخر... شخص كان لديه معلومات مهمة تتعلق بصفقة كنت أعمل عليها. ولم أرد أن أقلقكِ بأمور العمل." "ولكن الرسالة ذكرت اسم سارة... ووصفت شكلها." قالت نور، وهي لا تزال تشعر بالشك.

"ربما... ربما رأى شخص ما أنني كنت في ذلك المكان، وخمن أنني كنت مع سارة. ربما هناك من يريد أن يثير الشكوك. نور، أنا أحبكِ، وأنتِ تعلمين ذلك. لم أفكر يومًا في الخيانة." قال يوسف، وعيناه تفيضان بالصدق.

كانت نور تنظر إلى يوسف، تحاول أن تقرأ في عينيه ما إذا كان يقول الحقيقة. لقد شعرت بصدقه، ولكن الشك الذي زرعته الرسالة كان عميقًا. "ولكن لماذا لم تخبرني بذلك؟ لماذا تخفي عني أمور العمل؟" "لأنني أردت أن أحميكِ من القلق. أردت أن تكون حياتنا خالية من الهموم. لقد كنت أحاول أن أصلح الأمر بنفسي."

كانت هذه بداية العاصفة. كانت الحقيقة لا تزال مدفونة تحت طبقات من سوء الفهم والشكوك. نور بدأت تتأرجح بين ثقتها بيوسف، والكلمات التي قرأتها. ويوسف، شعر بأن حياته كلها قد انقلبت رأسًا على عقب. كانت هذه اللحظة هي بداية الكشف عن أسرار، وأكاذيب، ومحاولات تدمير.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%