حب الأبرار الجزء الثاني

همسات الماضي

بقلم مريم الحسن

بعد ساعات من مراسم العقد، استقرت "نور" في جناحها الفاخر، الذي أعد خصيصاً لها في قصر "راشد". كانت الأضواء الخافتة تنشر ظلالاً راقصة على الجدران المزينة بأنماط عربية معقدة. رائحة الياسمين تفوح من الزهور البيضاء المبعثرة، ونسيم الليل القادم من الصحراء يجلب معه هدوءاً ما كان غريباً عن "نور".

كانت تجلس على مقعد مخملي، ترتدي ثوباً حريرياً فضفاضاً، وتتأمل يديها اللتين ترتجفان قليلاً. لم تكن تعرف ماذا تتوقع. كان "راشد" قد غادر الجناح بعد إتمام مراسم العشاء الرسمية، بحجة تفقد أحوال الضيوف، ووعد بالعودة. لكن هذا الانتظار الطويل، الممزوج بالصمت، كان أشد وطأة من أي مواجهة.

تذكرت كلمات والدتها: "ستجدين فيه كل ما يرضيكِ." هل كانت كلمات أمها مجرد أمل؟ أم أنها كانت تعلم شيئاً لا تعرفه "نور"؟

في قلبها، كان هناك صوت يهمس بالحذر. لم يكن "راشد" سوى غريب، فرضته عليها الظروف، والتقاليد. لم يكن هناك أي رابط حقيقي بينهما، سوى هذه الرابطة الرسمية.

فجأة، سمعت صوت فتح الباب. استدارت بسرعة، وقلبها يخفق بعنف. كان "راشد" يقف عند المدخل، وقد خلع عمامته، وشعره الأسود الداكن يتناثر على جبهته. كانت عيناه، اللتان رأتهما خلال مراسم العقد، تبدوان الآن أكثر دفئاً، لكنها لم تستطع الجزم.

"لم أرد أن أزعجكِ." قال بصوت هادئ، ولكنه يحمل ثقلاً. "كنت أتفقد بعض الأمور."

اقتربت "نور"، وشعرت برائحة العود والمسك التي تفوح منه. "لا بأس، سيدي. كنت أنتظر."

ابتسم "راشد" ابتسامة خفيفة، وكأنها تحمل ألف معنى. "تفضلي بالجلوس."

جلسا على مقعدين متجاورين، بمسافة تفصل بينهما، مسافة لم تشعر بها "نور" بالراحة. كانت تشعر وكأنها تقف أمام حاجز غير مرئي.

"لقد كانت ليلة طويلة." قال "راشد"، وهو ينظر إلى الخارج. "والغد سيكون أطول."

"نعم." أجابت "نور" بصوت خافت.

صمت طويل خيم على المكان، صمت حمل معه ثقل الأيام القادمة، وثقل الأسرار التي لم تبح بعد.

"نور..." بدأ "راشد" بالحديث، متردداً قليلاً. "أعلم أن هذا الزواج قد يكون مفاجئاً لكِ، ولكنه ضروري."

"ضروري؟" سألت "نور"، وهي ترفع رأسها لتنظر إليه.

"نعم." أجاب "راشد"، بعينين صادقتين. "هناك أمور كثيرة تحدث في الصحراء، أمور تهدد استقرارنا. هذا التحالف ضروري لتوحيد القبائل، وتعزيز قوتنا."

لم تكن "نور" تفهم تماماً، لكنها فهمت أن هذا الزواج لم يكن مجرد قصة حب، بل كان صفقة، صفقة سياسية. شعرت بخيبة أمل، لكنها لم تسمح لها بالظهور على وجهها.

"أتفهم، سيدي." قالت بهدوء. "وأنا مستعدة للقيام بواجبي."

شعر "راشد" بصدق كلماتها، لكنه رأى أيضاً حزناً عميقاً في عينيها. "لكن، نور، أريدكِ أن تعلمي أن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نجد السعادة. السعادة ليست دائماً في الحب الأولي، بل في بناء حياة مشتركة، في الاحترام والتفاهم."

"الاحترام والتفاهم." رددت "نور" الكلمات، وكأنها تبحث عن معانٍ جديدة فيها.

"نعم." قال "راشد". "وهناك أمور أخرى أود أن أتحدث معكِ فيها، أمور شخصية."

ارتعش قلب "نور". هل سيبدأ الحديث عن الأمور التي تخص الزوج والزوجة؟ شعرت بالخجل، والخوف.

"لكني لستُ مستعداً الآن." قال "راشد"، وكأنه قرأ أفكارها. "غداً، سنذهب في رحلة إلى الواحة الشرقية. سنمضي هناك أياماً قليلة، بعيداً عن صخب القصر. هناك، يمكننا أن نتحدث براحة أكبر."

"رحلة؟" سألت "نور"، وكأنها تبحث عن متنفس.

"نعم." أجاب "راشد". "أعتقد أن هذا سيكون جيداً لكِ. ستكون فرصة لكِ لتستريحي، ولنا لنتعرف على بعضنا البعض بشكل أفضل."

ثم، وكأنه تذكر شيئاً، أخرج من جيبه صرة صغيرة، وقدمها لـ "نور". "هذه هدية بسيطة، ليلة زفاف مباركة."

فتحت "نور" الصرة، لتجد بداخلها قلادة فضية بسيطة، مع حجر فيروز صغير، يذكرها بلون سماء الصحراء. ابتسمت، ابتسامة حقيقية هذه المرة. "شكراً لك، سيدي."

"لا داعي للشكر، نور. إنها بداية حياتنا المشتركة." قال "راشد"، وبدا وكأن هناك بريقاً في عينيه.

ثم، بعد لحظات من الصمت، نهض "راشد". "حان وقت الراحة، نور. غداً يوم جديد."

"ليلة سعيدة، سيدي." قالت "نور".

"ليلة سعيدة، يا نور." أجاب "راشد"، وخرج من الغرفة.

بقيت "نور" وحدها، تتأمل القلادة في يدها. كانت بداية حياة مشتركة. بداية بدأت بالواجب، بالسياسة، لكنها ربما تحمل في طياتها شيئاً آخر. شيئاً يشبه الأمل.

لكن، في زاوية مظلمة من عقلها، كان هناك صدى لذكرى قديمة، ذكرى ألم، ذكرى خوف. ذكرى كانت تحاول جاهدة أن تنساها، لكنها كانت تطفو دائماً، كضيف ثقيل، في لحظات الهدوء.

ما هو السر الذي كان يحمله "راشد"؟ وما هو الألم الذي كان يخفيه قلب "نور"؟ وهل ستكون رحلة الواحة هي البداية للتفاهم، أم لبداية صراع جديد؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%