حب الأبرار الجزء الثاني
صدى الخوف
بقلم مريم الحسن
في صباح اليوم التالي، استيقظت "نور" على ضوء الشمس الساطع الذي تسلل عبر شقوق خيمة النوم. كانت رائحة الأرض الرطبة، وعبق زهور الياسمين، تملأ المكان. استقامت في جلستها، وشعرت براحة غريبة، راحة لم تشعر بها منذ زمن طويل.
بعد أن استعدت، خرجت من الخيمة، لتجد "راشد" جالساً على مقعد خشبي، يتأمل أوراقاً في يده. بدا متأثراً، ولكن أيضاً هادئاً.
"صباح الخير، نور." قال بابتسامة خفيفة، عندما رأها. "أتمنى أن تكوني قد استيقظتِ على خير."
"صباح النور، سيدي." أجابت "نور"، وهي تنظر حولها. كانت الواحة تبدو أكثر سحراً في ضوء الصباح. "هل كنتَ تقرأ؟"
"نعم." أجاب "راشد". "كنت أراجع بعض الوثائق المتعلقة بأراضي الواحة، وبمشاريع تطويرها."
"مشاريع؟" سألت "نور". "هل لديك خطط هنا؟"
"بالتأكيد." قال "راشد". "هذه الواحة ليست مجرد مكان للراحة، بل هي مصدر رزق، ومكان للتنمية. نحن نعمل على توسيع زراعة النخيل، وتنظيم توزيع المياه، وتشجيع التجارة."
شعر "نور" بإعجاب مفاجئ. لم تكن تتوقع أن يكون "راشد" بهذه الروح العملية، وهذه الرغبة في البناء والتطوير.
"هذا رائع، سيدي." قالت بصدق. "إنها رؤية عظيمة."
"شكراً لك، نور." قال "راشد". "لكن النجاح لا يأتي بسهولة. يتطلب جهداً، وتضحية، وقبل كل شيء، رؤية واضحة."
بدأ يتحدث عن تفاصيل المشاريع، وعن التحديات التي يواجهونها، وعن خططهم المستقبلية. كانت "نور" تستمع باهتمام، وتطرح أسئلة تدل على فهم عميق. شعرت بأنها بدأت تفهم "راشد" كرجل ذي مسؤولية، وكقائد حقيقي.
بعد فترة، استأذن "راشد" منها، ليلقي نظرة على بعض الأمور، ووعدها بالعودة قريباً. بقيت "نور" وحيدة، تتجول في الواحة. كانت تلمس أوراق النخيل، وتستمع إلى صوت الماء. شعرت بسلام داخلي، بصفاء غريب.
لكن، فجأة، سمعت صوتاً غريباً، صوتاً لم تعرفه. صوت يأتي من خلف بعض الأشجار الكثيفة. دفعتها الفضول، وتسللت نحو الصوت.
عندما وصلت إلى المكان، رأت منظراً جعل قلبها يتجمد. كان "راشد" واقفا، ويتحدث مع رجل غريب، رجل ذي ملامح قاسية، وملابس داكنة. كانا يتحدثان بهدوء، لكن نبرة صوتهما كانت تحمل شيئاً من التوتر.
"لا يمكننا تحمل هذا التأخير، يا راشد." قال الرجل الغريب بصوت خشن. "الوقت ضيق."
"أعلم، يا "جاسم"." أجاب "راشد". "لكن الأمور ليست كما توقعنا. الخطة معقدة، وتحتاج إلى مزيد من الوقت."
"مزيد من الوقت؟" صاح "جاسم"، بصوت أعلى. "لقد دفعتُ ثمناً غالياً للحصول على هذه المعلومات! لا أريد أن أسمع أعذاراً!"
شعرت "نور" بالخوف يتسلل إلى قلبها. "جاسم"؟ "الخطة"؟ "الدفع ثمناً غالياً"؟ ماذا كان يحدث؟
"يا جاسم، اهدأ." قال "راشد"، بصوت أكثر حزماً. "نحن نتحدث هنا عن مصير كبير. لا يمكننا المخاطرة بكل شيء بسبب تسرع."
"التسرع؟" ضحك "جاسم" ضحكة خبيثة. "إنها فرصة لا تتكرر. إذا لم نستغلها الآن، فسنخسر كل شيء."
"نحن نعلم ذلك." قال "راشد". "لكن علينا أن نكون حذرين. هذه الصفقة ليست سهلة، ولدينا أعداء كثيرون."
"الأعداء؟" تمتم "جاسم". "هل تخشى أن يكشف أمرنا؟"
"لستُ خائفاً، لكني حذر." قال "راشد". "أريد أن أتأكد أن كل شيء يسير كما يجب. هذه الأمور تتطلب دقة، وتخطيطاً. ولا يمكننا أن نفتح الباب أمام مشاكل لم نحسب لها حساباً."
"ماذا عن "نور"؟" سأل "جاسم" فجأة، بنبرة تحمل تهديداً. "هل علمت بشيء؟"
شعر "راشد" بالبرود يسري في عروقه. "لا. لم تعلم شيئاً. وهي لن تعلم شيئاً. هي بعيدة عن كل هذه الأمور."
"أتمنى ذلك." قال "جاسم". "لأن كشف أمرنا أمامها قد يسبب لنا مشاكل كبيرة. خاصة وأنها ابنة الأمير سلطان."
"لا تقلق بشأنها." قال "راشد" بصوت حازم. "لديها أماكن أخرى لتشغلها. وهي لن تتدخل في أمورنا."
شعرت "نور" بالدوار. "نور"؟ هل كانوا يتحدثون عنها؟ هل كانت جزءاً من خطة؟ ما هي هذه "الصفقة"؟ وما هي "المشاكل" التي قد تحدث؟
كانت الكلمات تتردد في أذنها، كقرع طبول الحرب. شعرت بأن عالمها الذي بدأت تبنيه، يبدأ في الانهيار. لم يكن "راشد" مجرد رجل يحمل أحزاناً، بل كان رجلاً يحمل أسراراً، أسراراً خطيرة.
اندفع "جاسم" بعيداً، تاركاً "راشد" وحيداً، وعيناه تحدقان في الفراغ.
لم تستطع "نور" أن تتحرك. كان قلبها يخفق بعنف، وكان جسدها يرتجف. كانت تشعر بأنها قد سقطت في حفرة مظلمة، ولا تستطيع أن ترى مخرجاً.
هل كانت قد ارتكبت خطأ بالزواج من "راشد"؟ هل كانت حياتها في خطر؟
عادت "نور" إلى خيمتها، وهي تشعر بالضياع، والخوف. كانت الكلمات التي سمعتها تدوّي في رأسها، كصرخات تحذير. "نور"؟ "خطة"؟ "أعداء"؟
لم تكن تفهم شيئاً، لكنها شعرت بأن الحقيقة التي بدأت تتكشف، كانت أشد قسوة من أي خيال.
ماذا كان مصير "نور"؟ وهل اكتشافها لهذا السر كان سيؤدي إلى نهاية سعيدة، أم إلى بداية مأساة؟