حب الأبرار الجزء الثاني

الخطوة الأولى نحو المجهول

بقلم مريم الحسن

اجتمع مجلس العائلة في ديوان العم عبد الرحمن، وهو مكانٌ تعتاد فيه العائلتان على التلاقي في المناسبات الهامة. الهواء كان مشبعًا برائحة البخور الزكية، وعبق الشاي الأخضر المنعنع، وصوت الأحاديث الهادئة التي تتناغم مع خرير الماء في النافورة الصغيرة في وسط الغرفة. كانت هند تجلس مع والدتها وخالتها، وقلوبهن غارقاتٌ في ترقبٍ حذر.

كانت السيدة زينب قد ألمحت لأحمد، عبر والدته، برغبتها في تسهيل أي خطواتٍ إيجابيةٍ قد تحدث. لكنها في الوقت ذاته، شددت على ضرورة احترام كافة التقاليد، وأن يكون أي تواصلٍ مبنيًا على الأسس الشرعية والاجتماعية السليمة. لم تكن تريد أن ترى ابنتها تقع في مواقف قد تثير الشبهات أو تسيء إلى سمعة العائلة.

دخل أحمد، يرافقه والده، السيد منصور، وهو رجلٌ وقورٌ وهادئ. كان أحمد يبدو أكثر نضجًا وثقةً مما كانت عليه هند. كانت عيناه تتجهان بين الحين والآخر نحو هند، ولكن دائمًا ما كانت نظراته تتبعها بتقديرٍ واحترام. كانت هند تشعر بارتباكٍ لطيف، تختبئ خلف حجابٍ من الاستقامة.

بدأ الحديث بتمهيدٍ دبلوماسيٍ من السيد منصور، ثم انتقل إلى العم عبد الرحمن الذي عبر عن سعادته بوجودهم، وأشاد بالعلاقات الطيبة التي تربط العائلتين منذ سنواتٍ طويلة. وبعد حديثٍ عن أحوال المجتمع والأخبار العامة، وصل السيد منصور إلى مراده.

"يا شيخ عبد الرحمن، نحن نعرفكم ونعرف مكانتكم. ولقد رأت عيناي، كما رأى ابني أحمد، ابنتكم هند، وشهدنا خلقها ودينها، وشاهدنا فيها ما يسر القلب ويثلج الصدر. ولذلك، نتشرف بأن نتقدم بطلب يدها لابننا أحمد، الذي يعرفكم هو الآخر، ويعرفكم جيدًا، وقد أثنى عليها كثيرًا، ويأمل أن يجد فيكم خير سندٍ ومباركةٍ لهذه الخطوة."

ساد صمتٌ قليل، تبادلت فيه النساء نظراتٍ بين الترقب والتفاؤل. كانت هند تشعر بقلبها يقرع جدران صدرها، وهي تسمع اسم أحمد يُذكر في هذا السياق الرسمي. رفعت عينيها للحظةٍ خاطفة، ورأت أحمد ينظر إليها بتعبيرٍ لا يمكن تفسيره، مزيجٌ من الأمل والتوسل.

ابتسم العم عبد الرحمن ابتسامةً واسعة. "يا أبا أحمد، أنت تعلم أننا نعتبركم من الأهل والأقارب. وأنا شخصيًا، أثق في أخلاق أحمد، وقد عرفته شابًا ناضجًا، طموحًا، وخلوقًا. وابنتنا هند، هي قطعةٌ من قلبي، وأتمنى لها كل الخير والسعادة. وبالنسبة لي، لا أرى أي مانعٍ شرعيٍ أو اجتماعيٍ لتمام هذا الأمر، طالما كانت الموافقة بين الطرفين، وتم الأمر بالمعروف."

نظرت السيدة زينب إلى ابنتها، وكأنها تسألها برضاها. هند، رأت تلك النظرة، وأدركت أن الفرصة قد سنحت. رفعت رأسها، ونظرت إلى أحمد، ثم إلى أمها، وقالت بصوتٍ خفيضٍ ولكن واضح: "إذا كان والديّ راضيين، فأنا راضيةٌ وموافقة."

ازدادت الابتسامات اتساعًا، وتبادل الجميع التهاني. تقدم أحمد نحو هند، وطلب منها أن تمنحه يدها ليقبلها. كانت تلك اللحظة، رغم بساطتها، ذات وقعٍ عميقٍ على هند. شعرت بيد أحمد الدافئة، وهي تلامس يدها بخجلٍ. كانت تلك أول لمسةٍ حقيقيةٍ بينهما، لمسةٌ تحمل وعدًا ببدايةٍ جديدة.

بعد فترةٍ قصيرة، تم الاتفاق على موعدٍ للخطوبة الرسمية، وتحديد مهرٍ مناسب، وكل التفاصيل التي تتعلق بالعقد الشرعي. كانت هند تشعر بسعادةٍ غامرة، ولكنها كانت أيضًا تشعر بشيءٍ من القلق. كان أحمد قد تقدم لخطبتها، ولكن المرحلة القادمة، مرحلة التعارف الرسمي، كانت تحمل معها تحدياتٍ جديدة.

خلال الأيام التالية، بدأت عملية تجهيز بيت العائلة الجديد لأحمد، والذي سيكون مقرًا لحياتهما المشتركة. كانت هند تشارك في الاختيارات، ولكن دائمًا ما كانت تفعل ذلك بحذرٍ شديد، تطلب مشورة أمها، وتتجنب أي تواصلٍ مباشرٍ مع أحمد.

في إحدى الأمسيات، بينما كانت هند ووالدتها تتفقدان بعض المفروشات في منزل أحمد، وصل أحمد إليهما. كان لديه سببٌ وجيهٌ للتواجد. "السلام عليكم." قال أحمد، وهو يخاطب والدة هند. "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." أجابت السيدة زينب. "لقد رأيت أن هناك بعض النقاشات حول ألوان الستائر. أردت أن أقول لهند، أنني رأيت اللون الأزرق السماوي في إحدى الصور، وكان رائعًا. ولكني لا أريد أن أفرض رأيي، المهم أن يعجبها."

كانت هذه كلماته الأولى المباشرة لهند بعد الخطبة، ولم تكن إلا تتعلق بتفاصيل منزلٍ سيكون لهما. شعرت هند بقلبها يخفق، وأجابت بصوتٍ مرتجفٍ قليلًا: "اللون الأزرق السماوي جميلٌ جدًا. ولكن ربما نحتاج إلى بعض الألوان الهادئة لتتناسب معه."

هذه كانت بداية الحوار بينهما. كان حوارًا رسميًا، ولكن كل كلمةٍ كانت تحمل معاني أعمق. كانت هند تحاول أن تكون حذرةً، وأن تتجنب أي تفاعلٍ قد يعتبره الآخرون غير لائق. ولكنها كانت تشعر بسعادةٍ غامرةٍ وهي تتحدث معه، وتشعر بأنها تتعرف عليه بشكلٍ أعمق، حتى ولو من خلال تفاصيل صغيرةٍ كهذه.

في خضم هذه الترتيبات، وصل خبرٌ لم يكن في الحسبان. كان والد هند، السيد أحمد، قد تعرض لحادثٍ بسيطٍ أثناء سفره في عمله. لم يكن الأمر خطيرًا، ولكنه استدعى بقاءه في المستشفى لبضعة أيامٍ للمراقبة.

"لا تقلقي يا ابنتي، والدك بخير. مجرد كدماتٍ بسيطة." قالت السيدة زينب لهند، وهي تحاول طمأنتها. لكن هند شعرت بقلقٍ شديد. والدها هو سندها، ورؤيته في وضعٍ صحيٍ متأزمٍ أحدث في نفسها اضطرابًا. "هل يمكنني زيارته؟" سألت هند. "بالطبع يا ابنتي. ولكن لا داعي لأن تذهب وحدك. سأذهب معك."

ذهبت هند مع والدتها لزيارة والدها. كان الأب، السيد أحمد، رجلًا قويًا، ولكن وجهه كان يبدو شاحبًا قليلاً. "كيف حالك يا أبي؟" سألت هند، وهي تقبّل يده. "أنا بخير يا ابنتي. لا تقلقي عليّ. هذه مجرد كدماتٍ بسيطة." قال والدها بصوتٍ ضعيف.

في تلك الأثناء، سمعت هند اسمًا يتردد في أذنها. كان اسم "أحمد". "أحمد بن العم عبد الرحمن، هل هو موجودٌ هنا؟" سأل والدها. "نعم يا أبي. لقد جاء لزيارتك. لقد سمع بالخبر وأتى ليرى كيف حالك."

شعر قلب هند بالدفء. أحمد، خطيبها المستقبلي، اهتم به، وجاء لزيارته. هذه التفاصيل الصغيرة، تعكس معدنه الأصيل. دخل أحمد الغرفة، وقد كان يرتدي ثيابًا بسيطةً ولكن أنيقة. ابتسم لوالد هند، وقال: "الحمد لله على سلامتك يا عمي. أردت أن أتأكد بنفسي أنك بخير."

كانت تلك أول مرةٍ يلتقي فيها أحمد بوالد هند رسميًا في ظروفٍ كهذه. وتبادلا حديثًا قصيرًا. كان أحمد مهذبًا، ومتواضعًا، وبدا وكأنه يحترم والد هند احترامًا شديدًا.

"شكرًا لك يا بني. لطف منك." قال والد هند. "هذا واجبي يا عمي. أتمنى لك الشفاء العاجل." أجاب أحمد.

عندما انتهت الزيارة، خرج أحمد وهند من الغرفة، وركبا في سيارتيهما. كانت هذه رحلةٌ قصيرةٌ، ولكنهما كانتا يشعران بأنها تحمل الكثير من المعاني. "كيف كان لقاؤكما؟" سألت هند. "لقد كان لقاءً طيبًا. والدك رجلٌ عظيم، ولديه حكمهٌ ورأيٌ سديد." أجاب أحمد. "أبي يحبك كثيرًا. لقد قال لي إنه معجبٌ بشخصيتك."

ابتسم أحمد. "وهذا يسعدني كثيرًا. فموافقة والدك هي أهم شيءٍ بالنسبة لي."

كانت تلك اللحظة، مليئةً بالإحساس بالأمان والطمأنينة. هند وأحمد، كانا يشعران بأنهما يسيران في طريقٍ صحيح. كان أحمد، بخطواته الواثقة، يثبت لوالد هند، ولعائلته، أنه يستحق ابنتهم. وكانت هند، بقلبها الطيب، تنظر إلى أحمد، وتتمنى أن يكون حبهم، حبًا مباركًا، وطريقهم، طريقًا مفروشًا بالورد.

لكن، هل كان كل شيءٍ سارًا إلى هذا الحد؟ هل كانت هناك عثراتٌ في الطريق؟ هل كانت هناك ظلالٌ تخفي أسرارًا؟ شعرت هند، في لحظةٍ من الهدوء، بقلقٍ غامضٍ يعصف بقلبها. هل كانت تعرف أحمد حقًا؟ وهل كان أحمد يعرفها حقًا؟ أم أن كل هذا مجرد بدايةٍ لحلمٍ قد يكون سرعان ما يتبخر؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%