زوجتي الجميلة الجزء الثاني
همسات القلب ووشوشات الماضي
بقلم ليلى الأحمد
تفتحت عينا نور الصباح ببطء، يستقبلان خيوط الشمس الذهبية التي تسللت عبر ستائر غرفتها الفاخرة. كانت نسمة باردة تداعب وجهها، تحمل معها عبير الياسمين المتفتح من حديقة القصر. لكن شعوراً ثقيلاً غطى صدرها، ظلٌّ صغيرٌ من الهمِّ يلوح في الأفق، رغم كل ما أحاط بها من نعيم. كانت ليلة أمس طويلاً، مليئة بالأحلام المتباينة؛ أحلامٌ عن مستقبلٍ مشرقٍ مع فارس، وأخرىٌ عن ظلالٍ من الماضي بدأت تتكشف.
جلست على طرف السرير، متأملةً تلك القلادة الذهبية التي وضعها لها فارس قبل رحيله. كانت قطرة ماءٍ متجمدة، تتلألأ في الضوء، رمزاً لجمالٍ خالدٍ، ولحبٍّ أقسم أن يحافظ عليه. لم تستطع نور أن تكبت تنهيدةً طويلة. العلاقة التي تجمعها بفارس كانت كل ما حلمت به، بل وأكثر. كان رجلاً نبيلاً، طيب القلب، محترماً، والأهم من ذلك، يخشى الله ويتبع سنته. كانت خطواتهما نحو الزواج تسير بثباتٍ، يباركها الأهل، وتهفو لها القلوب. لكن هل كان كل شيءٍ بهذه المثالية؟
كانت صورة والدة فارس، السيدة ليلى، تتراءى أمام عينيها. منذ لقائهما الأول، شعرت نور بشيءٍ غريبٍ في نظراتها، مزيجٌ من الودِّ والقلق، وكأنها تحمل سراً ثقيلاً. كانت السيدة ليلى دائماً ما ترحب بها بحرارة، وتُظهر لها كل مظاهر الاحترام والتقدير، إلا أن هذه النظرات المتقلبة كانت تخلق لديها شعوراً بعدم الارتياح. هل كانت مجرد أوهامٍ من نسج خيالها، أم أن هناك شيئاً لم تفهمه بعد؟
ارتدت نور رداءها الحريري، ثم اتجهت نحو الشرفة المطلة على الحديقة. كانت تلك الحديقة مساحتها الواسعة، بتفاصيلها الدقيقة، وعطرها الفواح، مرآةً لروح فارس. كل شجرة، كل زهرة، كانت تحمل قصة. تذكرت كيف بدأ فارس بإهدائها الورود الحمراء، رمز الحب، ثم تدرج الأمر إلى أنواعٍ أخرى، كلٌّ يحمل معنىً خاصاً. كان حريصاً على أن يعبر عن مشاعره بأرق وأصدق الطرق، ضمن إطارٍ لائقٍ ومحترم.
في الأسفل، كان الخدم يتحركون بنشاط، يستعدون لوجبة الإفطار. كانت رائحة القهوة العربية والهيل تفوح في الأرجاء، ممزوجةً بعطر المعجنات الطازجة. كل شيءٍ بدا هادئاً ومنظماً، كعادة قصر العائلة. لكن الهدوء الظاهر قد يخفي تحته تياراتٍ عميقة.
لم تكد نور تستمتع بهذا المشهد حتى سمعت صوت خطواتٍ تقترب. استدارت لتجد خادمتها المخلصة، أمينة، تحمل صينيةً عليها كوبٌ من الماء الورد وبعض التمور. ابتسمت أمينة بحنانٍ، وقالت بصوتٍ خفيض: "صباح الخير يا ابنتي. هل نمتِ جيداً؟"
"صباح النور يا أمينة. الحمد لله، نمتُ، لكن الأفكار لم تتركني." أجابت نور بابتسامةٍ باهتة.
جلست أمينة بجانبها، وقد تعودت على مشاركة نور أفكارها ومخاوفها. كانت أمينة، التي خدمت العائلة منذ عقود، بمثابة الوالدة الثانية لنور، بل وشريكها في الأسرار. "ماذا يشغل بالك يا عزيزتي؟ هل هو فارس؟"
تنهدت نور وقالت: "إنه فارس، نعم. أنا سعيدةٌ جداً به، وأحبّه كثيراً. لكنني أشعر أحياناً بوجود بعض الأمور غير الواضحة. لا أدري كيف أصف ذلك. وكأن هناك طبقاتٍ من الحقائق لم أصل إليها بعد."
نظرت أمينة إلى نور بعينين مليئتين بالحكمة، ثم قالت: "يا ابنتي، لكل إنسانٍ ماضٍ، ولكل قصةٍ فصولٌ قد لا تُروى إلا لمن يستحق. والسيدة ليلى... هي امرأةٌ عظيمة، ولكنها تحمل جراحاً قديمة."
"جراح؟" استغربت نور. "هل تقصدين السيدة ليلى، والدة فارس؟"
أومأت أمينة برأسها، ثم تابعت: "نعم. السيدة ليلى مرت بظروفٍ قاسية قبل أن تتزوج والد فارس. كانت هناك خيبة أملٍ كبيرة، صدمةٌ جعلتها تبني حول قلبها أسواراً عالية. لهذا السبب، ربما، تبدو قلقةً تجاه كل شيءٍ يتعلق بفارس، وخاصةً علاقاته. هي تخشى تكرار ما حدث في ماضيها."
"لكن هذا لا يفسر نظراتها الغريبة نحوي." قالت نور، وشعرت ببعض الوضوح يتسلل إلى أفكارها. "كأنها تبحث عن شيءٍ في وجهي، أو كأنها تعرفني من مكانٍ آخر."
"ربما." قالت أمينة بصوتٍ هادئ. "ربما تخشى أن تؤذيه امرأةٌ لا تعرف ماضيها جيداً، أو ربما... هناك شيءٌ آخر. أنتِ تعلمين أن القلوب لديها ذاكرةٌ لا تُنسى، وأحياناً تتفاعل مع أشخاصٍ لم تلتقِ بهم من قبل، لكنها تشعر بهم بطريقةٍ ما."
تركت كلمات أمينة نور تفكر ملياً. هل يمكن أن يكون هناك رابطٌ خفيٌّ بينها وبين السيدة ليلى؟ هل كانت هناك قصةٌ لم تُروَ، وربما تكون هي جزءاً منها؟ شعرت بالقلق يتسلل إلى قلبها، لكنه كان قلقاً ممزوجاً بشيءٍ من الفضول. كانت تريد أن تفهم، أن تتأكد.
في تلك اللحظة، سمعت صوت جرس الهاتف يرن في الغرفة. التقطت نور الهاتف، ليأتيها صوت فارس الدافئ: "صباح الخير يا حبيبتي. هل استيقظتِ؟"
"صباح النور يا فارس. نعم، استيقظتُ منذ قليل." أجابت نور، وشعرت بأن ابتسامةً صادقة قد ارتسمت على وجهها.
"أنا أفكر فيكِ كثيراً. كم أتمنى أن أكون بجانبكِ الآن، أرى هذا الجمال الذي أسرت قلبي." قال فارس، وشعرت نور بدفء كلماته يغمرها.
"وأنا كذلك. متى ستعود؟" سألت نور.
"غداً صباحاً، إن شاء الله. لدي بعض الأمور التي يجب أن أنهيها هنا. ولكن لا تقلقي، لن أتأخر عن موعد زفافنا. هل تذكرين؟" قال فارس بابتسامةٍ في صوته.
"كيف أنسى؟" قالت نور، وشعرت بلحظةٍ من الصفاء تعود إليها. "لكن، فارس، هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟"
"بالطبع يا نور. كل ما في قلبي لكِ."
"والدتكِ... هل مرت بظروفٍ صعبةٍ في حياتها قبل الزواج؟" سألت نور، مترددةً قليلاً.
صمت فارس لبرهة، وكأن السؤال فاجأه. ثم أجاب بصوتٍ جادٍّ: "نعم يا نور. مرت بظروفٍ صعبة، كانت خطوبتها الأولى قصةً مؤلمة. لكنها تجاوزت كل شيءٍ بحكمةٍ وصبر. لماذا تسألين؟"
"لا شيء، فقط... فضول." قالت نور، وشعرت بأنها قد أوشكت على اكتشاف سرٍّ كبير. "أنا فقط أريد أن أفهمها جيداً. أريد أن أكون ابنتها التي تتمناها."
"وأنا واثقٌ أنكِ ستكونين كذلك." قال فارس بحب. "والدتي تحبكِ كثيراً، وترى فيكِ ما لم ترَ في غيرك. لا تقلقي بشأن أي شيءٍ آخر."
بعد انتهاء المكالمة، نظرت نور إلى أمينة، وشعرت بأن لديها الآن خيطاً رفيعاً يمكنها أن تبدأ من خلاله بفك عقدةٍ كبيرة. السيدة ليلى، كانت ضحيةً في الماضي. وهذا يفسر قلقها، ولكن ليس كل شيء. بقيت تلك النظرات، وذلك الشعور بالتعرف، سراً غامضاً يحتاج إلى كشف.
انتهت وجبة الإفطار، وبدأت نور تستعد ليومها. كان عليها أن تزور جدتها، لتطمئن عليها. لكن في أعماق قلبها، كان هناك شعورٌ متزايدٌ بأن الأيام القادمة لن تكون مجرد أيامٍ عادية. كانت هناك أحداثٌ تنتظر، وقصصٌ تنتظر أن تُكشف، وربما، حقيقةٌ تنتظر أن ترى النور.
جلست في سيارتها الفارهة، متوجهةً نحو منزل جدتها. كانت الشمس قد ارتفعت الآن، تلقي بأشعتها الدافئة على المدينة. تذكرت نور كلمات فارس، عن أمه التي مرت بظروفٍ صعبة. هل كان هناك ارتباطٌ بين هذه الظروف وبين شيءٍ أعمق؟ شيءٌ يتعلق بعائلتها هي؟
مرت بها السيارات، وتناثرت الوجوه حولها، لكن عقلها ظل مشغولاً بتلك الأسئلة. هل كانت مجرد تأويلاتٍ خاطئة، أم أن هناك فعلاً ما يربط ماضي السيدة ليلى بحاضرها؟ شعرت نور بأنها تقف على حافة هاويةٍ من الأسرار، وأن رحلتها نحو الزواج من فارس قد تكون أكثر تعقيداً مما تخيلت. لكنها كانت مستعدةً لمواجهة أي شيء. لأن حبها لفارس كان أقوى من أي خوف.
في نهاية المطاف، استقرت نور على فكرةٍ واحدة: يجب أن تتحدث مع السيدة ليلى وجهاً لوجه. يجب أن تفهم حقيقة تلك النظرات، وحقيقة تلك الجراح القديمة. ربما، في صدقها وبراءتها، تستطيع أن تضيء زاويةً مظلمة في حياة امرأةٍ عاشت الكثير.
عند وصولها إلى منزل جدتها، استقبلتها بابتسامةٍ دافئة، وعبق التراب وماء الزهر الذي يملأ أركان البيت. لكن حتى في هذا المكان الآمن، ظلَّت همسات الماضي تتردد في أذنيها، ووُشوشاتٌ غامضةٌ تنتظر من يفك رموزها. كانت تعلم أن قصة زواجها من فارس لم تبدأ بعد، وأنها ستكون مليئةً بالكثير من المفاجآت.