زوجتي الجميلة الجزء الثاني

ضباب الماضي وحقيقةٌ تتكشف

بقلم ليلى الأحمد

بعد عودتها من زيارة جدتها، وجدت نور رسالةً مخطوطةً باليد بانتظارها على طاولة مدخل القصر. كانت الورقة أنيقة، وعليها شعار عائلة فارس. فتحتها نور بفضولٍ، واكتشفت أنها دعوةٌ لحفل عشاءٍ خاصٍّ ستُقيمه السيدة ليلى في الأسبوع القادم. كان الهدف المعلن هو "الاحتفاء بمناسبةٍ قادمة" – غالباً ما كانت تقصد اقتراب موعد زفافها من فارس.

لم تكن هذه الدعوة أمراً مفاجئاً، فقد كانت السيدة ليلى تحرص دائماً على إظهار حسن الضيافة والاهتمام. لكن ما أثار قلق نور هو التاريخ المحدد للحفل: بالضبط قبل يومين من موعد زفافها. لماذا هذا التوقيت؟ هل كانت مجرد صدفة، أم أن هناك هدفاً خفياً وراء هذه الدعوة؟

تذكرت نور ما قالته أمينة عن جراح السيدة ليلى القديمة، وعن صدمتها في خطوبتها الأولى. هل كان هذا الحفل محاولةً من السيدة ليلى لتقديم ابنتها المستقبلية لعائلتها ومجتمعها بطريقةٍ رسمية، أم أنه كان يحمل في طياته شيئاً آخر؟

جلست نور على أريكتها الفخمة، تتأمل الدعوة. كان هناك شعورٌ غريبٌ يتملكها، مزيجٌ من الإثارة والقلق. كانت تريد أن تتعرف على عائلة فارس بشكلٍ أفضل، وأن تُظهر لهم أنها تستحق أن تكون جزءاً منهم. ولكنها في الوقت نفسه، كانت تخشى أن تكون هذه المناسبة سبباً في إظهار بعض الحقائق التي قد لا تكون مستعدةً لها بعد.

بعد فترةٍ قصيرة، رن الهاتف. كان فارس. "مرحباً يا حبيبتي. هل وصلتكِ الدعوة؟" سأل بصوته الدافئ.

"نعم، وصلتني. أسبوعٌ قادم، حفلة عشاء." أجابت نور، محاولةً إخفاء قلقها.

"أعلم. والدتي متحمسةٌ جداً. لقد أصرت على أن يكون هذا الحفل قبل الزفاف مباشرةً، لتتمكني من الالتقاء بجميع الأقارب والأصدقاء المقربين. إنها تحبّكِ حقاً يا نور." قال فارس، وشعرت نور ببعض الطمأنينة.

"هذا لطفٌ منها. لكنني أشعر ببعض التوتر." اعترفت نور.

"لماذا؟ لا يوجد ما يدعو للقلق. ستكونين ملكةً هناك، كما أنتِ دائماً." قال فارس بابتسامةٍ في صوته.

"ولكن... فارس، هل والدتكِ... هل تحدثت معكِ عن خطوبتها الأولى؟" سألت نور، مترددةً.

صمت فارس قليلاً، ثم قال: "بشكلٍ عام. لم تدخل في التفاصيل الدقيقة. فقط ذكرت أنها كانت تجربةً مؤلمةً جداً، وأنها لم تفقد الأمل بعدها. إنها قويةٌ جداً يا نور، ولم تدع تلك التجربة تُحطّمها."

"وهل تعرف سبب انتهاء تلك الخطوبة؟" سألت نور، تشعر بأن خيط الحقيقة يقترب.

"لا أعرف تفاصيل. والدتي لا تحبُّ الحديث عن الماضي المؤلم. لكنها غالباً ما تقول إن الحياة تأتينا بما لم نتوقعه، وأن علينا أن نتعلم كيف نتعايش مع ما تُخبئه لنا." قال فارس، وأحسّت نور بأنها تقف أمام جدارٍ سميك.

بعد المكالمة، استمرت نور في التفكير. لم يكن فارس يعرف التفاصيل. ربما لم تكن السيدة ليلى تريد أن تُثقل على ابنها بهذه الأمور. لكن نور شعرت بأن هذه التفاصيل مهمةٌ جداً.

في اليوم التالي، قررت نور أن تزور جدتها مرةً أخرى. لم يكن ذلك مجرد زيارةٍ عادية، بل كانت رحلةً بحثاً عن إجابات. تعرف جدتها، السيدة فاطمة، أنها كانت صديقةً مقربةً من والدة فارس في أيام الشباب. ربما تستطيع أن تفتح لها بعض الأبواب المغلقة.

استقبلتها جدتها بالترحاب المعتاد، وجلستا في الحديقة، يتناولان الشاي بالأعشاب. "جدتي، هل تذكرين السيدة ليلى، والدة فارس؟" سألت نور، ببطء.

"آه، ليلى. بالطبع. كانت فتاةً جميلةً وطيبة القلب. أحببتها كثيراً." قالت جدتها، وعيناها تلمعان بذكرياتٍ قديمة.

"هل كنتما مقربتين؟" سألت نور.

"جداً. كنا مثل الأخوات. كنا نتبادل الأسرار، ونحلم بالمستقبل. كانت تخطط للزواج من شابٍّ كنتُ أعتقد أنه سيكون سندها. لكن... حدث ما لم يكن في الحسبان." قالت جدتها، وبدأت ملامح وجهها تعكس شيئاً من الأسى.

"ماذا حدث؟" سألت نور، بلهفة.

"تخلّى عنها خطيبها. بكل برود. لم أعرف السبب الحقيقي حينها، لكنها تأذت كثيراً. حاولتُ أن أُخفف عنها، لكنها كانت كمن فقدت عالماً كاملاً. ثم... بعدها بفترةٍ قصيرة، قابلت السيد يوسف، والد فارس، وتزوجا. الحمد لله، وجدت سعادتها معه."

"ولكن، جدتي، هل كان هناك سببٌ وجيهٌ لتخلي خطيبها عنها؟ هل كان متهماً بشيءٍ ما؟" سألت نور، وهي تشعر بأنها على وشك اكتشاف الحقيقة.

ترددت جدتها قليلاً، ثم قالت بصوتٍ منخفض: "كان هناك همسٌ في المجتمع. همسٌ بأن خطيبها كان متورطاً في بعض الأمور المالية المشبوهة. ولكن لم يكن هناك دليلٌ قويٌّ. ثم اختفى فجأةً، ولم يعد له أثر. كانت السيدة ليلى في تلك الفترة في أضعف حالاتها، ولم يكن لديها من يدعمها سوى القليل."

"اختفى؟" كررت نور، وهي تشعر بأن العقدة بدأت تنفرط. "ولماذا لم تتحدث السيدة ليلى عن هذا الأمر لفارس؟"

"ربما لأنها أرادت أن تحميه من الألم. أرادت أن تُظهر له أن والدته قويةٌ ولم تنكسر. ولأنها ربما... شعرت بالخجل، أو بالضعف، وعدم الرغبة في إعادة فتح الجراح."

"وهل كان هذا الرجل... هل كان له أي علاقةٍ بعائلتنا؟" سألت نور، متسائلةً عما إذا كانت هناك رابطةٌ قديمةٌ لم تدركها.

نظرت جدتها إلى نور بتمعن، ثم قالت: "ليس إلى حد علمي. لكن... هناك شيءٌ أذكرُه. في تلك الفترة، كانت هناك مشكلةٌ كبيرةٌ في عائلةٍ قريبةٍ لنا. مشكلةٌ ماليةٌ كبيرةٌ أدت إلى انهيارهم. وقد ارتبط اسم رجلٍ غامضٍ بتلك المشكلة. لكن لم يتم الربط بينه وبين أي شخصٍ معينٍ في ذلك الوقت. كانت تلك فترةً عصيبةً على الكثيرين."

شعرت نور بأن قطع الأحجية بدأت تتجمع ببطء. خطيب السيدة ليلى المتورط في قضايا مالية، ثم اختفاءه. والمشكلة المالية الكبيرة التي عصفت بإحدى العائلات. هل يمكن أن يكون هناك رابطٌ خفيٌّ بين كل هذه الأمور؟

"جدتي، هل يمكنكِ أن تخبريني المزيد عن تلك المشكلة المالية؟ ومن كانت تلك العائلة؟" سألت نور، بلهجةٍ لم تستطع السيطرة عليها.

نظرت جدتها إليها، ثم قالت: "كانت تلك العائلة... عائلة رجلٍ يدعى السيد إبراهيم. كان لديه ابنةٌ وحيدةٌ اسمها... ليلى."

تجمدت نور في مكانها. ليلى؟ ابنة السيد إبراهيم؟ لم تكن هناك ليلى في عائلة جدتها، ولا في عائلة والدها. ثم تذكرت. والدة فارس كان اسمها ليلى. وهل كان السيد إبراهيم هو والدها؟

"ولكن... هذا مستحيل." قالت نور، وهي تشعر بالدوار. "والدة فارس... لم يكن اسمها إبراهيم، بل كانت تأتي من عائلةٍ مختلفة."

"لا يا ابنتي. لا تقولي مستحيل. أحياناً، الحياة تُخبئ لنا حقائقَ تفوق الخيال." قالت جدتها، بعينين تحملان الكثير من الأسى. "في الواقع، السيدة ليلى التي تعرفينها، هي ابنة عمٍّ للسيدة ليلى التي تزوجها السيد يوسف. والقصة التي سمعتها عن خطيبها... هو فعلاً كان مرتبطاً بخطيب السيدة ليلى التي نعرفها. وكان خطيبها متورطاً مع والده في قضايا فسادٍ كبيرة. وعندما انكشفت الأمور، حاول الهرب، لكنه اختفى. ووالده، السيد إبراهيم، خسر كل شيءٍ، وانتحر."

"والسيدة ليلى الثانية... هل هي والدة فارس؟" سألت نور، تشعر بأن الأرض تدور بها.

"لا يا ابنتي. السيدة ليلى التي تزوجها السيد يوسف، والدة فارس، هي ابنة عمٍّ للسيدة ليلى ابنة السيد إبراهيم. يعني... إنهما قريبتان جداً. والسيدة ليلى ابنة السيد إبراهيم، هي التي عانت كثيراً في تلك الفترة، وخطيبها هو الذي تخلى عنها. أما السيدة ليلى، والدة فارس، فكانت شاهدةً على كل هذه المعاناة، وربما... لم تستطع نسيانها."

"ولكن... إذا كان السيد إبراهيم قد انتحر، ومن كان ذلك الخطيب؟" سألت نور، وهي تحاول استيعاب كل هذه المعلومات.

"ذلك الخطيب... كان شخصاً له اسمٌ معروفٌ في المجتمع حينها. كان طموحاً، ولكنه فاسد. وقد استغل سذاجة عائلة السيدة ليلى ابنة إبراهيم. ثم... اختفى. ولم يعد له أثر."

"ولماذا لم تتحدث السيدة ليلى، والدة فارس، عن هذه القصة؟" سألت نور.

"ربما لأنها أرادت أن تنسى كل تلك الآلام. وربما، لأنها شعرت بأن عائلة السيد إبراهيم، بما فيهم ابنتها ليلى، قد أساءت لها بطريقةٍ ما، أو ربما... كانت تلك فترةً سوداءً لا تريد أن تتذكرها. الأسرار العائلية معقدةٌ يا ابنتي، والحقائق غالباً ما تكون مؤلمة."

شعرت نور بضبابٍ كثيفٍ يغطي كل شيء. قصة السيدة ليلى، والدة فارس، كانت أكثر تعقيداً مما تخيلت. وجراح الماضي كانت عميقة. لكنها لم تفهم بعد كيف ترتبط هذه القصة بها.

"جدتي، هل كانت هناك أي علاقةٍ بين عائلتنا وبين عائلة السيد إبراهيم؟" سألت نور، بخوفٍ دفين.

نظرت جدتها إلى نور، وبدت عيناها تحملان سراً. "يا ابنتي، الماضي مثل النهر، قد تبدو مياهه هادئةٌ من الخارج، لكن تياراته عميقةٌ وغادرة. وهناك حقائقَ قد لا تُقال إلا عندما يحين وقتها."

شعرت نور بأنها في مأزق. لقد اكتشفت جزءاً من الحقيقة، لكن الجزء الأهم، والذي يربط كل شيءٍ ببعضه، كان لا يزال مختبئاً. ما الذي تخفيه جدتها؟ وما الذي كان يخفيه خطيب السيدة ليلى؟ ولماذا كان كل هذا الماضي المؤلم يلوح في الأفق قبل زفافها؟

نظرت إلى الدعوة مرةً أخرى. حفلة عشاء. تاريخٌ محدد. كل ذلك بدا الآن محملاً بالمعاني المخفية. هل كانت السيدة ليلى تريد أن تتأكد من أن نور لا تحمل أي ماضٍ ملوثٍ، قبل أن تسمح بزواجها من ابنها؟ أم أنها كانت تخشى شيئاً آخر؟

خرجت نور من منزل جدتها، وقلبها يضطرب. كانت قد بدأت رحلةً لكشف الحقيقة، ولكن كل خطوةٍ كانت تقودها إلى المزيد من الغموض. لقد أدركت أن قصة زواجها من فارس لم تكن مجرد قصة حبٍّ بسيطة، بل كانت تتداخل مع خيوطٍ معقدةٍ من الماضي، وربما، من مستقبلٍ غامضٍ ينتظرها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%