زوجتي الجميلة الجزء الثاني
مفاجآت الحفل ووشوشاتٌ خفية
بقلم ليلى الأحمد
تسللت الأيام الأخيرة قبل حفل العشاء، ولم تهدأ عاصفة الأسئلة التي دارت في رأس نور. كانت تعيش حالةً من الترقب الممزوج بالخوف. كلما فكرت في قصة السيدة ليلى، وجراح ماضيها، شعرت بأن هناك صلةً ما تربطها بهذه الحكاية، صلةٌ غامضةٌ لم تستطع بعد كشف كُنهها.
كان فارس يحاول جاهداً أن يُطمئنها، وأن يُبعد عنها أي شعورٍ بالقلق. "يا حبيبتي، لا تدعي هذه الأمور تُعكّر صفو سعادتنا. والدتي تحبكِ، وتريدكِ أن تكوني سعيدة. هذا الحفل مجرد احتفاءٍ بقرب زواجنا، واحتفاءٍ بكِ كعضوةٍ جديدةٍ في العائلة." كان يقول لها ذلك كلما تحدثا.
لكن نور لم تستطع أن تتجاهل شعورها العميق بأن هناك شيئاً أكبر يحدث. في أحد الأيام، وبينما كانت تتصفح بعض الصور القديمة لعائلتها، وقعت عيناها على صورةٍ لسيدةٍ مسنةٍ تقف بجانب جدتها في إحدى المناسبات العائلية. كانت السيدة المسنة تشبه والدة فارس، السيدة ليلى، ولكنها بدت أكبر سناً، وأكثر هدوءاً. بجانبها، كانت هناك فتاةٌ صغيرةٌ بشعرٍ داكنٍ وعينين واسعتين. كانت تلك الفتاة تشبه نور بشكلٍ غريب.
شعرت نور بقشعريرةٍ تسري في جسدها. من تكون هذه السيدة؟ ومن تكون هذه الفتاة؟ وهل يمكن أن تكون هناك علاقةٌ بينها وبين عائلتها؟
قررت نور أن تسأل جدتها فوراً. وعندما عرضت عليها الصورة، نظرت إليها الجدة طويلاً، ثم قالت بعينين دامعتين: "هذه السيدة... هي والدة السيدة ليلى، والدة فارس. أي جدة فارس. وابنتها، تلك الفتاة الصغيرة... هي السيدة ليلى نفسها."
"لكن... إنها تبدو مختلفةً جداً." قالت نور، في حيرة.
"بالتأكيد. هذه الصورة تعود لسنواتٍ طويلةٍ جداً، قبل أن تمر السيدة ليلى بالكثير من الصعاب." قالت جدتها، بحزن. "أما الفتاة الصغيرة... هذه هي ليلى، والدة فارس. وهي تبدو وكأنها تحمل شيئاً من ملامحكِ، أليس كذلك؟"
"نعم، جداً." اعترفت نور، وشعرت بأن خيطاً جديداً من الحقيقة بدأ يتكشف. "ولكن... هل يمكن أن تكون هناك علاقةٌ بيني وبين عائلتهم؟"
"كل شيءٍ ممكنٌ يا ابنتي." قالت جدتها، بنبرةٍ تحمل الكثير من الغموض. "الحياة مليئةٌ بالمفاجآت. ولكن، دعكِ من هذا الآن. ركزي على الاستعداد للحفل. اجعليه يوماً لا يُنسى."
في ليلة الحفل، شعرت نور بأنها تقف على خشبة المسرح. كانت ترتدي فستاناً أزرق سماوياً، يبرز جمالها الطبيعي، وتزينت ببعض المجوهرات الرقيقة التي أهداها لها فارس. كانت تحاول أن تبدو هادئةً وواثقة، ولكن قلبها كان يخفق بقوة.
وصلت نور برفقة والدها ووالدتها إلى قصر العائلة. كان القصر مضاءً بألف شمعة، وكان صدى الموسيقى الهادئة يملأ الأجواء. استقبلتهم السيدة ليلى بابتسامةٍ واسعة، كانت أكثر دفئاً من ذي قبل. "أهلاً وسهلاً بكم! نورتوا البيت يا عائلتي العزيزة." قالت، محتضنةً نور بحرارة.
كانت نور سعيدةً بهذه اللفتة، ولكنها لم تستطع أن تتجاهل نظرات السيدة ليلى التي كانت تبدو وكأنها تبحث عن شيءٍ ما في وجهها.
بدأ الحفل، وتعرفت نور على عائلة فارس بأكملها. كانوا جميعاً لطفاءً ومرحبين، وكانت تشعر بأنها تتأقلم بسرعة. لكن كان هناك شيءٌ واحدٌ يزعجها. كانت والدة فارس، السيدة ليلى، تقضي وقتاً طويلاً في الحديث مع رجلٍ غريبٍ عنها، رجلٌ بدا عليه الثراء والقوة، ولكن كان في عينيه نظرةٌ من القلق.
لاحظت نور أن السيدة ليلى تهمس في أذن هذا الرجل بين الحين والآخر، ثم تنظر نحو نور، وكأنها تقارن بينهما، أو ربما... تحذرها.
عندما أتيحت لها الفرصة، سألت نور والدتها عن هذا الرجل. "من هو يا أمي؟ أعتقد أنني رأيته مع السيدة ليلى كثيراً اليوم."
"هذا السيد خالد. هو صديقٌ قديمٌ للعائلة، ومن المقربين جداً من والدة فارس." أجابت والدتها، بنبرةٍ هادئة.
"صديقٌ قديمٌ؟" استغربت نور. "ولكنني لم أره من قبل."
"ربما لم يكن يحضر المناسبات الكبيرة في السابق. لديه بعض الأعمال في الخارج." قالت والدتها، ثم تابعت: "هل أنتِ مرتاحةٌ يا ابنتي؟ هل تشعرين بشيءٍ غريب؟"
"لا أعرف يا أمي. أشعر بأن هناك شيئاً ما، لكنني لا أستطيع تحديد ما هو." اعترفت نور.
في وسط الحفل، جاء دور السيدة ليلى لإلقاء كلمةٍ ترحيبية. وقفت على المنصة، ونظرت إلى الحاضرين، ثم وقفت عيناها على نور. "أيها الحضور الكرام، باسمي وباسم ابني الغالي فارس، أرحب بكم جميعاً في هذا المساء السعيد. نحن اليوم نجتمع لنحتفي بقرب ارتباط ولدي الغالي بفتاةٍ أحببناها وأصبحت جزءاً من قلوبنا، السيدة نور. لقد جمع القدر بينهما، وكما يقول المثل، ما كُتب لابد أن يكون."
توقفت السيدة ليلى لبرهة، ثم تابعت بصوتٍ اهتز قليلاً: "ولكن، في بعض الأحيان، يأتي ما كُتب محملاً بالمسؤوليات، وبالتحديات. وأنا، كأمٍّ، أحببتُ أن أُعطي ابني وزوجته المستقبلية بعض النصائح، ولنقل، بعض التحذيرات. الحياة ليست دائماً وردية، وهناك أشخاصٌ قد يسعون للتلاعب بالحقائق، أو لاستغلال طيبة القلب. يجب علينا دائماً أن نكون يقظين، وأن نبحث عن الحقيقة خلف كل ابتسامة."
شعرت نور بأن قلبها يكاد يتوقف. هل كانت هذه الكلمات موجهةً إليها؟ هل كانت السيدة ليلى تحذرها من السيد خالد، أم من شخصٍ آخر؟
بعد الكلمة، اقترب منها السيد خالد. كانت نظراته لا تزال تحمل ذلك القلق. "مساء الخير يا آنسة نور. أتمنى أن تستمتعي بحفلنا." قال بصوتٍ هادئ.
"مساء النور. شكراً لك." أجابت نور، وهي تحاول أن تقرأ ما في عينيه.
"سمعتُ كلمة السيدة ليلى. إنها امرأةٌ حكيمةٌ جداً." قال السيد خالد، ثم أضاف بنبرةٍ تبدو وكأنها تحمل تحذيراً: "وهي تحبّ ابنها أكثر من أي شيءٍ آخر. وأحياناً، الحبّ يجعلنا نتخذ قراراتٍ صعبة، أو نُقدم على خطواتٍ قد تبدو غريبة، ولكنها في النهاية تخدم مصلحة من نحب."
"وهل تعتقد أن هذه الخطوات مهمةٌ لتكون مصلحة فارس؟" سألت نور، دون أن تدري لماذا.
نظر السيد خالد إليها طويلاً، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة. "لا أستطيع أن أجيب عن هذا السؤال. ولكن، تذكري دائماً، أن الماضي له بصماتٌ لا تمحى، وأن هناك أسراراً قد لا يُمكن أن تُخبأ إلى الأبد."
شعرت نور بأن كلماته تزيد من حيرتها. هل كان السيد خالد يريد أن يُبعدها عن فارس؟ أم أنه كان يريد مساعدتها؟
في تلك اللحظة، رأت نور السيدة ليلى تقف بعيداً، تنظر إليها وإلى السيد خالد. كانت عيناها تحملان خليطاً من القلق والترقب. ثم، في لحظةٍ خاطفة، التقت عيناهما، وأدركت نور شيئاً. في نظرة السيدة ليلى، كان هناك نوعٌ من الشفقة، ونوعٌ من الاعتذار.
شعرت نور بأنها على وشك الغرق في بحرٍ من الأسرار. لقد كان هذا الحفل، الذي كان من المفترض أن يكون احتفاءً بسعادتها، قد فتح أبواباً إلى عالمٍ مظلمٍ من الماضي. كانت السيدة ليلى تخفي شيئاً، والسيد خالد يحاول إيصال رسالةٍ مبطنة، وجدتها قد تركت لها خيطاً رفيعاً من الحقيقة.
بعد الحفل، وقبل أن تغادر، اقتربت نور من السيدة ليلى. "سيدتي، لقد استمتعتُ كثيراً الليلة. شكراً لكِ على هذا الحفل الرائع." قالت نور، متغلبةً على توترها.
ابتسمت السيدة ليلى، ولكن الابتسامة لم تصل إلى عينيها. "يسعدني ذلك يا نور. أتمنى لكِ كل السعادة. تذكري، أن عائلتنا تحميكِ."
"وهل أحتاج إلى حماية؟" سألت نور، مباشرةً.
نظرت السيدة ليلى إليها طويلاً، ثم قالت بصوتٍ خفيض: "في بعض الأحيان، يا ابنتي، الحاجة إلى الحماية تأتي من حيث لا نتوقع. كن يقظةً، واعتمدي على قلبكِ. هو دليلكِ الأفضل."
غادرت نور القصر، وقلبها يخفق. كانت قد شعرت في تلك الليلة بأنها تقف على مفترق طرق. كان زواجها من فارس قاب قوسين أو أدنى، لكن الظلال التي تلوح في الأفق كانت تنذر بقدوم عاصفة. ما هي الأسرار التي تخفيها السيدة ليلى؟ وما هو دور السيد خالد في كل هذا؟ ولماذا شعرت نور بأن عيني السيدة ليلى تحملان اعتذاراً؟
كانت تعلم أن الأيام القادمة ستكون مليئةً بالكشف. وكان عليها أن تكون مستعدةً لمواجهة أي شيء.