زوجتي الجميلة الجزء الثاني
غيومٌ تحجبُ سماءَ السعادة
بقلم ليلى الأحمد
استيقظتْ ليلى على دفءٍ مألوفٍ، أنفاسُ زوجها الكريم، خالد، تداعبُ وجنتها. فتحتْ عينيها ببطءٍ، فوجدتْ نفسها في سريرهما الوثير، وقد غطّاهما بطانيةٌ ثقيلةٌ توحي بشيءٍ من البردِ الخفيفِ الذي اعتادتهْ في هذا الموسم. لكنْ، لم يكنْ دفءُ خالدٍ هو الشيءَ الوحيدَ الذي استقرَّ في قلبها، بلْ كانَ هناكَ شعورٌ متزايدٌ بالقلقِ، يختلجُ في صدرها كعصفورٍ أسير.
تذكّرتْ مكالمتها البارحةَ المتأخرةَ معَ أخيها الأكبر، أحمد. لمْ يكنْ أحمدُ منْ عادتهِ الاتصالُ في وقتٍ متأخرٍ كهذا، إلا إنْ كانَ هناكَ أمرٌ جلل. نبرتهُ كانتْ متوترةً، وصوتهُ مشوباً بخوفٍ غيرِ مبررٍ في نظرهِ. تحدثَ عنْ أخبارٍ سمعها، عنْ شائعاتٍ تتداولُ حولَ شركةِ خالدٍ، وعنْ مخاطرَ قدْ تهددُ سمعتَهُ ومستقبلَهُ. لمْ يفصحْ عنْ تفاصيلَ، لكنْ كلماتهٌ الغامضةُ أثارتْ في نفسِ ليلى خوفاً عظيماً، جعلتْ نومها مضطرباً.
تململتْ في فراشها، محاولةً إبعادَ تلكَ الأفكارِ السوداوية. ربّتَ خالدٌ على كتفها برفقٍ، وقدْ شعرَ بحركتها. "ما بكِ يا حبيبتي؟ ألا ترتاحين؟" سألَ بصوتٍ ناعسٍ، لكنهُ يحملُ دفءَ الصباحِ.
أدارتْ ليلى وجهها إليهِ، وحاولتْ أنْ ترسمَ ابتسامةً، لكنها بدتْ زائفةً حتى بعينيها. "لا شيءَ يا خالد، ربما رأيتُ حلماً مزعجاً."
ابتسمَ خالدٌ، ومرَّرَ أصابعَهُ على شعرها المبعثرِ. "هلْ تريدينَ أنْ تخبريني بهِ؟ ربما أستطيعُ تهدئةَ مخاوفكِ."
ترددتْ ليلى. هلْ يجبُ أنْ تخبرهُ بما سمعتهُ منْ أحمد؟ هلْ كانتْ مجردَ شائعاتٍ باطلةٍ، أمْ أنْ هناكَ حقيقةً مرةٌ تختبئُ خلفَ هذهِ الأقاويل؟ أدركتْ أنْ إثارةَ القلقِ في نفسِ خالدٍ دونَ دليلٍ قاطعٍ قدْ يكونُ أمراً غيرَ لائقٍ، وقدْ يسببُ لهُ ضغطاً إضافياً. لكنْ، صمتها هذا قدْ يزيدُ منْ شعورها بالذنبِ والعزلةِ.
"في الواقعِ،" بدأتْ، "تحدثتُ البارحةَ معَ أخي أحمد. كانَ قلقاً بشأنِ بعضِ الأخبارِ التي سمعها بخصوصِ عملكِ. لمْ يذكرْ شيئاً محدداً، لكنْ نبرتهُ جعلتني أشعرُ ببعضِ القلق."
نهضَ خالدٌ جالساً، وقدْ تبدلتْ ملامحُ وجههِ منْ النعاسِ إلى شيءٍ منْ التأملِ. "أحمد؟ وما هيَ طبيعةُ هذهِ الأخبارِ؟"
"لمْ يقلْ لي شيئاً، فقطْ ألمحَ إلى بعضِ المتاعبِ المحتملةِ، أوْ شيءٍ يتعلقُ بالسمعةِ. قالَ إنها مجردُ أقاويلَ، لكنْ... لمْ أستطعْ تجاهلَ صوتهِ."
صمتَ خالدٌ لبرهةٍ، وعيناهُ مثبتتانِ على نقطةٍ بعيدةٍ في الغرفةِ. ثمّ قالَ بهدوءٍ: "أحمدٌ رجلٌ حريصٌ، وهذا منْ صفاته الطيبة. ولكنْ، في عالمِ الأعمالِ، تنتشرُ الشائعاتُ كالنارِ في الهشيمِ. لا تقلقي يا ليلى، أنا أعملُ بجدٍّ وبنزاهةٍ، ولنْ تدعَ أقاويلَ الناسِ تؤثرُ على عملي أوْ على راحةِ بالنا."
حاولَ خالدٌ أنْ يطمئنها، لكنْ ليلى رأتْ في عينيهِ شيئاً منْ التفكيرِ العميقِ. لمْ يكنْ كلامهُ مجردَ مواساةٍ. كانَ يحملُ بعضَ الحقيقةِ.
"ولكنْ، هلْ أنتَ متأكدٌ؟" سألتْ بصوتٍ خفيضٍ.
"بالتأكيدِ. إذا كانَ هناكَ أيُّ شيءٍ يستدعي القلقَ، فسأخبركِ بهِ. أما الآنَ، فدعنا نستمتعُ بهذا الصباحِ الهادئِ. لدينا يومٌ طويلٌ أمامنا."
وبينما كانَ يحاولُ استعادةَ روتينِ الصباحِ المعتادِ، وتقبيلِ جبينها، وشربِ قهوتهِ، شعرتْ ليلى بأنَّ الغيمةَ السوداءَ ما زالتْ تحومُ فوقَ رأسها. لمْ يتبددْ قلقها تماماً. كانتْ تعرفُ أنَّ خالدٍ يحاولُ أنْ يكونَ قوياً ويحميها، لكنَّ شعورَ الغموضِ هذا كانَ كابوساً يؤرقها.
في وقتٍ لاحقٍ منْ ذلكَ اليومِ، وبينما كانتْ ليلى تتفقدُ أعمالَ جمعيتها الخيريةِ، تلقتْ اتصالاً هاتفياً منْ والدةِ صديقتها المقربةِ، سارة. بدتْ والدةُ سارة، السيدةَ فاطمة، قلقةً أيضاً.
"يا ليلى، هلْ أنتِ بخير؟ سمعتُ بعضَ الأخبارِ عنْ خالدٍ، ولمْ أستطعْ الاتصالَ بهِ مباشرةً، فآثرتُ أنْ أكلمكِ."
اشتدَّ قلقُ ليلى. "ما هيَ الأخبارُ التي سمعتِها يا خالتي فاطمة؟"
"يقولونَ إنَّ هناكَ مشكلةً ماليةً كبيرةً في شركتهِ، وأنَّ بعضَ المستثمرينَ بدأوا يسحبونَ أموالهم. هلْ هذا صحيحٌ؟"
شعرتْ ليلى بأنَّ الأرضَ تميدُ بها. هذا ما كانَ أحمدُ يقصدهُ. لمْ تكنْ مجردَ أقاويلَ عابرةٍ. كانتْ هناكَ أزمةٌ حقيقيةٌ بدأتْ تتكشفُ. "لمْ يخبرني خالدٌ بشيءٍ يا خالتي، لكنْ... ربما سمعتُ همساً منْ قبلُ."
"آهٍ يا ابنتي، قلبي معكِ. أتمنى أنْ يكونَ كلُّ شيءٍ بخيرٍ. خالدٌ شابٌ طموحٌ، ومنْ الطبيعيِّ أنْ يواجهَ تحدياتٍ. لكنْ، لا تستهيني بهذهِ الأمورِ. الأموالُ أحياناً تجعلُ الناسَ يتصرفونَ بغرابةٍ."
انتهتْ المكالمةُ، وتركتْ ليلى في حالةٍ منْ الذهولِ. حاولتْ أنْ تتصلَ بخالدٍ، لكنهُ لمْ يردْ على هاتفها. ربما كانَ مشغولاً في اجتماعاتٍ مهمةٍ، أوْ ربما كانَ يتجنبُ الحديثَ معها في هذا الموضوعِ.
جلستْ ليلى على أريكتها، ووضعتْ وجهها بينَ يديها. فكرتْ في مستقبلها معَ خالدٍ. هلْ ستكونُ قادرةً على الوقوفِ بجانبهِ في هذهِ الأوقاتِ الصعبةِ؟ هلْ هيَ حقاً مستعدةٌ لمواجهةِ أعباءِ الحياةِ الزوجيةِ التي تفوقُ مجردَ الحبِّ والرومانسيةِ؟
تذكرتْ آيةً قرأتها في المصحفِ الشريفِ: "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ". حاولتْ أنْ تتمسكَ بهذهِ الآيةِ، وأنْ تستلهمَ منها القوةَ.
عندما عادَ خالدٌ إلى المنزلِ في وقتٍ متأخرٍ منْ ذلكَ المساءِ، كانتْ ليلى تنتظرهُ في صالةِ الجلوسِ. كانتْ قدْ أعدتْ لهُ العشاءَ، وأضاءتْ المكانَ بالشموعِ، محاولةً خلقَ جوٍ منْ الهدوءِ والرومانسيةِ، رغمَ القلقِ الذي كانَ ينهشُ قلبها.
جلسَ خالدٌ بجانبها، وبدتْ على وجههِ علاماتُ الإرهاقِ والتعبِ. "مساءُ الخيرِ يا حبيبتي. لقدْ كنتُ مشغولاً جداً اليومَ."
"مساءُ النورِ يا خالد. كيفَ كانَ يومكَ؟" سألتْ، وهيَ تراقبُ عينيهِ عنْ كثبٍ.
ترددَ خالدٌ لبرهةٍ، وكأنهُ يزنُ كلماتهٌ. "كانَ يوماً مليئاً بالعملِ، وبعضُ المفاجآتِ."
"مفاجآتٍ؟ هلْ هيَ منْ النوعِ الجيدِ أمْ السيئِ؟" سألتْ ليلى، ونبرتها تحملُ مزيجاً منْ الفضولِ والخوفِ.
تنهدَ خالدٌ بعمقٍ. "بعضُ الأمورِ التي لمْ أكنْ أتوقعها، يا ليلى. ولكنْ، لا تقلقي. سنتعاملُ معَ كلِّ شيءٍ."
لمْ يفصحْ عنْ شيءٍ، لكنَّ نظراتهِ أبلغتْ عنْ الكثيرِ. أدركتْ ليلى أنَّ الصمتَ لمْ يعدْ خياراً. لقدْ حانَ وقتُ المواجهةِ.
"خالد،" قالتْ بصوتٍ ثابتٍ، "لقدْ سمعتُ بعضَ الأمورِ اليومَ. عنْ مشاكلَ ماليةٍ، وعنْ سحبِ مستثمرينَ. هلْ هناكَ ما يجبُ أنْ أعرفهُ؟"
نظرَ خالدٌ إلى الأرضِ، ثمّ رفعَ عينيهِ إليها. كانتْ فيهما نظرةٌ مختلطةٌ بينَ الأسفِ والإصرارِ. "نعم يا ليلى. هناكَ بعضُ الأمورِ. لقدْ واجهتُ بعضَ التحدياتِ في شركتي مؤخراً. هناكَ منافسةٌ شرسةٌ، وبعضُ الصفقاتِ لمْ تسرْ كما خططتُ لها. نعم، هناكَ بعضُ المستثمرينَ الذينَ تراجعوا. لكنْ، أنا أعملُ على إيجادِ حلولٍ."
شعرتْ ليلى بالخوفِ، ولكنْ أيضاً بشيءٍ منْ الارتياحِ. على الأقلْ، لمْ يكنْ الأمرُ سراً. "ولماذا لمْ تخبرني؟"
"لأنني أردتُ أنْ أحميكِ. أنتِ زوجتي، وأحقُّ لكِ أنْ تعرفي، ولكنْ لمْ أردْ أنْ أقلقكِ قبلَ أنْ تتضحَ الصورةُ. ولكنْ، بما أنكِ علمتِ، فاعلمي أنني لنْ أدعَ هذهِ الأمورَ تؤثرُ على حياتنا، ولنْ أدعَها تدمرُ أحلامنا."
مدّتْ ليلى يدها، ومسكتْ بيدِ خالدٍ. كانتْ يدهُ باردةً، ولكنْ فيها قوةٌ. "أنا معك يا خالد. مهما حدثَ، سأكونُ بجانبكَ. نحنُ الآنَ أسرةٌ واحدةٌ، ويجبُ أنْ نواجهَ التحدياتِ معاً."
ابتسمَ خالدٌ، ابتسامةً مرهقةً ولكنْ صادقةً. "أعلمُ ذلكَ يا ليلى. وأنا ممتنٌ لوجودكِ في حياتي. أنتِ قوتي الحقيقيةُ."
في تلكَ اللحظةِ، وبينما كانتْ كلماتهٌ تترددُ في الهواءِ، شعرتْ ليلى بأنَّ عاصفةَ الشكوكِ والقلقِ قدْ بدأتْ تلوحُ في الأفقِ، لكنَّ ارتباطها بخالدٍ، وإصرارها على دعمِهِ، كانا بمثابةِ المنارةِ التي تهدي سفينةَ حياتهما في بحرٍ مضطربٍ. لكنَّ السؤالَ يبقى: هلْ ستكونُ هذهِ الأزمةُ نقطةَ بدايةٍ جديدةٍ، أمْ نهايتها؟