زوجتي الجميلة الجزء الثاني

وشاح الحقيقة الليلة

بقلم ليلى الأحمد

كانت ليلةٌ لا تشبه أي ليلةٍ مرت على قصر الباشا. الهواء ثقيل، مشبعٌ بعبق الياسمين المتسلق على الأسوار، لكنه يحمل أيضاً ثقلاً لم تعهده الزوجات الشابات. كانت "ليلى" تحدق في وجه زوجها، "سالم"، الذي بدا وكأنه يحمل هموم الدنيا كلها على كتفيه. عيناه، اللتان اعتادتا البريق والحنان، غارقتان الآن في ظلالٍ عميقة، كأنما شاهدا ما لا يُراد رؤيته.

"ما بك يا سالم؟" سألت بصوتٍ هامس، حاول أن يخفي الرجفة التي تسللت إلى أطرافه. لم يكن وجهه المنصرف هو نفسه الوجه الذي أحبته، والذي وثقت به. الصمت الذي كان بينهما لم يكن صمت الألفة، بل صمتٌ ثقيل، صمتٌ تتراكم فيه الأسئلة دون إجابات.

"لا شيء يا ليلى، مجرد أفكارٌ تشغل بالي." أجاب بفتور، دون أن يلتقي نظرها. يده، التي كانت غالباً ما تبحث عن يدها لتشابكها، كانت الآن مشدودةً إلى جانبه، كأنما يخاف أن يلمسها.

"أفكار؟ ولكنك منذ أمس وأنت على هذا الحال. هل هناك ما يزعجك؟ ربما يمكنني أن أساعد." حاولت أن تقترب منه، أن تجد منفذاً إلى عالمه المنغلق. ولكن كلماتها بدت وكأنها تصطدم بجدارٍ غير مرئي.

تنهد سالم تنهيدةً عميقة، بدت وكأنها تخرج من أعماق روحه. "الأمر أعمق من أن تفهميه يا ليلى."

تجمدت ليلى في مكانها. هذه العبارة، "أعمق من أن تفهميه"، كانت كالسهم الذي يخترق قلبها. هل يعني أن ثقتها به، أو حبه، لم يعد يكفي؟ هل بدأ الشعور بالاغتراب يتسلل إلى ما بنياه معاً؟

"لا تقل هذا سالم. نحن زوجان، وما يعنّيـ.ــك يعنيني." قالت بصرامةٍ أخفت بها خيبتها. "حدثني."

نظر إليها أخيراً، ولأول مرةٍ في تلك الليلة، ألقت عيناه عليها نظرةً تخلو من الرسمية، لكنها مليئةٌ بالألم. "هناك أمورٌ في ماضيي، يا ليلى، أمورٌ لم أبوح لك بها. أمورٌ أرّقتني طويلاً، وظننت أنني طويت صفحتها."

ارتعش قلبها. هل كان الأمر يتعلق بزوجته الأولى، "نورة"؟ لكنه كان دائماً يتحدث عنها باحترام، وبحزنٍ يعكس حبه لها، ولم يبدُ قط أنه يخفي شيئاً.

"وما هي هذه الأمور؟" سألت بصوتٍ بالكاد مسموع.

"إنها تتعلق بطريقة حصولنا على هذا القصر، وبالديون التي تراكمت على أبي. وبأشخاصٍ... أشخاصٍ لا يريدون منا أن ننسى." قال سالم، وكلماته تتساقط كقطعٍ ثلجيةٍ باردة.

شعرت ليلى ببرودةٍ غريبة تسري في عروقها. "وما علاقة هذا بي؟"

"علاقتكِ... أنكِ الآن جزءٌ من هذا كله. وأنني... أريد أن أحميكِ." قال، وفي عينيه قلقٌ لم تعهده.

"تحميني؟ من ماذا؟"

"من الخطر."

كانت كلمة "خطر" تتردد في أذنها، تسبح في سكون القصر المطبق. لم تفهم شيئاً. ظنت أن حياتهما قد استقرت، وأن سعادتهما باتت مؤكدة.

"لا أفهم شيئاً يا سالم." قالت، وشعرت بالدموع تتجمع في عينيها. "ماذا تخفي عني؟"

"ليس إخفاءً يا ليلى، بل حماية." حاول أن يمسك بيدها، لكنه تردّد. "لقد أرسل لي أحدهم... رسالة."

"رسالة؟ وماذا فيها؟"

"رسالةٌ تهديد. يطلبون مني مالاً، وإلا... وإلا سيفضحون سراً قديماً."

"سراً قديماً؟ ما هو هذا السر؟"

"سرٌ يتعلق بطريقة حصول جدي على ثروته، وطريقة حصول والدي على هذا القصر. لقد كان هناك... تلاعب. ولولا هذا التلاعب، لما كنا هنا." اعترف بصوتٍ منخفض، أشبه بالهمس.

شعرت ليلى وكأن الأرض تميد بها. هل كان كل هذا البهاء، كل هذه العراشي، مبنيّاً على وهم؟ على غش؟

"ولكن... والدي؟" سألت، وقد خنقها الحزن. "كان رجلاً صالحاً."

"لقد كان طيب القلب يا ليلى، لكنه... ربما لم يكن قوياً بما يكفي ليقول "لا" لأشخاصٍ معينين." تنهد سالم. "لقد تورط، ثم تورط أكثر، وظن أن الأمر سينتهي. لكنه لم ينته."

"ومن هم هؤلاء الأشخاص؟"

"إنهم... عائلةٌ قديمةٌ في المدينة، لها نفوذٌ كبير. لطالما كانوا يسعون خلف ثروة جدي. لقد استغلوا ضعف والدي."

"ولماذا الآن؟ لماذا يهددونك الآن؟"

"لأنهم يرونني قويّاً، ويرون أنني أسير في الطريق الصحيح. لا يريدون أن أستقر، لا يريدون أن أكون سعيداً. يريدون استغلالي كما استغلوا والدي."

كانت ليلى تنظر إليه، وقلبها ينفطر. كل الأحلام التي بنتها، كل الأمنيات التي نسجتها حول هذا الزواج، بدأت تتشوه أمام هذه الحقيقة المرة.

"وهل... هل ستدفع لهم؟" سألت، بخوفٍ واضح.

"لا أعرف. إنها بدايةٌ لشيءٍ كبير، يا ليلى. شيءٌ قد يغير حياتنا كلها." قال سالم، ووجهه يعكس صراعاً داخلياً عنيفاً. "لقد وعدتك بحياةٍ هادئة، لكن يبدو أن هذا الوعد... أصبح صعب المنال."

"لكننا سنجتازه معاً، يا سالم." قالت ليلى، متشبثةً بحبها له، بقوتها التي وجدتها فيه. "مهما كان الأمر، سنتجاوزه. لن تدفع وحدك."

نظر إليها بامتنانٍ عميق. "شكراً لكِ يا ليلى. ولكن... عليكِ أن تكوني مستعدةً لكل شيء. لكل ما قد يأتي."

ارتدت ليلى وشاحاً من الصوف الثقيل، رغم دفء الليلة. كانت تشعر ببردٍ يتغلغل في أعماقها. كانت تعلم أن هذه الليلة، التي بدأت كسائر الليالي، قد أصبحت بدايةً لعاصفةٍ لم يكن لها حساب. ووجدت نفسها واقفةً على حافة هاويةٍ لم ترها من قبل، ولكنها كانت متأكدةً من أنها لن تقف وحدها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%