زوجتي الجميلة الجزء الثاني
لغزٌ وراء ستارٍ من الدخان
بقلم ليلى الأحمد
بعد لقائهم مع العم يوسف ووالدته، لم يشعر سالم وليلى بالارتياح الكامل. كانت كلمات العم يوسف تبعث على الطمأنينة، ولكن الشكوك التي طرحتها ليلى ظلت عالقةً في أذهانهم. هل كانت الوثائق التي يملكها "فؤاد المرزوقي" حقيقية؟ وإن كانت كذلك، فما هو السبيل الوحيد لتجاوز هذا المأزق؟
"سالم، أنا قلقة." قالت ليلى، بينما كانوا يتمشون في حدائق القصر الواسعة، بعد غروب الشمس. كان الهواء يحمل عبق الأزهار، ولكن في نفس الوقت، كان هناك شعورٌ بأن شيئاً ما يختبئ خلف هذا الجمال.
"أنا أعرف يا ليلى." أجاب سالم، وهو يمسك بيدها. "ولكن، لا يمكننا أن نستسلم للشك. يجب أن نعمل. أنتِ طلبتِ البحث في الأرشيف القديم، وقد بدأنا بالفعل. العم يوسف سيقوم ببعض الاتصالات."
"ولكن، إذا كانت الوثائق حقيقية، فهذا يعني أن جدي أو والدي قد ارتكبوا أخطاءً كبيرة." قالت ليلى، بصوتٍ مليءٍ بالحزن. "وأنا لا أريد أن أصدق ذلك."
"لا تقلقي. حتى لو كان هناك أخطاء، فهذه ليست غلطتكِ، وليست غلطتنا. المهم الآن هو كيف سنتعامل مع الأمر."
"ولكن، إذا كانت الوثائق تثبت أن الثروة هذه... ليست ملكنا شرعاً، فماذا سنفعل؟"
"هذا سؤالٌ صعب." قال سالم، وهو ينظر إلى أضواء القصر المتلألئة. "ولكن، دعنا لا نفكر في أسوأ الاحتمالات الآن. دعنا نركز على ما يمكننا التحكم فيه."
في تلك الليلة، بينما كان سالم يحاول التركيز على العمل، تلقى اتصالاً هاتفياً. كان الصوت في الطرف الآخر غير مألوف، ولكنه بدا هادئاً بشكلٍ غريب.
"السيد سالم؟" سأل المتحدث.
"نعم، أنا هو." أجاب سالم.
"أتحدث إليك بالنيابة عن شخصٍ يرغب في مساعدتك." قال الصوت.
"مساعدتي؟ من أنت؟"
"اسمٌ ليس مهماً الآن. المهم هو أنني أعرف عن المشكلة التي تواجهها مع عائلة المرزوقي."
شعر سالم بالدهشة. كيف عرف هذا الشخص؟
"وكيف عرفت؟" سأل.
"هناك من يعرف الكثير عن كل شيء في هذه المدينة." أجاب الصوت. "ولكن، دعنا ننتقل إلى صلب الموضوع. أنا على استعدادٍ لإعطائك معلوماتٍ قد تكون حاسمة في قضيتك. معلوماتٌ قد تدعم موقفك، أو ربما... حتى تدحض ما يدعيه المرزوقي."
"وماذا تريد بالمقابل؟" سأل سالم، بحذر.
"الولاء. وأن تتعهد بعدم الكشف عن هويتي لأي أحد. وبأنك ستستخدم هذه المعلومات فقط لإنقاذ نفسك، وليس لإيذاء الآخرين. وبأنك ستساعدني في مهمةٍ خاصةٍ مستقبلاً."
"مهمة خاصة؟"
"نعم. ولكن، سنتحدث عن ذلك لاحقاً. الآن، أريدك أن تلتقي بي غداً، في مكانٍ هادئٍ بعيدٍ عن أعين الناس. سأعطيك الوقت والمكان."
"ومن أنت؟" سأل سالم مجدداً.
"شخصٌ أراد أن يرى الظلم يتوقف." قال الصوت، ثم أغلق الخط.
كان سالم مذهولاً. هل هذا فخ؟ أم فرصةٌ حقيقية؟
في اليوم التالي، ذهب سالم إلى المكان الذي حدده له المتصل. كان كشكاً مهجوراً على أطراف المدينة، بعيداً عن الأنظار. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وترسم ظلالاً طويلة.
وصل سالم، وشعر بتوترٍ غريب. كان ينتظر. وبعد قليل، خرج رجلٌ من الظلام، يرتدي ملابس بسيطة، ولكن نظراته كانت حادةً وذكية.
"السيد سالم؟" سأل الرجل.
"نعم."
"اسمي "أحمد". أنا من سيساعدك."
"وأنت من اتصل بي الليلة الماضية؟"
"نعم. أنا أعرف عن قصة عائلة المرزوقي، وعن الضغوط التي تعرض لها جدك ووالدك. لقد كنت قريباً من الأحداث في ذلك الوقت."
"قريباً؟ كيف؟"
"كان والدي يعمل مع أحد أفراد عائلة المرزوقي، وكان شاهداً على الكثير من صفقاتهم المشبوهة." قال أحمد، وهو ينظر حوله بحذر. "لقد رأيت كيف استغلوا ضعف والدك. لقد أجبروه على التوقيع على أوراقٍ لم يفهمها تماماً."
"وهل رأيت هذه الأوراق؟" سأل سالم، وقلبه ينبض بسرعة.
"نعم. لقد رأيتها. وكانت هناك أوراقٌ أخرى، ربما لم ترها أنت. أوراقٌ تثبت أن المبالغ التي دفعها والدك لم تكن لسداد ديونٍ حقيقية، بل كانت رشاوى، أو مبالغٌ تم تحويلها إلى حساباتٍ أخرى."
"ولكن، كيف يمكننا إثبات ذلك؟"
"هذا هو الجزء الصعب." قال أحمد. "لقد اختفت الكثير من الوثائق. ولكن، والدي ترك لي بعض الملاحظات، وبعض الأسماء. إذا استطعنا العثور على هذه الأسماء، والتحدث معهم، فقد نحصل على أدلة."
"وما هي هذه الأسماء؟"
"هناك شخصٌ كان يعمل كمحاسبٍ لدى عائلة المرزوقي في ذلك الوقت. اسمه "حسن". وآخر كان موظفاً في أحد البنوك التي تعاملوا معها."
"وهل تعرف أين نجدهم؟"
"حسن... لقد اختفى. ولكن، أعتقد أن لديه عائلةً لا تزال تعيش في هذه المدينة. أما المحاسب، فربما نجده. سأبحث عن معلوماتٍ عنه."
"وهل تعتقد أن "فؤاد" يعرف بهذا كله؟" سأل سالم.
"فؤاد؟ لا أعتقد أنه يعرف كل التفاصيل. هو يملك وثائق، نعم. ولكن ربما تكون مزورة، أو ناقصة. هو يحاول فقط أن يستغل ما يملك. ولكنه يعتقد أنه على حق."
"ولكن، كيف ستساعدني أنت؟"
"سأبحث عن الأدلة. وسأحاول مساعدتك في التواصل مع الأشخاص الذين قد يعرفون شيئاً. ولكن، تذكر، أنا لا أستطيع أن أواجه المرزوقي بشكلٍ مباشر. قوتي تكمن في المعلومات."
"ولماذا تفعل هذا؟" سأل سالم. "ما هو دافعك؟"
"كما قلت لك. الظلم. لقد رأيت كم عانى والدك. ورأيت كيف أن هذه العائلة تتحكم في كل شيء. أريد أن أرى نهايةً لهذه السيطرة."
"وماذا عن المهمة الخاصة التي ذكرتها؟"
"سنناقشها لاحقاً. عندما تنتهي هذه المشكلة." قال أحمد، وهو يبتسم ابتسامةً غامضة.
بينما كان سالم يستمع إليه، شعر بأن لغزاً كبيراً بدأ يتكشف، ولكن وراءه ظلالٌ أخرى، ودخانٌ كثيفٌ يخفي المزيد من الحقائق. لقد حصل على فرصة، ولكنها كانت محفوفةً بالمخاطر.
"شكراً لك يا أحمد." قال سالم. "سأنتظر منك أخباراً."
"سوف تتلقى أخباراً." أجاب أحمد، ثم اختفى في الظلام كما ظهر.
عاد سالم إلى القصر، وهو يحمل في جعبته معلوماتٍ جديدة، وأسئلةً أكثر. كان يعلم أن هذه اللعبة ليست بسيطة، وأنها تتطلب حذراً ودهاءً.