زوجتي الجميلة الجزء الثاني
غبار الذكريات على عتبات الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
كانت الغرفة تفوح منها رائحة الأعشاب الطبية الممزوجة بعبق بخور العود. اجتمع فيها الزمن، وحملت جدرانها حكايات سنين طوال. استقبلته جدته بابتسامة ضعيفة، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق دفء لا يخبو. كانت "أمينة"، سيدة في أواخر السبعينيات، بشعر أبيض اكتسى رأسها، ووجه حفرت عليه خطوط الزمن كل تجارب الحياة.
"فارس يا بني." قالت بصوت مرتجف من الشوق، ومدت يدها المرتعشة نحوه. "لقد عدت. أهلاً وسهلاً بعودتك."
عانقها بقوة، مستشعراً هشاشة جسدها، ولكنه وجد في حضنها أماناً ما فقده منذ زمن بعيد. بكى على كتفها، بكاء رجل كسرت أحلامه، وضاعت منه أغلى ما يملك.
"لقد تأخرت يا جدتي." تمتم بصوت مخنوق. "تأخرت كثيراً."
"لا تقل ذلك يا بني." ربّتت على ظهره بلطف. "المهم أنك عدت. المهم أن قلبك ما زال ينبض بالخير."
جلست بجوارها على السرير، وبدأت تسأله عن أحواله. تحدث فارس عن غربته، عن عمله، وعن شعوره بالوحدة التي كانت تنهشه. حاول جاهداً أن يخفي مرارة فقدان ليلى، لكن جدته، بذكاء سنينها، استشعرت الحزن العميق الذي يعتصر قلبه.
"وماذا عن ليلى يا فارس؟" سألت بهدوء، وكأنها تعرف الإجابة قبل أن ينطق بها.
تصبب عرق بارد على جبينه. "لقد... علمت أنها تزوجت." قال بصوت خافت، يتجنب النظر في عينيها.
"نعم. تزوجت من فهد." أجابت أمينة، ونبرة الأسى بدت واضحة في صوتها. "كانت صدمة لها أيضاً، عندما غادرت دون كلمة."
"لم أكن أستطيع البقاء." دافع عن نفسه. "كان عليّ أن أبني مستقبلي، أن أكون رجلاً يستحقها."
"وهل بناء المستقبل يتطلب هجر من أحببنا؟" سألت بهدوء، وكلماتها كانت كالنصح الهادئ، لا كاللوم. "الحب يا بني، يحتاج إلى رعاية، إلى صيانة. ليس كالنبات الذي تتركه ليذبل ثم تحاول إحياءه بعد فوات الأوان."
صمت فارس. كانت كلماتها تلامس أوتاراً لم يكن يرغب في عزفها. لقد أدرك حجم خطئه، لكن الندم لن يعيد ما فات.
"لم أكن أعرف أن الأمر سيصبح هكذا." قال بصوت متهدج. "كنت أظن أن حبي لها يكفي، وأنها ستنتظرني."
"ليلى لم تكن تنتظر السجين يا فارس. كانت تنتظر الرجل الذي يشاركها الحياة، بحلوها ومرها. وعندما طال الانتظار، اختارت أن تبدأ حياتها من جديد."
هذه الكلمات كانت كالصاعقة. لقد كانت تنتظره. لكنه تركها.
"وهل... وهل هي راضية بزواجها؟" سأل، وقلبه معلق بأمل ضئيل.
تنهدت أمينة. "فهد رجل طيب، وابن عمها. وقد أحسن إليها. لكن... الحب ليس مجرد طيبة ورضا. الحب شعور أعمق."
"أنا أحبها يا جدتي." قال فارس، وعيناه تتوسلان. "ما زلت أحبها."
"والحب الذي يبقى في القلب، ولا يُترجم إلى أفعال، يبقى كالحلم البعيد." قالت بحكمة. "لقد تركتها يا فارس. والآن، يجب أن تتعايش مع عواقب ذلك."
توقف الحديث. ساد صمت ثقيل، ملأه صوت الأفكار المتلاطمة في رأس فارس. لقد كان يعتقد أن العودة ستكون بداية جديدة، لكنه اكتشف أنها نهاية. نهاية لحلم، وبداية لفصل لم يكن يتوقعه.
خرج فارس من غرفة جدته، ليجد ريم تنتظره في الخارج. كانت تحمل صينية عليها فنجانان من القهوة العربية.
"تفضل." قدمت له واحداً. "إنها القهوة التي كنت تحبها."
أخذ الفنجان، وشعر بدفء سائلها ينساب في عروقه. "شكراً لك يا ريم."
"لا شكر على واجب." ابتسمت ابتسامة خجولة. "لقد كنتِ قريبة جداً من ليلى. كيف كانت...؟"
"كانت تشتاق إليك." قاطعها فارس. "لكنها كانت تعتقد أنك قد نسيتها."
"لم أنساها أبداً." قال فارس بصدق، ونظر إلى الأفق. "لم يكن هناك يوم غابت فيه عن بالي."
"لكنها لم تعلم بذلك." قالت ريم، ونبرة حزن في صوتها. "الوحدة تجعل الناس يتخذون قرارات صعبة."
"أعلم." وافق فارس. "لقد اتخذت قراراً صعباً أيضاً. قراراً كلفني كل شيء."
جلسا في الحديقة، يتحدثان بصمت في بعض الأحيان، وبكلمات مقتضبة في أحيان أخرى. كانت ريم تحكي له عن أيامها، وعن حياتها بعد أن غادر. كانت تحاول أن تجعله يشعر بالألفة، بأن هذا البيت ما زال يحمل شيئاً من ذكرياته.
"لقد أصبحت المزرعة أكبر." قال فارس، وهو ينظر حوله.
"نعم. فهد ساعد في تطويرها كثيراً." قالت ريم، وسرعان ما أدركت خطأها. "يعني... أبي وأعمامي."
"لا بأس." قال فارس، ولم تثر الكلمة فيه شيئاً. لقد كان مستعداً لسماع اسم فهد. لقد كان عليه أن يواجه الحقيقة.
"لقد مررت بتجارب كثيرة في الخارج." قال فارس. "تعلمت الكثير. تعلمت قيمة العائلة، وقيمة الأوقات التي لا تعوض."
"ليلى كانت دائماً تقول أنك ستعود." قالت ريم. "كانت تؤمن بك."
"ظلمتها." اعترف فارس. "لقد ظلمتها وتركتها."
"لكن الحياة لا تتوقف، فارس." قالت ريم. "والآن، أنت هنا. ربما... ربما هناك فرصة أخرى."
نظرت إليه بعينين تحملان تساؤلاً، وأملاً صغيراً. لكن فارس لم يستطع أن يرى سوى ظلال الماضي.
"لا أعتقد ذلك يا ريم." قال بمرارة. "لقد ضاعت الفرصة. لقد تركتها تذهب."
"لكن... أنت ما زلت تحبها."
"الحب وحده لا يكفي." قال فارس، وعاد إلى عالم أفكاره. "لقد بنيت حياتها بعيداً عني. ولن أستطيع أن أدمرها الآن."
كانت الشمس قد بدأت في الغروب، تاركةً وراءها سماءً ملونة بظلال البرتقالي والأرجواني. شعر فارس بالضياع، وبالوحدة. لقد عاد إلى بيته، لكنه لم يعد ينتمي إليه. كان غريباً في أرضه، وغريباً في قلبه.
"هل أنت متأكد أنك لا تريد تناول العشاء معنا؟" سألت ريم. "الوالدة تحضر طعاماً لذيذاً."
"لا، شكراً لك." قال فارس. "أشعر بالتعب. أريد أن أرتاح قليلاً."
"حسناً. غرفتك القديمة جاهزة. لقد جهزناها لك."
شكرها فارس، ثم اتجه نحو غرفته. عندما دخلها، شعر وكأن الزمن قد عاد به ثلاث سنوات. نفس السرير، نفس المكتب، نفس النوافذ التي كانت تطل على سماء الليل. لكن الذكريات كانت تحمل طعماً مختلفاً الآن. طعم الندم، وطعم الحقيقة المرة.
جلس على حافة السرير، وأغمض عينيه. كان يسمع صوت الريح تهمس في الخارج، وكأنها تتحدث عن حكاية حب ضاعت، وعن أمل تلاشى. لم يكن يعرف ماذا سيفعل الآن. هل سيبقى؟ أم سيغادر مرة أخرى؟
السؤال الأهم كان: هل كان هناك مكان له في هذا العالم الذي تركه، والذي عاد إليه ليجد كل شيء قد تغير؟