زوجتي الجميلة الجزء الثاني
غفلة القلب وفتنة العادات
بقلم ليلى الأحمد
استيقظت ليلى على خيوط الفجر الأولى تتسلل من نافذة غرفتها، ملقيةً ظلالاً فضية على جدران المنزل الهادئ. ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة وهي تستشعر دفء فراشها، وتتذكر تلك اللحظات التي شاركتها مع زوجها، أحمد. لكن سرعان ما تبددت هذه السعادة مع تذكرها لما اعتاد قلبها عليه في غياب أحمد.
نهضت متثاقلة، فمعدتها الفارغة كانت تصرخ شوقاً لذلك المذاق الذي أصبح لا غنى عنها. توجهت نحو المطبخ، خطى قدميها بالكاد تحدث صوتاً على البلاط البارد. بدأت يداها تتحركان بتلقائية، تعرف كل زاوية، كل درج، كل زجاجة. أمسكت بعلبة البسكويت المفضلة لديها، تلك التي تخفيها عن أعين أحمد، والتي تحولت إلى سر صغير بينها وبين نفسها. فتحتها بلهفة، ووضعت قطعة بسكويت في فمها، ثم أخرى، حتى ابتلعت نصف العلبة قبل أن تشعر بالشبع.
جلست على طاولة المطبخ، وعيناها زائغتان، تشعر بلذة مؤقتة سرعان ما تتلاشى لتترك خلفها شعوراً بالذنب والخجل. "لماذا أفعل هذا؟" همست لنفسها. "أحمد لا يحب أن يراني هكذا. هو يريدني بصحة جيدة، قوية، لا أسيرة لعادات سيئة." تنهدت بعمق، تحاول استعادة زمام الأمور. أحمد، زوجها الذي أحبته بصدق، والذي اختارته ليكون شريك حياتها على كتاب الله وسنة رسوله، كان يبث في روحها الطمأنينة والسكينة. كان رجلاً فاضلاً، ذا أخلاق رفيعة، ويدعمها دائماً في كل ما تطلبه. لكن هذه العادة، هذه اللذة السريعة التي تستشعرها في إخفاء هذا الفعل، كانت تشكل سراً مؤلماً بينهما، سراً هي وحدها تعرف أبعاده.
كانت المشكلة لا تكمن فقط في كمية السكر، بل في الفراغ الذي كانت هذه العادات تملؤه. في الأيام التي يشعر فيها أحمد بالإرهاق أو الانشغال، كانت ليلى تشعر بوحدة غامضة، فتجد في هذه المأكولات السريعة ملاذاً مؤقتاً. لم يكن الأمر متعلقاً بالجوع الحقيقي، بل بالحاجة إلى إحساس بالراحة، بالسيطرة، حتى لو كانت سريعة الزوال. كان هذا الإدمان الصغير، الذي بدأ كنزه صغيرة، يتضخم شيئاً فشيئاً، مستنزفاً طاقتها، ومهدداً صحتها، والأهم من ذلك، مهدداً صفاء علاقتها بأحمد.
في أحد الأيام، عندما كان أحمد قد عاد للتو من رحلة عمل طويلة، وجد ليلى نائمة في غرفتها، وعلى وجهها بقايا فتات بسكويت. استيقظت مذعورة، تتصبب عرقاً بارداً، ولم تجد الكلمات المناسبة لتعبر عن خجلها. اقترب منها أحمد بحنان، ولم يعاتبها، بل أمسك بيدها برفق وهمس: "ليلى، هل أنت بخير؟ رأيتك متعبة. هل تحتاجين شيئاً؟"
نظرت إليه بعينين دامعتين، وشعرت بأن ثقل العالم يقع على كتفيها. كانت تريد أن تعترف، أن تخبره بكل شيء، أن تبحث عن المساعدة. لكن الخوف من نظرة خيبة الأمل في عينيه، والخوف من فقدان الاحترام الذي يحملها إياه، منعها من البوح. اكتفت بالهمس: "لا شيء يا حبيبي، فقط إرهاق."
لكن أحمد، بحسه المرهف، أدرك أن هناك ما تخفيه. لم يضغط عليها، بل بدأ يغير من روتينهما اليومي. أصبح يقضي وقتاً أطول معها، يطلب منها أن ترافقها في نزهاته، وأن تشاركه في أطباق صحية جديدة يعدها. كانت هذه اللفتات لطفاً منه، ولكنها في الوقت نفسه كانت تزيد من شعورها بالذنب. كل لقمة بسكويت كانت تأكلها سراً، وكل رغبة جامحة في السكر، كانت تشعرها بأنها تخون ثقة أحمد، وتخدعه.
في إحدى الليالي، بينما كان أحمد يقرأ كتاباً بجوارها، رفعت ليلى رأسها فجأة وقالت بجرأة مفاجئة: "أحمد، أريد أن أعتذر منك." نظر إليها أحمد بدهشة، ثم أغلق كتابه ووضع يده على يدها. "عن ماذا يا ليلى؟" "عن... عن إخفاء بعض الأشياء عنك. عن بعض عاداتي السيئة." ترددت الكلمات، كأنها تقف على حافة بئر عميق. "أعلم أنك تهتم بصحتي، وأنا... أنا لا أفعل ما يكفي."
لم يتغير تعبير وجه أحمد، بل زاد حنانه. "ليلى، أنتِ كل شيء بالنسبة لي. وصحتك هي سعادتي. تحدثي معي، كل ما يزعجك، كل ما يخيفك، أرجوكِ." هنا، على أعتاب هذه اللحظة الفارقة، وقفت ليلى على مفترق طرق. إما أن تختار طريق الصمت والكتمان، الذي سيقودها تدريجياً إلى مزيد من الفراغ والضياع، أو أن تختار طريق الشفافية والشجاعة، لتفتح قلبها لزوجها، وتبدأ رحلة التعافي، رحلة نحو استعادة سلامها الداخلي، وتعزيز الثقة بينهما. إنها لحظة حرجة، حيث تتشابك رغبات القلب مع فتنة العادات، ويكون الاختيار هو مفتاح المستقبل.