الحبيب الغائب الجزء الثالث
همسات الماضي وواقع الحاضر
بقلم سارة العمري
كانت نسمات المساء تلف المكان ببرودتها اللطيفة، حاملة معها عبير الياسمين المتفتّح من حديقة منزل الجدّ. جلست نور، تتأمل أوراق شجرة التين العتيقة التي تغطي جزءاً كبيراً من جدار الاستقبال، مستحضرةً صور الأيام الخوالي، تلك التي جمعتها يوماً بسالم. آه، سالم! كيف يمكن لذكرى رجل غاب عن حياتها لسنوات أن تظلّ حيةً بهذا الشغف، بهذا الحنين الذي يشعل القلب دفئاً وحزناً في آن؟
حاولت نور أن تشتت أفكارها. لقد عادت إلى بيت جدّها في المدينة بعد رحلة قصيرة إلى قرية أمها، حاملةً معها هدايا بسيطة ولكنها ذات معنى كبير. كانت قد أمضت أياماً قليلة مع خالاتها وعماتها، تستعيد ذكريات الطفولة، وتتلمّس دفء العائلة الذي افتقدته في غمرة مشاغلها. غير أن قلبها كان دوماً يتجه نحو اتجاه واحد، نحو المدينة، ونحو من كان فيها.
استقبلتها جدتها بالترحاب المعهود، بابتسامتها الدافئة وعينيها التي تحملان حكمة السنين. "عوداً حميداً يا حبيبتي نور. هل استمتعتِ بوقتك؟" سألتها وهي تحتضنها.
"أكثر مما تتخيلين يا جدتي. كانت الأيام جميلة، ولكنني اشتقتُ إليكم جميعاً." أجابت نور، وشعرت بثقل الغياب يتبدد قليلاً بين ذراعي جدتها.
لكن الشوق كان يمتد إلى ما هو أبعد من مجرد لقاء العائلة. كان هناك شوقٌ صامت، شوقٌ لا يمكن البوح به، شوقٌ يرتبط باسمٍ واحد. كان سالم قد اتصل بها قبل سفرها، وكانت المكالمة قصيرة ومقتضبة، لكن كل كلمة قالها كانت تحمل في طياتها ألف معنى. تحدث عن أحواله، وعن عمله، وعن ظروف أجبرته على الابتعاد. لم يتطرق أبداً إلى ماضٍ مشترك، لم يلمّح إلى مشاعر دفينة، لكن نور شعرت في نبرة صوته ما لم يستطع لسانه أن يعبر عنه. هل كان هو أيضاً يشعر بهذا الشوق؟ هل كان يذكر تلك الأيام التي جمعتهما في بيت الجدّ، قبل أن تفرقهم ظروف الحياة؟
في اليوم التالي، وبينما كانت نور تساعد جدتها في إعداد مائدة الغداء، سمعت صوتاً مألوفاً يدقّ على الباب. استغربت. من عسى أن يكون زائراً في هذا الوقت؟ تقدمت جدتها لتفتح الباب، وتتوقف نور مبهورة. واقفٌ على عتبة الدار، شامخاً كعادته، بابتسامته التي تعرفها نور جيداً، ولكنها هذه المرة تحمل شيئاً من الحذر. سالم.
"السلام عليكم." قال بصوتٍ هادئ، وعيناه تبحثان عن وجه نور.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تفضل يا سالم، تفضل." أجابت جدتها بترحيبٍ مفاجئ، يبدو أنها لم تتوقع زيارته.
دخل سالم، وألقى السلام على جدة نور، ثم توقفت عيناهما. لحظةٌ صمتٍ امتدت، امتدت كأنها تحمل ثقل كل الكلمات التي لم تُقال. شعرت نور بدقات قلبها تتسارع، وبأنفاسها تضيق. كان الموقف غريباً، يحمل في طياته كل ما يمكن أن يثير الشكوك، وكل ما يمكن أن يبعث الأمل.
"لم أتوقع رؤيتك هنا يا سالم." قالت نور بصوتٍ حاولت أن تجعله طبيعياً، رغم الرجفة التي تسللت إلى كلماتها.
"علمتُ أنكِ عدتِ من عند والدتكِ. أحببتُ أن أطمئن عليكِ." أجاب سالم، متجنباً النظر مباشرةً في عينيها، ولفت انتباهه تفاصيل الغرفة، تلك التفاصيل التي لم تتغير منذ زمن.
جلسا في غرفة الاستقبال، وتحدثوا في أمور العامة. سالم كان يتحدث عن عمله، عن مشاريع جديدة، وعن طموحاته. كان يبدو أكثر نضجاً، وأكثر هدوءاً. نور استمعت إليه باهتمام، تحاول قراءة ما وراء كلماته. هل كان يحاول أن يخبرها بأنه قد تجاوز الماضي؟ أم أنه كان يعدّ الطريق لمرحلة جديدة؟
"وكيف كانت زيارتكِ لوالدتكِ؟" سأل سالم، أخيراً، وبعد حديثٍ طويل عن العمل، حاول أن يخفف من وطأة الجوّ.
"كانت جميلة. أمي بصحة جيدة، والقرية هادئة كما عهدتها. تحدثنا كثيراً عن الماضي." أجابت نور، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتقول شيئاً.
"الماضي... نعم، الماضي له حكمته." قال سالم، وهو يرتشف من فنجان الشاي الذي قدمته له الجدة.
"بعض ذكريات الماضي جميلة، وأخرى تحمل ألماً. لكن المهم هو كيف نتعلم منها، وكيف نبني بها مستقبلنا." قالت نور، وهي تنظر إليه مباشرةً في عينيه. كانت تلك نظرةٌ تحمل في طياتها أكثر مما تستطيع الكلمات أن تعبر عنه. نظرةٌ فيها تحدٍ، وفيها رجاء، وفيها إصرار.
"بالتأكيد. المستقبل يبنى على الأسس القوية. ولكن أحياناً، الأسباب التي دفعتنا إلى الابتعاد، قد تظلّ قائمة. وقد تكون هي نفسها التي تمنعنا من التقدم." قال سالم، وكلماته كانت تبدو وكأنها تحمل وزناً ثقيلاً.
نور شعرت بأن الهواء حولها قد ثقل. هل كان يتحدث عن ظروفٍ معينة؟ هل كان يتحدث عن عائلته؟ عن أمه؟ كانت تعرف أن والدته لم تكن يوماً راضيةً عن علاقته بها. لقد كانت دائماً تفضل له فتاةً من عائلةٍ أخرى، عائلةٍ ذات ثراءٍ ونفوذ.
"هل تقصد ظروفاً معينة؟" سألت نور، بصوتٍ خافت، تحمل كلماتها الكثير من الأسئلة.
"الحياة يا نور مليئة بالتعقيدات. وأحياناً، نجد أنفسنا مضطرين لاتخاذ قرارات صعبة، قرارات لا تعكس رغباتنا القلبية، بل تفرضها علينا واجباتٌ أخرى." أجاب سالم، وهو ينهض واقفاً، كأنما أراد إنهاء هذا الحديث.
"أنا أفهم. ولكن هل هذا يعني أننا يجب أن نستسلم لهذه الظروف؟" سألت نور، وروحها تتمرد على كلمات اليأس.
"لا، لا يعني الاستسلام. يعني الحكمة، يعني التخطيط. وأحياناً، يعني الانتظار." قال سالم، بنظرةٍ لم تستطع نور فكّ رموزها.
نهض سالم، وقال بأنه يجب عليه الذهاب. رحّبت به الجدة، ونور ودّعته بنفس الهدوء الظاهري، لكن قلبها كان يعتصره ألمٌ وغضب. لقد كان لقاءً مشحوناً، مليئاً بالكلمات غير المباشرة، بالرموز، وبالحيرة. هل كان سالم يعتذر عن الابتعاد؟ أم أنه كان يبرر لنفسه؟ أم أنه كان يضع حدوداً جديدة؟
بعد أن غادر سالم، جلست نور في مكانها، مستحضرةً كل كلمة، كل نظرة. كانت تشعر بأنها تقف على مفترق طرق. هل كان حبها لسالم مجرد ذكرى جميلة، أم أنه كان حباً لا يزال حياً، يتغذى على الأمل؟ وهل كان سالم يشعر بنفس الشيء، أم أن ظروف الحياة قد غيّرت مساره، وجعلته يفكر بطريقةٍ مختلفة؟
نظرت إلى جدتها. "يا جدتي، هل تعرفين لماذا جاء سالم اليوم؟"
ابتسمت الجدة بحكمة. "سالم رجلٌ طيب يا نور. ربما أراد أن يطمئن عليكِ، أو ربما... ربما أراد أن يتأكد من شيء."
"وما هو هذا الشيء؟" سألت نور، وعيناها تتسع ترقباً.
"هذا السؤال، لا أظن أنني أستطيع الإجابة عنه. أظن أن الإجابة كامنةٌ في قلبه، وفي قلبكِ أيضاً." قالت الجدة، وهي تربت على يد نور.
تركت نور الجدة، وذهبت إلى غرفتها. جلست بجوار النافذة، تتأمل السماء التي بدأت تتلون بألوان الغروب. كانت تشعر بأن كل شيء قد تغير. لقاء سالم اليوم لم يحلّ لها شيئاً، بل زاد من تعقيد الأمور. لقد أعاد إلى ذاكرتها كل ما كان، وأعاد إلى قلبها كل ما كانت تتمنى. ولكن هل كانت الظروف تسمح بذلك؟ هل كان قلب سالم لا يزال يتسع لها؟ وهل كانت والدته ستوافق؟
أغمضت نور عينيها، وحاولت أن تستجمع قوتها. لقد تعلمت من الماضي، ومن تجاربها. لن تستسلم لظروفٍ لا تزال مجهولة. ستقف، وستواجه، وستحاول. لكنها كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً. لقد كان ماضي سالم وواقع عائلته يشكلان حاجزاً كبيراً. ولكن هل كان هذا الحاجز مستحيلاً؟
شعرت بأن الأفكار تتصارع داخل رأسها. هل كان سالم يختبر مشاعرها؟ هل كان يريد أن يرى رد فعلها؟ أم أنه كان يودعها بطريقةٍ غير مباشرة، يخبرّها بأن ما كان بينهما قد انتهى؟
نظرت إلى صورة قديمة لها مع سالم، كانت تلتقطها قبل سنوات، في إحدى المناسبات العائلية. كانا يبتسمان، وكان المستقبل يبدو واسعاً أمامهما. الآن، كل شيء بدا ضبابياً.
"آه يا سالم، أين أنت؟ وماذا تريد؟" همست نور لنفسها، والدموع تتجمع في عينيها. كان الماضي يهمس، والحاضر يشير إلى طريقٍ شاق.
استيقظت في الليلة التالية على صوت هاتفها يرن. كان رقماً غريباً. ترددت قليلاً، ثم أجابت. "مرحباً؟"
"مرحباً نور. أنا آمنة، ابنة خالة سالم." جاء صوتٌ أنثوي، يبدو أنها في عمر نور تقريباً.
"أهلاً آمنة. كيف حالك؟" قالت نور، متفاجئةً. لم تتوقع مكالمةً منها.
"بخير الحمد لله. سمعتُ أن سالم زاركِ بالأمس. هل كل شيء على ما يرام؟" سألت آمنة، وبدا في صوتها نوعٌ من القلق.
"نعم، كل شيء على ما يرام. لماذا تسألين؟" أجابت نور، وشعرت بأن هناك ما تخفيه آمنة.
"في الحقيقة، أردتُ أن أتحدث معكِ في أمرٍ حساس. يتعلق بسالم." قالت آمنة، ثم ترددت قليلاً، قبل أن تكمل: "لقد مرّ سالم ببعض الضغوط مؤخراً، خاصةً من والدته. والدته تضغط عليه بشدة ليتزوج من ابنة عمٍ له، فتاةٌ من عائلةٍ معروفة."
شعرت نور بقلبها يهبط. كانت تخشى هذا. "وهل... هل وافق؟"
"لا أعرف تماماً. ولكنه يبدو حزيناً جداً هذه الأيام. أرادتُ أن أخبركِ، ربما... ربما تستطيعين التحدث إليه. أظن أنكِ الوحيدة التي يفهمكِ." قالت آمنة، وبدت كلماتها تحمل صدقاً ورغبةً حقيقيةً في المساعدة.
"شكراً لكِ آمنة. سأحاول." قالت نور، وهي تشعر بأن ثقل الدنيا قد وقع على كتفيها. كانت تعلم أن الأمور ليست بهذه البساطة. ولكن، هل كانت آمنة تقول الحقيقة كاملة؟ أم أن هناك ما هو أبعد من ذلك؟
بعد انتهاء المكالمة، بقيت نور وحدها مع أفكارها. كانت تعلم أن والدة سالم هي العقبة الكبرى. ولكن هل كان سالم مستعداً لمقاومة هذه العقبة؟ وهل كانت لديه الرغبة في ذلك؟ كانت أزمةٌ جديدة تتكشف أمامها، أزمةٌ تحمل في طياتها تهديداً حقيقياً لحبٍ لم يتسنَ له أن يزهر بالكامل.