الحبيب الغائب الجزء الثالث

رماد الأمس ونور الغد

بقلم سارة العمري

كانت نسمات الفجر الأولى تتسلل بوهن عبر النوافذ العتيقة لبيت العائلة، تحمل معها وعدًا بيوم جديد، لكن في قلب لينا، كان الظلام لا يزال يخيم. لم تنم لينا تلك الليلة إلا قليلًا، وكلما غفت، استيقظت على صوت أنفاسها المتقطعة، وصورة وجهها الشاحب تومض في ظلام الغرفة. كانت حيرتها تتنازعها بين ما تمليه عليها العاطفة وما تفرضه عليها الأحداث. عاد إليها فارس، هذا صحيح، لكن عودته حملت معها أسئلة أكثر من الأجوبة، وأشواكًا أكثر من الورود.

جلست على حافة السرير، ويداها تشدّان على لحافها كأنها تبحث فيه عن ملاذ. نظرت إلى المصحف الصغير الذي كان بجوار وسادتها، تتلمس غلافه الجلدي البالي. تذكرت كيف كان والدها يقرأ فيه بصوت خاشع كل ليلة، وكيف كانت هي تستمع إليه، تشعر بسكينة تغمر روحها. اليوم، كانت بحاجة ماسة لتلك السكينة. فتحت المصحف على عشوائية، وقرأت: "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". تبسّمت ابتسامة باهتة، ورغم أنها لم تغمر قلبها بالكامل، إلا أنها أضاءت زاوية فيه، بداية خيط أمل رفيع.

في الأسفل، كان المطبخ قد اكتظّ بالنشاط. أمها، السيدة فاطمة، كانت تتحرك بخفة بين الأواني، ورائحة القهوة العربية الأصيلة تفوح لتملأ أرجاء المنزل. كانت تحاول أن تظهر هدوءًا خارجيًا، لكن القلق كان يرتسم على محياها كلما مرت عينها على باب غرفة لينا. ابنها، عبد الرحمن، كان جالسًا على المائدة، يحتسي قهوته وهو يتصفح جريدة الصباح، لكن ذهنته لم تكن مع الأخبار. كان يراقب حركة أمه، ويستشعر ثقل ما يحدث.

"لينا لم تنزل بعد يا أمي؟" سأل عبد الرحمن بصوت هادئ، محاولًا ألا يثير قلقها أكثر. "لا يا بني، يبدو أنها لم ترتح جيدًا." أجابت أمها وهي تضع طبقًا من الفطائر الطازجة أمامه. "قلت لها أن تأخذ وقتها. هذه الأمور تحتاج إلى تفكير وهدوء." "أمي، هل تعتقدين أن فارس سيغير رأيه؟" سؤال خرج من عبد الرحمن بشكل عفوي، لكنه حمل في طياته الكثير. توقفت السيدة فاطمة للحظة، أمسكت بيد ابنها بقوة. "يا عبد الرحمن، لا يمكننا أن نحكم على قلوب الناس. لكننا نعرف معدن أختك، ونعرف معدن عائلتها. إنها قوية، وستفعل ما هو صواب."

كانت الساعات تمر بطيئة. في الخارج، بدأ النهار بالبسط نور شمسه الذهبية على أسطح المنازل، وتسللت أشعته الدافئة إلى داخل الغرفة، لتلامس وجه لينا. استيقظت أخيرًا، وشعرت بثقل غريب يشدّها. نظرت حولها، ثم تذكرت كل شيء. النهوض من السرير كان أصعب ما كان. ارتدت ثيابها، وكانت تختارها بعناية، كأنها ترتدي درعًا.

عندما نزلت لينا إلى المطبخ، وجدت أمها وابنها جالسين يتحدثان بصوت خافت. ابتسمت لهم ابتسامة مرهقة. "صباح الخير." قالت بصوت مرتجف قليلًا. "صباح النور يا حبيبتي." أجابت السيدة فاطمة، وعيناها تبحثان في وجه ابنتها عن أي علامة تدل على قرار. "هل أنتِ بخير يا لينا؟" سأل عبد الرحمن، وعلامات الاهتمام تملأ عينيه. "بخير الحمد لله." أجابت لينا، وجلست على الكرسي المقابل لهما. "لقد فكرت كثيرًا."

صمتت للحظة، ثم استجمعت قواها. "فارس… عاد. وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لقد أحضر معه الكثير من الذكريات، والكثير من الألم. لكنه أيضًا أحضر معه… شيئًا آخر. شيئًا جعلني أتردد." نظرت إلى أمها، التي كانت تستمع بانتباه شديد، ثم أكملت: "لقد رأيت في عينيه ندمًا صادقًا، ورأيت فيه تصميمًا على تصحيح أخطائه. لقد مرّت سنوات، وتغير هو، وتغيرت أنا. لم أعد تلك الفتاة التي تركها خلفه." "لكن كيف يمكننا أن نثق به يا لينا؟" سألت السيدة فاطمة بقلق. "الماضي كان قاسيًا." "أعلم يا أمي." أجابت لينا. "ولذلك، لا يمكنني أن أقول نعم بسهولة. لكنني أيضًا لا أستطيع أن أقول لا بناءً على جروح قديمة. أردت أن أتحدث معه، أن أسمع منه كل شيء، وأن أفهم لماذا اتخذ تلك القرارات. أردت أن أعرف إن كان ما حدث في الماضي سيتردد صداه في المستقبل."

هذا القرار كان صعبًا، لكنه بدا هو الخطوة المنطقية الوحيدة. لم تكن لينا تريد أن تتسرع، ولم تكن تريد أن تترك الأمور معلقة. كانت تريد أن تواجه، وأن تتخذ قرارًا عن وعي كامل، وليس تحت ضغط اللحظة. "سأطلب منه أن يأتي إلى هنا لنتحدث. ليس كحبيب، وليس كزوج. بل كشخصين التقيا بعد غياب طويل، لديهما قصة مشتركة، وربما يحتاجان إلى إغلاقها بطريقة سليمة." قالت لينا، وهي تشعر بقليل من الثقل يزول عن صدرها.

"وهذا قرار حكيم يا ابنتي." قالت السيدة فاطمة، ثم ابتسمت بحنان. "دائمًا ما كنتِ صاحبة عقل رشيد." "فقط أريد أن أكون واثقة يا أمي." قالت لينا. "واثقة من أنني لا أتصرف بناءً على مشاعر مؤقتة، أو خوف من المجهول. أريد أن أرى إلى أين تأخذنا هذه المحادثة."

كان هذا التطور مفاجئًا بالنسبة لعبد الرحمن. لم يتوقع أن لينا ستكون مستعدة لمواجهة فارس مرة أخرى، حتى لو كان ذلك بنبرة عقلانية. لكنه رأى في عينيها تصميمًا جديدًا، صلابة اكتسبتها من الألم والغربة. "سأكون بجانبكِ يا لينا." قال عبد الرحمن، وأمسك بيدها. "مهما كان قرارك، سنقف معكِ." "شكرًا لك يا أخي." قالت لينا، وابتسامة حقيقية بدأت ترتسم على شفتيها.

في وقت لاحق من ذلك اليوم، وبعد صلاة الظهر، استجمعت لينا شجاعتها، وأمسكت هاتفها. بدأت بكتابة رسالة إلى فارس، ثم مسحتها. أعادت الكتابة، ثم مسحتها مرة أخرى. أخيرًا، وجدت الكلمات المناسبة. كانت بسيطة ومباشرة، تعبر عن رغبتها في اللقاء، لكنها حددت نوع اللقاء بوضوح.

"مرحبًا فارس. أتمنى أن تكون بخير. أود أن أتحدث معك. ليس الآن، وليس غدًا. ولكن عندما تشعر بالاستعداد، أرغب في لقائك. ليس لتجديد الماضي، بل لفهم ما حدث. سأكون متواجدة في المنزل غدًا وبعد غد. إذا رغبت في ذلك، أبلغني. لينا."

أرسلت الرسالة، وشعرت بارتعاشة خفيفة تسري في يديها. كان وضعها بين يدي الله، وما سيأتي، سيكون ما كتب لها. كان باب العودة مفتوحًا، لكنها لم تعرف بعد ما إذا كانت ستقرر العبور منه، أم أنها ستجد طريقًا آخر، طريقًا خاصًا بها، لا يمر عبر رماد الأمس، بل نحو نور غدٍ مشرق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%